الفصل 20
“هذا جيد.”
لم تصدق “إيف” أذنيها بعد سماع رد “كاميين”.
“ماذا قلت لتوك……؟”
“الآنسة “موريتا” فقدت وعيها. والمكان هو غرفة الطعام وليست غرفة النوم، كما أنه لا يوجد موظفون حولنا. إنه وضع مثالي لإلقاء الإيحاء.”
كانت طريقة حديثه كما لو أن هذا خبر رائع لا يعوض، مما جعل “إيف” تشعر بفجوة عميقة.
نظرت “إيف” بملأ عينيها إلى مظهر “كاميين” الذي كان أروع من أي رجل رأته، وكأنها تحاول اختراق ما يكمن داخله من شيء غير بشري.
“هل ترغب السيدة في علاج هذه المرأة؟”
“لا.”
تنفست “إيف” الصعداء بعد تفكير طويل وقالت:
“يبدو أنها غبية بعض الشيء. لا بد أن تتألم قليلا لكي تستفيق.”
ألم يعلمها “آندي” ذلك من قبل؟ أن سوء التصرف على الطاولة قد يؤدي إلى حرق شديد.
لقد تمادت “جنيفيف” في عنادها.
لو كانت ‘المربية’ خادمة عادية، لكانت قد أصيبت بحروق شديدة.
ما كانت تحتاجه “جنيفيف” هو درس قاس.
“سأفعل كما أمرت السيدة.”
* * *
كانت “جنيفيف” لا تزال جالسة في غرفة الطعام بقصر “بيلفر”.
جاءت “إيفني” وجلست معها بصفتها صاحبة المنزل. لم ترفض “جنيفيف” ذلك.
وبما أنها ابنة نبلاء مفلسين، كانت آداب الطعام لدى “إيفني” سيئة للغاية.
وكانت “جنيفيف” تشير إلى أخطائها واحدا تلو الآخر.
“هيئ!”
غرغرت عينا “إيفني” بالدموع ثم نهضت مسرعة.
نظرت “جنيفيف” بسخرية إلى ظهر “إيفني” وهي تغادر هاربة.
في هذه اللحظة، لمحت “سيريان” وهو يدخل غرفة الطعام.
رغم مرور الوقت، إلا أن ملامحه لا تزال أنيقة وجميلة.
بدا وجهه أنحف من ذي قبل، مما جعل قلب “جنيفيف” يتألم لتأكدها من خبر مرضه.
رأى “سيريان” عند المدخل “إيفني” وهي تمر من جانبه.
وظهرت موجة كبيرة من القلق في عينيه التي كانت دائما هادئة.
التفت بجسده نصف التفاتة، وكأنه سيلحق بـ “إيفني” فورا.
“سيد “سيريان”!”
نادته “جنيفيف” بسرعة وهي تشعر بالقلق.
“انتظر لحظة من فضلك. أرجوك على الأقل التحية…….”
إن لم تره الآن، فلا تعرف متى ستراه مرة أخرى.
وبينما تنهض باستعجال، اصطدمت ركبتها بالطاولة بقوة وسقطت إلى الخلف.
اهتزت الطاولة بقوة، وانسكب إبريق الحليب الموضوع على الحافة فوق “جنيفيف”.
“آآآآخ!”
ذعرت “جنيفيف” بعد أن غطى الحليب الساخن جزءها العلوي.
“سـ، ساعدني! سيد “سيريان”……!!”
مدت يدها نحو “سيريان” وهي تبكي تقريبا.
لكن “سيريان” قطب حاجبيه وكأنه يرى شيئا قذرا، ثم غادر غرفة الطعام.
“انتظري، يا سيدتي!”
تلاشى صوت خطوات “سيريان” وهو يركض خلف “إيف”…….
لا يمكن أن يكون هذا حقيقة. فقدت “جنيفيف” وعيها من شدة الصدمة.
************
“……آنسة. آنستي!”
استفاقت “جنيفيف” بعد أن اهتز جسدها. كان الخادمات يحيطن بها وينقلنها.
