1 - زهرة وسط الإعصار
كانت السماء تمطر بغزارة، والرعد يتردد صداه بين الجبال ، المطر لم يكن يسقط، بل كان ينهمر بقوة
يحيل تراب الغابة إلى أفخاخ من الطين اللزج الذي يبتلع الخطوات.
وسط هذا الوضع الصعب ، كانت ريشي جسداً صغيراً يقاوم الفناء.
كان ثوبها، الذي كان يوماً ما من أرق أنواع الحرير، معلقاً على جسدها كخرقة بالية، مشرباً بمزيج من مياه الأمطار ودمائها التي لم تجف بعد.
كانت جروحها العميقة في ساعديها وقدميها تشتعل ألماً مع كل ضربة ريح باردة تخترق جلدها.
كانت أنفاسها تخرج متقطعة، محملة بضباب أبيض يشهد على برودة جسدها التي وصلت للحدود الخطرة.
سقطت ريشي للمرة العاشرة، لكن هذه المرة لم تجد في ساقيها القوة للنهوض.
زحفت على مرفقيها، تشق طريقها وسط أوراق الشجر الميتة، وعيناها اللتان غلفهما الضباب لا تريان سوى ذلك الشعاع الذهبي الخافت المنبعث من نافذة كوخ صغير يقف شامخاً رغم العاصفة.
بآخر ذرة وعي، وصفت أناملها المرتجفة الباب الخشبي الثقيل.
لم تكن تملك القدرة على الطرق، بل سقط جسدها عليه بثقله المتهالك، فكان صوت ارتطامها هو صرختها الأخيرة قبل أن يطبق الصمت على عالمها.
في الداخل، كان الجو يضج برائحة خشب البلوط المحترق وعبق التوابل الدافئة.
راين، الرجل الذي امتلك قبضة من حديد وقلباً من ذهب، كان يمسح العرق عن جبينه أمام مدفأته، بينما كانت مارتا، طاهية قصر دوقية “أريندور”، تقلب حساء الخضار الذي يغلي بهدوء.
عندما سمعا ذلك “الارتطام” الخافت، توقفت حركة مارتا تماماً.
نظر راين نحو الباب، واستل خنجراً بسيطاً كان بجانبه، متوقعاً حيواناً ضالاً أو غريباً يطلب مأوى.
ولكن حين فتح الباب، تراجعت حدته فوراً لتحل محلها صدمة ألجمت لسانه.
“يا إلهي.. مارتا! أحضري الأغطية بسرعة!”
حمل راين جسد ريشي الصغير، وشعر بفزع حقيقي من مدى خفة وزنها وبرودة جلدها التي تشبه برودة الموت.
وضعها على بساط صوفي أمام الموقد، لتبدأ مارتا بمهمة إنقاذ شاقة.
بينما كانت تمسح الطين عن وجه الطفلة، علقت أصابعها بشيء معدني صلب يتدلى من عنقها.
سحبت مارتا القلادة؛ كانت قطعة فنية مذهلة، زمردات دقيقة تحيط باسم محفور ببراعة ملكية (ريـشـي).
تبادلا نظرة طويلة صامتة.
لم يحتاجا لكلمات ليدركا أن هذه الفتاة ليست مجرد عابرة سبيل، بل هي سرّ كبير قذفته العاصفة إلى عتبة دارهما.
ضمّت مارتا الفتاة إلى صدرها الدافئ وبدأت تهمس لها:
“أنتِ في أمان الآن يا صغيرة.. لن يمسكِ سوء في كوخ الحداد.”
Chapters
Comments
- 1 - زهرة وسط الإعصار منذ 3 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"