الفَصْلُ 13
عَادَ الامْتِلَاءُ لِوَجْهِ “غايِين” بَعْدَمَا كَانَ شَاحِبًا وَنَحِيلًا.
وَعَادَ اللَّمَعَانُ لِبَشَرَتِهَا الجَافَّةِ وَخُصَلَاتِ شَعْرِهَا.
قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ التَّلْوِينُ الفِعْلِيُّ، اسْتَعَادَتْ “غايِن” جَمَالَهَا السَّابِقَ تَمَامًا.
“كَمَا تَوَقَّعْتُ، نَظَرِي لَا يُخْطِئُ، سَتَكُونِينَ أَعْظَمَ شَاهِدٍ عَلَى فَنِّي.”
حَتَّى كَلِمَاتُ الرَّسَّامِ الَّتِي كَانَتْ تُثِيرُ قَلَقَهَا فِي السَّابِقِ، أَصْبَحَتْ تَقْبَلُهَا بِابْتِسَامَةٍ الآنَ.
“لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ أَلَّا تَبْتَسِمِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
مَعَ أَنَّ الرَّسَّامَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجَبًا بِذَلِكَ كَثِيرًا.
“المَرْأَةُ مِثْلُ زَهْرَةِ اللُّوتُسِ فِي الطِّينِ، تُزْهِرُ أَجْمَلَ بَرَاعِمِهَا وَسَطَ المِحَنِ وَالشَّقَاءِ!”
رَغْمَ أَنَّ جُنُونَهُ كَانَ عَيْبَهُ الوَحِيدَ، إلَّا أَنَّ الفَنَّانِينَ نَادِرًا مَا يَكُونُونَ فِي كَامِلِ قُوَاهُمُ العَقْلِيَّةِ.
لَمْ تَهْتَمَّ “غايِين” لِلأَمْرِ، فَمُنْذُ أَنْ أَصْبَحَتْ عَارِضَةً لَهُ، تَحَسَّنَ وَضْعُ “يوجين” أَيْضًا.
بَذَلَ أَهْلُ القَرْيَةِ قُصَارَى جَهْدِهِمْ لِعَدَمِ إزْعَاجِ الرَّسَّامِ الَّذِي دَفَعَ مَبَالِغَ طَائِلَةً لِدَعْمِ الِاقْتِصَادِ المَحَلِّيِّ.
وَبِطَبِيعَةِ الحَالِ، كَفُّوا عَنْ مُعَامَلَةِ “غايِين” وَزَوْجِهَا “يوجين” بِقَسْوَةٍ كَمَا فِي السَّابِقِ.
‘لَيْتَ الأُمُورَ تَبْقَى هَادِئَةً هَكَذَا دَائِمًا.’
أَوْشَكَتِ اللَّوْحَةُ الَّتِي تُصَوِّرُ “غايِين” عَلَى الِاكْتِمَالِ.
لَمْ يَتَبَقَّ سِوَى وَضْعِ النُّقْطَةِ الأَخِيرَةِ عَلَى عَيْنَيْهَا اللَّتَيْنِ تُشْبِهَانِ اللُّؤْلُؤَ الأَسْوَدَ.
وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ.
“زَوْجُكِ عَلَى عَلَاقَةٍ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى.”
عَلِمَتْ “غايِن” بِخِيَانَةِ “يوجين”.
* * *
رَكَضَتْ “غاييِن” بِلَا وَعْيٍ نَحْوَ المَكَانِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ الرَّسَّامُ.
‘لَا يُمْكِنُ، “يوجين” لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخُونَنِي، لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ سُوءَ فَهْمٍ.’
لَكِنَّ “يوجين” كَانَ يَعُودُ إلَى المَنْزِلِ مُتَأَخِّرًا فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ.
كَمَا أَنَّ “غايِين” كَانَتْ تَقْضِي يَوْمَهَا كُلَّهُ كَعَارِضَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَدَى الزَّوْجَيْنِ وَقْتٌ لِلْبَقَاءِ مَعًا.
كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ يَتَجَمَّرُونَ حَوْلَ البِئْرِ.
وَكَانَ “يوجين” مُقَيَّدًا بِإِحْكَامٍ وَمُعَلَّقًا عَلَى العَارِضَةِ الَّتِي كَانَ يُعَلَّقُ عَلَيْهَا الدَّلْوُ عَادَةً.
انْقَبَضَ قَلْبُ “غايِن”.
“أَيُّهَا النَّذْلُ المَعْدُومُ الحَيَاءِ!”
“كَيْفَ لِرَجُلٍ لَدَيْهِ زَوْجَةٌ أَنْ يَخُونَ مَعَ امْرَأَةٍ أُخْرَى؟”
أَمْطَرَ أَهْلُ القَرْيَةِ “يوجين” بِالشَّتَائِمِ.
وَمَعَ كُلِّ شَتِيمَةٍ، كَانُوا يَرْشُقُونَهُ بِالحِجَارَةِ وَيَضْرِبُونَهُ بِالعِصِيِّ.
“تَوَقَّفُوا!”
المَرْأَةُ الَّتِي صَرَخَتْ وَوَقَفَتْ أَمَامَ “يوجين” لِتَحْمِيَهُ، لَمْ تَكُنْ “غايِين”.
“عَلَاقَتُنَا لَيْسَتْ قَذِرَةً، لَمْ نَتَبَادَلْ سِوَى المَشَاعِرِ النَّقِيَّةِ! نَحْنُ نُحِبُّ بَعْضَنَا بِصِدْقٍ.”
كَانَتِ امْرَأَةً تَعْرِفُهَا “غايِين” رَأَتْهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ.
الأَرْمَلَةُ الَّتِي تُرَبِّي الكَثِيرَ مِنَ الدَّجَاجِ…… هَلْ كَانَ اسْمُهَا “هانيا”؟
رَغْمَ أَنَّ الحَيَاةَ كَامْرَأَةٍ وَحِيدَةٍ قَدْ تَكُونُ صَعْبَةً، إلَّا أَنَّ وَالِدَ “هانيا” كَانَ صَاحِبَ أَرَاضٍ فِي القَرْيَةِ.
لِذَا كَانَ النَّاسُ يُعَامِلُونَهَا بِاحْتِرَامٍ وَيَشْتَرُونَ مِنْهَا البَيْضَ بِأَثْمَانٍ غَالِيَةٍ.
لَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ “يوجين” وَحْدَهُ كَانَ مَحَلَّ الِانْتِقَادِ الآنَ.
“لَقَدْ وَعَدَنِي “يوجين” بِأَنَّهُ سَيَنْفَصِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَيَعِيشُ مَعِي.”
طَعَنَتِ الكَلِمَاتُ الخَارِجَةُ مِنْ فَمِ “هانيا” قَلْبَ “غايِين”.
“سَيُصْبِحُ زَوْجِي! أَرْجُوكُمْ لَا تَضْرِبُوا “يوجين”.”
نَظَرَ “يوجين” إلَى “هانيا” مِنْ تَحْتِ جُفُونِهِ المُنْتَفِخَةِ جُزْئِيًّا.
حَرَّكَ شَفَتَيْهِ المُلَطَّخَتَيْنِ بِالدِّمَاءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفِ كَلَامَ “هانيا”.
“لَا بَأْسَ يَا “يوجين”، سَأَحْمِيكَ.”
نَهَضَتْ “هانيا” وَعَانَقَتْ “يوجين” المُعَلَّقَ بِقُوَّةٍ.
سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ صُدْفَةً أَمْ عَمْدًا، فَقَدْ أَمَالَ “يوجين” رَأْسَهُ نَحْوَهَا.
عِنْدَمَا رَفَعَتْ “هانيا” قَدَمَيْهَا لِتُقَبِّلَ “يوجين”، أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْ “غايِين”.
عِنْدَمَا اسْتَعَادَتْ وَعْيَهَا، كَانَتْ “غايِن” مُسْتَلْقِيَةً عَلَى كَوْمَةٍ مِنَ القَشِّ.
