الفصل 12
‘هَلْ نَادَانِي لِتَوِّهِ بِغَايِين؟’
نَظَرَتْ إِيف إِلَى الرَّجُلِ بِذُهُولٍ.
كَانَ وَجْهُ الرَّجُلِ المَلِيءُ بِالقَلَقِ…… وَسِيمًا جِدًّا، لَكِنْ فِي عَيْنَيْ إِيف الَّتِي رَأَتْ كَامِيِين مُؤَخَّرًا……
لِنَنْسَ الأَمْرَ. فَهَذَا لَيْسَ مُهِمًّا الآن.
“لَا نَعْرِفُ مَتَى سَيُدْرِكُونَ اخْتِفَاءَنَا مِنَ الدَّيْرِ. إِذَا أَمْسَكُوا بِنَا، فَهَذِهِ هِيَ النَّهَايَةُ!”
‘هَلْ نَحْنُ الآن، هَارِبُونَ مِنَ الدَّيْرِ؟’
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، عَصَفَتْ رِيَاحٌ قَوِيَّةٌ بِرَأْسِ إِيف.
طَارَ الحِجَابُ الَّذِي كَانَتْ تَرْتَدِيهِ وَتَنَاثَرَ شَعْرُهَا.
كَانَ لَوْنُهُ أَسْوَدَ لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ.
“المَوْتُ أَفْضَلُ لِي مِنْ أَنْ أَنْفَصِلَ عَنْكِ. أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا غَايِين؟”
…… أَوْمَأَ رَأْسُ إِيف تِلْقَائِيًّا كَرَدِّ فِعْلٍ.
يَبْدُو أَنَّ هَذَا فِعْلًا هُرُوبٌ مِنْ أَجْلِ الحُبِّ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ.
“أُحِبُّكِ.”
‘هَذَا صَحِيحٌ إِذَنْ.’
أَمْسَكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهَا بِنَظَرَاتٍ مُؤَثِّرَةٍ بِيَدِهَا وَسَحَبَهَا.
“خَلْفَ ذَلِكَ التَّلِّ، هُنَاكَ سَفِينَةٌ تَنْتَظِرُنَا. ثِقِي بِي وَاتْبَعِينِي!”
خَلْفَ التَّلِّ كَانَ هُنَاكَ مَرْسًى صَغِيرٌ.
قَامَ عَجُوزٌ كَانَ يُدَخِّنُ التَّبَغَ عَلَى مَتْنِ قَارِبٍ صَغِيرٍ بِهُدُوءٍ مِثْلَ شَبَحِ المَاءِ عِنْدَمَا رَآهُمَا.
“لَقَدْ تَأَخَّرْتُمَا كَثِيرًا، ظَنَنْتُ أَنَّكُمَا لَنْ تَأْتِيَا.”
“لَنْ نَأْتِيَ؟! لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ كُلَّ مَا أَمْلِكُ مِنَ المَالِ!”
“أَنْ تَخْطِفَ ابْنَةَ رَئِيسِ الدَّيْرِ وَتَهْرُبَ لَيْلًا! أَنْتَ مَجْنُونٌ حَقًّا، يَا يُوجِين.”
عَرَفَتْ إِيف أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ هُوَ يُوجِين.
وَعَرَفَتْ أَيْضًا أَنَّهَا قَدْ سُحِبَتْ إِلَى دَاخِلِ مَاضِي غَايِين.
* * *
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَقْرِيبًا أَيُّ كَائِنٍ حَيٍّ يَتَحَرَّكُ فِي قَصْرِ بِيْلْفِيْر.
سَمِعَ كَامِيِين صَوْتَ خَطَوَاتٍ قَادِمَةٍ مِنَ الطَّابَقِ العُلْوِيِّ.
وَقَفَ بِجَانِبِ الدَّرَجِ مِثْلَ عَبْدٍ مُخْلِصٍ يَنْتَظِرُ سَيِّدَتَهُ.
“هَلْ نَزَلْتِ؟”
إِيف الَّتِي كَانَتْ تَنْزِلُ الدَّرَجَ كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ زَاهِيَةً.
بَرَزَتْ بَشَرَةُ إِيف النَّقِيَّةُ بِفَضْلِ الفُسْتَانِ الذَّهَبِيِّ الفَاتِحِ الَّذِي يَتَلَالَأُ مِثْلَ بَحْرِ الفَجْرِ.
بَدَا شَعْرُهَا المَرْفُوعُ نِصْفَ رَفْعَةٍ كَبُرْعُمِ وَرْدَةٍ حَمْرَاءَ زَاهِيَةٍ، وَحَمَلَتْ شَفَتَاهَا المَطْلِيَّةُ بِاللَّوْنِ الوَرْدِيِّ لَمَعَانًا نَضِرًا.