هل كان كل ما حدث منذ قليل حلما؟
“آخ، هيئ، هيئ!”
لم يكن كذلك! كان وجه “جنيفيف” مبللا تماما.
وهمت دموعها بسبب الألم الحار الذي تشعر به في وجهها وذراعها وصدرها.
“آنستي، هل تتألمين كثيرا؟ ماذا أفعل.”
رأت وجه “فيليا” القلقة بجانبها.
“أنا، ماذا حدث لي……؟”
“لقد تعثرت بالخطأ عندما نهضت في غرفة الطعام. ويبدو أنك أصبت بحروق طفيفة بسبب ذلك.”
إذا لم يكن حلما حقا. حقيقة أن السيد “سيريان” رآني وتجاهلني كانت صحيحة.
ارتجف جسد “جنيفيف” من شدة اليأس.
” “فيليا”. أنا، ما مدى إصابتي؟ هل سيبقى أثر؟”
“أثر؟ مستحيل.”
ردت “فيليا” بمحاولة للتشجيع رغم وجهها الباكي.
“لقد غسلنا المكان بالماء المثلج فورا، لذا ستكونين بخير. سأضع لك الكمادات دون توقف منذ اليوم.”
” “فيليا”…….”
بدأت “جنيفيف” تبكي كالأطفال. تعلقت بذراع “فيليا” ودموعها تنهمر.
“أريد العودة للمنزل. سأعود…….”
كان كلام “فيليا” صحيحا.
لم يكن يجب علي المجيء إلى هنا منذ البداية.
* * *
“حقا، لا يمكنني الفهم.”
تمتمت “بريتاني”، السيدة الكبرى لعائلة “رومين”، وهي تقطب حاجبيها.
لقد أصيب ظهرها بشدة في الماضي.
واتخذت ذلك عذرا لتتظاهر بالألم وتستلقي على السرير لتمضية الوقت.
بما أن لديها ابنا ناضجا وزوجته، وابنة كبرى أصبحت سيدة في منزل غني، وابنة صغرى تتولى جميع الأعمال المنزلية، لم تكن “بريتاني” بحاجة لتحريك إصبع واحد.
لكن الوضع تغير مؤخرا.
بسبب تدهور حال عائلة “رومين”، قاموا بتزويج ابنتهم الصغرى “إيفني”.
وكان الطرف الآخر هو عائلة “أرنو” العريقة.
وبما أنها ابنة ناقصة للغاية، لم يكن هناك مجال لاعتبارها زوجة شرعية، بل ظنوا أنها ستعامل كمحظية.
‘على الأقل سيعطوننا بعض المال.’
كانت “إيف” فتاة لا تنفع المنزل في شيء.
ولو بقيت لكانت قد تعرضت للضرب حتى الموت على يد أخيها بسبب استفزازها له.
ولكن ما هذا؟ لقد سمعوا أن “إيف” ورثت قصرا ضخما فجأة!
<يبدو أن تلك الفتاة الناقصة تملك جسدا صالحا للاستعمال على الأقل؟>
عند سماع الخبر، ذهب “هايد” إلى قصر “بيلفر” بفرح.
وكانت معه “إيولا” التي أعماها الطمع، و “دوريس” التي ملأها الحسد.
فكرت “بريتاني” في المجيء معهم لكنها تراجعت.
لقد كان الطريق إلى قصر “بيلفر” يستغرق أكثر من يوم كامل بالعربة، وذلك في حال الركض دون توقف.
مجرد التفكير في الأمر جعل ظهرها المصاب يؤلمها.
‘هل “إيولا” بخير؟ لم يبق على موعد ولادتها سوى شهرين.’
كان هذا هو قدر قلق “بريتاني” وهي تنتظر وحدها في المنزل.
كان “هايد” يسيطر على المنزل بقوة بصفته الابن الأكبر، كما كانت كنتها “إيولا” حازمة أيضا.
ناهيك عن ذكاء ابنتها الكبرى “دوريس”.
لقد كانوا أبناء يعتمد عليهم.