يَبْدُو أَنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ نَقَلُوهَا بَعْدَ أَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا.
لَقَدْ كَانُوا أَشْخَاصًا قُسَاةً وَأَنَانِيِّينَ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ “غايِين” أَثَارَتْ شَفَقَتَهُمْ لِدَرَجَةِ تَقْدِيمِ هَذَا اللُّطْفِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَيْضًا أَنَّ خِيَانَةَ “يوجين” كَانَتْ حَقِيقَةً.
حَتَّى الآنَ، كَانَتْ تَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ القَرْيَةِ يَتَهَامَسُونَ خَارِجَ البَابِ.
“مَاذَا سَيَفْعَلُ سَيِّدُ الأَرَاضِي الآنَ؟”
“مَاذَا عَسَاهُ أَنْ يَفْعَلَ! هَلْ هُنَاكَ أَبٌ يَهْزِمُ عِنَادَ ابْنَتِهِ الوَحِيدَةِ؟ إنَّهُ يُشْفِقُ عَلَى ابْنَتِهِ الأَرْمَلَةِ حَتَّى المَوْتِ.”
“ذَلِكَ المَدْعُوُّ “يوجين”، الصُّعْلُوكُ الَّذِي أَتَى مِنْ لَا مَكَانَ، تَغَيَّرَ حَظُّهُ فَجْأَةً.”
“اصْمُتْ! أَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِلتَّحَدُّثِ عَنْ صِهْرِ سَيِّدِنَا المُسْتَقْبَلِيِّ؟”
ضَحِكَ النَّاسُ بَصَخَبٍ لِحَظَةٍ، لَكِنْ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ “غايِين”، حَلَّ صَمْتٌ غَرِيبٌ.
فِي هَذَا الجَوِّ الثَّقِيلِ الخَانِقِ، نَطَقَتْ “غايِين” بِصُعُوبَةٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ تَخْتَنِقُ.
” “يوجين”…… أَيْنَ “يوجين”؟”
“اسْمَعِي يَا هَذِهِ.”
“أَيْنَ “يوجين”؟ يَجِبُ أَنْ أَرَاهُ، أَرْجُوكُمْ دَعُونِي أَرَى وَجْهَهُ، حَسَنًا؟”
“انْسَيْهِ، انْسَيْهِ وَارْحَلِي، هَذَا أَفْضَلُ لَكِ.”
لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ، لَقَدْ تَخَلَّتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ “يوجين” فَقَطْ.
الدَّيْرُ الَّذِي كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ تَرِثَهُ، وَالِدَاهَا الصَّارِمَانِ لَكِنَّهُمَا لَطِيفَانِ نَوْعًا مَا، وَأَهْلُ الدَّيْرِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَثَابَةِ أَخَوَاتِهَا، لَقَدْ أَدَارَتْ ظَهْرَهَا لِلْجَمِيعِ وَجَاءَتْ مَعَهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، يَخُونُهَا “يوجين”! لَمْ تَكُنْ لِتَقْتَنِعَ دُونَ أَنْ تَرَى وَجْهَهُ عَلَى الأَقَلِّ.
لِحُسْنِ الحَظِّ، سَاعَدَهَا شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، كَانَ هُوَ الرَّسَّامُ الَّذِي كَانَ غَرِيبًا مِثْلَهَا تَمَامًا.
“أَتَقْصِدِينَ زَوْجَكِ؟ لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ يَتَلَقَّى العِنَايَةَ فِي مَنْزِلٍ فَوْقَ التَّلِّ، عِنْدَ تِلْكَ المَرْأَةِ الَّتِي يَقُولُونَ إنَّهَا ابْنَةُ صَاحِبِ الأَرَاضِي.”
لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفَاجِئًا.
“هَلْ آخُذُكِ إلَى هُنَاكَ؟”
فِي اللَّيْلِ الدَّامِسِ، ذَهَبَتْ “غايِين” مَعَ الرَّسَّامِ إلَى أَمَامِ مَنْزِلِ “هانيا”.