“كَامِيِين.”
مَدَّتْ إِيف يَدَهَا وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِعَيْنَيْهَا.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَمْسَكَ فِيهَا كَامِيِين بِتِلْكَ اليَدِ، سَحَبَتْ إِيف يَدَهُ وَارْتَمَتْ فِي حِضْنِهِ.
“لَقَدْ رَأَيْتُ حُلْمًا مُخِيفًا. سَوْفَ تُواسِينِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
لَفَّتْ ذِرَاعَاهَا النَّحِيلَتَانِ حَوْلَ عُنُقِهِ.
وَضَغَطَ جُزْؤُهَا العُلْوِيُّ المُلْفِتُ عَلَى بَطْنِهِ الصَّلْبِ بِهُدُوءٍ.
لَقَدْ كَانَ إِغْرَاءً لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ رَجُلٍ سَلِيمٍ رَفْضُهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، دَفَعَ كَامِيِين كَتِفَ إِيف بِلَامُبَالَاةٍ لِيُبْعِدَهَا عَنْهُ.
“ذَوْقُكِ السَّيِّئُ لَا يَزَالُ كَمَا هُوَ.”
“هَلْ لَاحَظْتَ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ؟”
“لَمْ تَكُنْ لَدَيْكِ رَغْبَةٌ فِي الإِخْفَاءِ أَصْلًا، يَا غَاييِن.”
كِيكِ مَزَّقَتْ إِيف، أَوْ بِالأَحْرَى غَايِين، طَرَفَ شَفَتَيْهَا بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ.
“مَا رَأْيُكَ؟ هَذَا الفُسْتَانُ يُنَاسِبُنِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
تَرَاجَعَ كَامِيِين خُطْوَةً لِلْوَرَاءِ وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ جَافَّةٍ.
“لَيْسَ سَيِّئًا. لَكِنَّ المَلَابِسَ البَيْضَاءَ أَفْضَلُ.”
“أَنَا أَشْعُرُ بِالسَّأَمِ مِنَ المَلَابِسِ البَيْضَاءَ. عِنْدَمَا أُصْبِحُ صَاحِبَةَ هَذَا الجَسَدِ، لَنْ أَرْتَدِيَهَا مَرَّةً أُخْرَى.”
دَارَتْ غَايِن، الَّتِي كَانَتْ تُمْسِكُ بِطَرَفِ الفُسْتَانِ الَّذِي يُصْدِرُ صَوْتًا مِثْلَ وَرَقِ التَّغْلِيفِ الفَاخِرِ، حَوْلَ نَفْسِهَا.
بَدَا أَنَّهَا فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ جَيِّدَةٍ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ ‘بِالكَامِلِ’ مِنْ اللَّوْحَةِ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ.
رُغْمَ أَنَّ شَخْصًا مَا قَدْ وَقَعَ فِي مَوْقِفٍ مُعَاكِسٍ.
“هَلْ دَخَلَتِ السَّيِّدَةُ الجَدِيدَةُ فِي الِاخْتِبَارِ بِأَمَانٍ؟”
“لَنْ تَسْتَطِيعَ الخُرُوجَ بِأَمَانٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ هُوهوهو.”
بِمَا أَنَّ السَّادَةَ السَّابِقِينَ لِعَائِلَةِ أَرْنُو كَانُوا مُرْتَبِطِينَ مِنْ خِلَالِ الدَّمِ، فَقَدْ كَانُوا يَتَشَارَكُونَ المَعْلُومَاتِ إِلَى حَدٍّ مَا.
وَلَكِنَّ إِيف كَانَتْ ‘سَيِّدَةً جَدِيدَةً’.
وَهِيَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ شَيْئًا، كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُواجهَ كُلَّ شَيْءٍ بِنَفْسِهَا عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ.
وَكَانَ احْتِمَالُ أَنْ تَجْتَازَ مِثْلُ تِلْكَ المَرْأَةِ ‘اخْتِبَارَ’ غَايِين، الَّذِي يُعْتَبَرُ مِنَ الأَصْعَبِ فِي القَصْرِ، ضَئِيلًا جِدًّا.
“إِلَّا إِذَا كُنْتَ أَنْتَ، يَا كَامِيِين، قَدْ أَعْطَيْتَهَا تَلْمِيحًا آخَرَ.”