وكانوا قادرين على أخذ ‘مكافأة صغيرة’ من “إيف” لأجل منزل أهلها.
لكن بعد بضعة أيام، عادوا بحال يرثى لها.
“يا للهول! لماذا وجه ابني هكذا؟ كيف أصبت؟!”
“لقد سقطت…… من العربة.”
“ألم يضربك أحد؟ وأين “دوريس”؟ لقد ذهبت معكم!”
” “دوريس”…… عادت إلى منزلها.”
“لماذا؟ لقد قالت إنها ستبقى في منزل أهلها لمدة أسبوع بعد الزيارة.”
مر “هايد” من جانب “بريتاني” وهو يترنح دون إجابة.
أمسكت “بريتاني” بـ “إيولا” التي كانت تتبعه وسألتها:
“يا ابنتي. هل آمر الخدم بإنزال الأمتعة من العربة؟”
“أمتعة……؟ لا يوجد. لا شيء من ذلك.”
“ماذا تقولين؟ ألم تقابلوا “إيف”؟ لا بد أنها أعطتكم شيئا ما؟”
لم تجب “إيولا” أيضا.
كان وجهها شاحبا كمن يحلم وعيناه مفتوحتان في وضح النهار.
“ما بها؟ “إيولا”!”
عندما هزت “بريتاني” المرتبكة ذراعها، تحركت عينا “إيولا” قليلا.
“لا يمكن ذلك. أخبريني ماذا حدث مع “إيف”!”
“الآنسة الصغرى…… لا يمكن.”
“لا يمكن، ماذا تعنين؟ هل قالت إنها لن تعطي شيئا؟ هل طردت عائلتنا من أمام الباب؟”
“لا يجب إزعاج الآنسة الصغرى، أبدا…….”
شحب وجه “إيولا” وهي تجيب.
وبدأ تنفسها يصير صعبا حتى أمسكت ببطنها فجأة.
“يا إلهي! هل أنت بخير؟ “هايد”! اخرج لحظة!!”
لحسن الحظ، لم تجهض “إيولا”.
لكنها ظلت تعاني لبضعة أيام كامرأة حامل تعرضت لصدمة كبيرة مفاجئة.
تمزق قلب “بريتاني” خوفا من فقدان حفيدها الأول.
لكن حتى لو ولد الطفل، فلم يكن هناك مال لتوظيف مربية أو مدرس خصوصي.
كانت “بريتاني” تسأل “إيولا” بين الحين والآخر عن زيارة “إيف” وهي تعتني بها، لكن حالة “إيولا” الصحية كانت تتدهور كلما سمعت السؤال.
وعندما ذهبت لتسأل “هايد” لأنها لم تعد تحتمل، كان الوضع مماثلا.
الابن الذي كان حملا وديعا أمام “بريتاني” كان يغلق فمه تماما عند ذكر اسم “إيف”.
لم يكن يقول سوى شيء واحد يكرره دائما: إنه لا يجب الذهاب إلى قصر “بيلفر” أبدا.
“إذا ما هو السبب! أخبرني ماذا حدث هناك؟ لماذا لا تخبرني؟”
اختفى التركيز من عيني “هايد”.
وبدأ يرتجف في مكانه ويتصبب عرقا باردا.
خافت “بريتاني” من أن يحدث مكروه لابنها أيضا.
‘سأرسل رسالة إلى “دوريس” لأسألها.’
ولكن مهما أرسلت من رسائل، لم يأت أي رد من “دوريس”.
استمر تأخر الضرائب الملكية، ولم يكن هناك مال لدفع رواتب الموظفين، مما جعلها تشعر بالإحراج.
ولتزيد الطين بلة، وصلت رسالة من معبد إقليم “رومين”.
كانت تطلب التبرع الدوري لهذا العام.
‘تبرع ماذا! ليس لدينا مال حتى لأنفسنا.’
وبينما كانت “بريتاني” تعصر الرسالة بغضب، لمحت عيناها فجأة.
‘صحيح! لنطلب المساعدة من المعبد.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"