خَلْفَ البَابِ المَغْطَى بِالوَرَقِ الرَّقِيقِ، بَدَتْ ظِلَالٌ تَعْكِسُهَا أَضْوَاءُ الشُّمُوعِ.
ظِلُّ امْرَأَةٍ تُطْعِمُ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ رَجُلًا مُسْتَلْقِيًا.
وَضَعَتِ المَرْأَةُ الوِعَاءَ جَانِبًا وَقَبَّلَتِ الرَّجُلَ، وَلَمْ يَرْفُضِ الرَّجُلُ المُسْتَلْقِي ذَلِكَ.
تَدَاخَلَ ظِلَّاهُمَا بِشَكْلٍ أَعْمَقَ ثُمَّ انْطَفَأَ الضَّوْءُ.
“يَا لَلأَسَفِ، بَعْدَ هَذَا المَشْهَدِ، هَلْ لَدَيْهِ مَا يَقُولُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَفْوَاهٍ؟”
لَمْ تَصِلْ تَعْزِيَةُ الرَّسَّامِ إلَى قَلْبِ “غايِين”.
مَشَاعِرُهَا المُحَطَّمَةُ كَانَ مِنَ المُسْتَحِيلِ التَّعْبِيرُ عَنْهَا مَهْمَا اسْتُخْدِمَتْ مِنْ كَلِمَاتٍ.
‘ “يوجين”، كَيْفَ أَمْكَنَكَ فِعْلُ ذَلِكَ.’
شَعَرَتْ “غايِن” بِأَنَّ رَأْسَهَا سَيَنْفَجِرُ مِنَ الغَضَبِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَأَتْ مِعْوَلَ النَّحْتِ المُعَلَّقَ عَلَى خَصْرِ الرَّسَّامِ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ ضَوْءُ القَمَرِ.
كَانَ ضَوْءًا حَادًّا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْطَعَ صَدْرَهَا الَّذِي يَتَمَزَّقُ مِنَ الخِيَانَةِ، وَأَنْ يَقْطَعَ أَيْضًا ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي تَمْقُتُهُ أَمَامَهَا.
·
‥
…… طَعْنَةٌ.
طَعْنَةٌ تِلْوَ الأُخْرَى.
عَادَتْ “غايِن” إلَى رُشْدِهَا أَخِيرًا بِفِعْلِ الأَلَمِ الَّذِي شَعَرَتْ بِهِ وَكَأَنَّ ذِرَاعَهَا سَتَنْفَصِلُ.
كَانَتْ مُغَطَّاةً بِالدِّمَاءِ الدَّافِئَةِ مِنْ وَجْهِهَا حَتَّى صَدْرِهَا.
أَمَّا “هانيا” فَقَدْ هَرَبَتْ مُنْذُ زَمَنٍ وَهِيَ تَصْرُخُ.
وَلَمْ يَسْتَطِعْ “يوجين” الهَرَبَ بِسَبَبِ إصَابَاتِهِ البَلِيغَةِ.
اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ عِنْدَمَا رَأَى “غايِين” تَقْتَحِمُ المَكَانَ وَهِيَ تَمْسِكُ السِّكِّينَ.
” “يوجين”، هَلْ صَحِيحٌ أَنَّكَ خُنْتَنِي؟”
“…….”
“هَلْ تُحِبُّ “هانيا” حَقًّا؟ قُلْ شَيْئًا!”
لَمْ يَنْفِ “يوجين” ذَلِكَ، وَاعْتَبَرَتْ “غايِين” مَنْظَرَهُ وَهُوَ يَفْتَحُ فَمَهُ فَقَطْ بِوَجْهٍ مُشَوَّهٍ تَمَامًا بِأَنَّهُ نَاتِجٌ عَنِ الشُّعُورِ بِالذَّنْبِ.
أَجَلْ، مَاذَا يُمْكِنُ لِلْخَائِنِ أَنْ يَقُولَ؟
بِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَتْ آثَارَ أَحْمَرِ الشِّفَاهِ القَذِرَةِ عَلَى فَمِ وَعُنُقِ “يوجين”، فَقَدَتْ “غايِين” صَوَابَهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ، آلَ الأَمْرُ إلَى هَذَا الحَالِ.
“يوجين”
تَرَكَتْ “غايِن” السِّكِّينَ وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ حَبِيبِهَا المُسْتَرْخِيَةِ.
لَقَدْ أَمْسَكَتْ بِهَذِهِ اليَدِ مِئَاتِ المَرَّاتِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ غَرِيبَةً.
بَارِدَةٌ جِدًّا، وَصُلْبَةٌ…… لَا شُعُورَ فِيهَا بِالحَيَاةِ تَمَامًا مِثْلَ لِحَاءِ شَجَرَةٍ مَيِّتَةٍ.
‘إذَا قَابَلْتِ ذَلِكَ الفَتَى، فَلَنْ تَرَيْ خَيْرًا.’
كَانَ كَلَامُ وَالِدِهَا صَحِيحًا.
“هَه. هَهَه. آهَهَه…….”
انْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ السَّاخِنَةُ عَلَى خَدَّيْ “غايِين”.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتِ تَصْفِيقٍ مِنْ مَكَانٍ مَا.
طَقْ، طَقْ، طَقْ.
اقْتَرَبَ الرَّسَّامُ الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ مِنْ خَلْفِهَا بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ.
“لَقَدْ فَعَلْتِهَا أَخِيرًا، فَعَلْتِهَا بِشَكْلٍ رَائِعٍ……. عَلِمْتُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى الَّتِي رَأَيْتُ فِيهَا عَيْنَيْكِ يَا “غايِين”، أَنَّكِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ سَائِرِ الفَتَيَاتِ اللَّاتِي لَا يَمْلِكْنَ سِوَى الجَمَالِ.”
لَمْ يَخَفْ مِنْ “غايِن” المُلَطَّخَةِ بِالدِّمَاءِ، بَلْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهَا.
“لَكِنْ فِي الحَقِيقَةِ، “يوجين” لَمْ يَخُنْكِ وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.”
“مَا، مَاذَا……؟”
“أَنَا مَنْ أَمَرْتُ أَهْلَ القَرْيَةِ، فَهُمْ قَوْمٌ بَائِسُونَ لَا يَعْرِفُونَ كَلِمَةَ “لَا” أَبَدًا، لَيْسَ هُنَاكَ أَسْهَلُ مِنْ تَرْوِيضِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ ضَمَائِرَهُمْ مِنْ أَجْلِ المَالِ.”
مَدَّ الرَّسَّامُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِشَعْرِ “يوجين” المَيِّتِ.
وَعِنْدَمَا أَمْسَكَ بِفَكِّهِ السُّفْلِيِّ وَفَتَحَ فَمَهُ بِقُوَّةٍ، انْكَشَفَتْ حَنْجَرَةُ “يوجين” المُمَزَّقَةُ.
“لَا أَدْرِي إنْ كَانَ بِمَقْدُورِكِ رُؤْيَةُ ذَلِكَ فِي الظَّلَامِ، لَقَدْ حَطَّمْتُ أَوْتَارَهُ الصَّوْتِيَّةَ تَمَامًا، حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ نُطْقِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَدْفَعُ بِهَا الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ.”
سَقَطَ رَأْسُ “يوجين” الَّذِي تَرَكَهُ الرَّسَّامُ عَلَى الأَرْضِ.
عِنْدَهَا فَقَطْ أَدْرَكَتْ “غايِن” الحَقِيقَةَ كُلَّهَا، وَأَمْسَكَتْ بِمِعْوَلِ النَّحْتِ وَالدَّمُ يَغْلِي فِي عُرُوقِهَا.
“أَنْتَ، كَيْفَ تَجْرُؤُ عَلَى فِعْلِ هَذَا……!”
لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعْ مُقَاوَمَةَ قُوَّةِ الرَّجُلِ.
“آه!”
سَقَطَتِ “غايِين” عَلَى الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَتِ السِّكِّينَ.
ثُمَّ دَاسَ الرَّسَّامُ بِقُوَّةٍ عَلَى رُكْبَةِ “غايِين”.
“آاااخ!”
أَمْسَكَ الرَّسَّامُ بِوَجْهِ “غاييِن” الَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ وَتَتَخَبَّطُ عَلَى الأَرْضِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ.
“هَذَا هُوَ الوَجْهُ الَّذِي أَرَدْتُ رُؤْيَتَهُ! مَشَاعِرُ الخِيَانَةِ، الفُقْدَانِ، الأَلَمِ، اليَأْسِ، النَّدَمِ…… إنَّهَا أَكْثَرُ تَنَوُّعًا وَسِحْرًا مِمَّا تَوَقَّعْتُ.”
سُمِعَ صَوْتُ أَهْلِ القَرْيَةِ الَّذِينَ أَحْضَرَتْهُمْ “هانيا” يَرْكُضُونَ مِنْ بَعِيدٍ.
“عَلَيَّ الرَّحِيلُ الآنَ، يَجِبُ أَنْ أَضَعَ وَجْهَكِ عَلَى اللَّوْحَةِ قَبْلَ أَنْ أَنْسَاهُ، “غاييِن”، سَتَظَلِّينَ حَيَّةً تَتَنَفَّسِينَ دَاخِلَ رَسْمِي لِلأَبَدِ.”
ضَحِكَ الرَّسَّامُ قَائِلًا لَهَا إنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَبِرَ ذَلِكَ شَرَفًا.
تَرَاجَعَ إلَى الخَلْفِ وَرَكَلَ مِعْوَلَ النَّحْتِ المُلْقَى عَلَى الأَرْضِ نَحْوَ “غايِين”.
“هَذِهِ هِيَ رَحْمَتِي الأَخِيرَةُ، لَقَدْ بَذَلْتِ مَجْهُودًا رَائِعًا طَوَالَ هَذِهِ المَدَّةِ.”
وَمِنْ خَلْفِ البَابِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الرَّسَّامُ، بَدَتْ نِيرَانُ المَشَاعِلِ الَّتِي يَحْمِلُهَا أَهْلُ القَرْيَةِ.
لَمْ يَتَبَقَّ أَمَامَ “غايِين” سِوَى خِيَارٍ وَاحِدٍ.
” “يوجين”…… أَنَا آسِفَةٌ، أَنَا حَقًّا آسِفَةٌ.”
‘لَقَدْ كُنْتُ أَنَا الخَائِنَةَ، أَنْتَ بَقِيتَ تَنْظُرُ إلَيَّ وَحْدِي كَمَا وَعَدْتَ، لَكِنَّنِي أَنَا مَنْ لَمْ أُصَدِّقْ وَأَدَرْتُ ظَهْرِي.’
‘كَمْ كَانَ الأَمْرُ مُؤْلِمًا وَمُخِيفًا لَكَ، كَمْ كَانَ الظُّلْمُ وَالمَرَارَةُ حِينَ قُتِلْتَ بِيَدِي.’
“انْتَظِرْنِي قَلِيلًا، سَأُكَفِّرُ عَنْ ذَنْبِي بِالمَوْتِ.”
رَفَعَتْ يَدُ “غايِن” المُرْتَجِفَةُ السِّكِّينَ عَالِيًا.
وَعِنْدَمَا أَرَادَتْ أَنْ تَطْعَنَ نَفْسَهَا.
تَسَبَّبَتِ المِسْبَحَةُ (الرُّوزَارِيُّو) الَّتِي كَانَتْ تُصْدِرُ رَنِينًا عَلَى مِعْصَمِهَا فِي إيقَافِهَا.
“…….”
عَادَ التَّرْكِيزُ إلَى عَيْنَيْ “غايِن”.
‘لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ، مُنْذُ مَتَى وَأَنَا أُطْلِقُ عَلَى نَفْسِي اسْمَ “غايِبن”؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"