“……”
“المِرْآةُ. أَنْتَ مَنْ أَخْبَرْتَهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
“……”
“تَعَابِيرُ وَجْهِكَ غَرِيبَةٌ. هَلْ قُمْتَ بِمَكِيدَةٍ أُخْرَى؟”
لَمْ يُجِبْ كَامِيِين. وَسَادَ جَوٌّ مِنَ التَّوَتُّرِ الشَّدِيدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَايِين.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ صَوْتُ نَحِيبٍ خَفِيفٍ مِنَ الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ.
تَوَجَّهَتْ نَظَرَاتُ غَايِين الحَادَّةُ نَحْوَ ذَلِكَ الِاتِّجَاهِ فَوْرًا.
“أَلَا تَصْمُتِينَ؟!”
يَا لَلْعَجَبِ، لَقَدْ هَدَأَ الأَمْرُ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَاييِن.
فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَقْرِيبًا أَيُّ أُسْطُورَةٍ حَضَرِيَّةٍ فِي هَذَا القَصْرِ تَجْرُؤُ عَلَى التَّصَدِّي لِغَايِين.
بَلْ إِنَّ غَايِين كَانَ بِمَقْدُورِهَا الذَّهَابُ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ تُوجَدُ فِيهِ إِطَارَاتٌ.
وَكَانَ مِنَ المُسْتَحِيلِ تَقْرِيبًا تَجَنُّبُ عَيْنَيْهَا دَاخِلَ القَصْرِ.
إِذَا أَصْبَحْتِ سَيِّدَةَ غَايِين، فَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَكَانٌ آمَنٌ مِثْلَ القَصْرِ.
هَذَا إِذَا اسْتَطَعْتِ أَنْ تُصْبِحِي سَيِّدَتَهَا.
* * *
‘لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ الأَمْرَ سَيَكُونُ سَهْلًا.’
تَنَفَّسَتْ إِيف، الَّتِي أَصْبَحَتْ غَايِين، الصُّعَدَاءَ.
لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ أَبَدًا أَنَّهَا سَتُحْبَسُ دَاخِلَ اللَّوْحَةِ.
وَلَا بُدَّ أَنَّ تَتَبُّعَ مَاضِي غَايِين هُوَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ أَيْضًا.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، لَا يَخْطُرُ بِبَالِهَا الآنَ أَيُّ طَرِيقَةٍ لِلْخُرُوجِ مِنَ اللَّوْحَةِ.
وَلَعَلَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ تَتَبُّعُ خُطَى غَايِين لِلْحُصُولِ عَلَى تَلْمِيحٍ.
لَقَدْ هَرَبَتْ، كَمَا فَعَلَتْ غَايِين، بِصُحْبَةِ رَجُلٍ يُدْعَى يُوجِين.
تَحَرَّكَ القَارِبُ الصَّغِيرُ مَعَ الظَّلَامِ وَمِيَاهِ النَّهْرِ نَحْوَ المَصَبِّ.
وَخِلَالَ ذَلِكَ، كَانَ يُوجِين وَالمَلَّاحُ يَتَحَدَّثَانِ دُونَ تَوَقُّفٍ.
بِفَضْلِ ذَلِكَ، جَمَعَتْ إِيف الكَثِيرَ مِنَ المَعْلُومَاتِ.
أَنَّ وَالِدَ غَايِن كَانَ مُبَشِّرًا قَادِمًا مِنَ القَارَّةِ الغَرْبِيَّةِ، وَأَنَّهُ التَقَى بِوَالِدَةِ غَايِين فِي القَارَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَتَزَوَّجَهَا، وَحَتَّى قِصَّةَ اسْتِقْرَارِهِ هُنَا وَتَأْسِيسِ الدَّيْرِ.
لَقَدْ وُلِدَتْ غَايِين وَنَشَأَتْ فِي ذَلِكَ الدَّيْرِ.
‘كَانَ قَوْلُهَا إِنَّهَا مُتَدَيِّنَةٌ مُنْذُ الوِلَادَةِ حَقِيقَةً إِذَنْ.’
الِابْنَةُ الَّتِي نَشَأَتْ مَحْبُوسَةً كَانَتْ مُتَدَيِّنَةً، لَكِنَّهَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ كَانَتْ تَحْلُمُ بِالحُرِّيَّةِ.
وَظَهَرَ يُوجِين.
حَطَّابٌ شَابٌّ وَذُو جَسَدٍ قَوِيٍّ، يَقُومُ بِتَقْطِيعِ وَنَقْلِ الحَطَبِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ الدَّيْرُ.
لَمْ تَدُمِ السَّعَادَةُ بِالحُبِّ النَّاشِئِ طَوِيلًا.
فَقَدْ وَاجَهَا مُعَارَضَةً شَدِيدَةً مِنَ الوالِدَيْنِ.
كَانَ وَالِدُ غَايِن يَكْرَهُ يُوجِين.
فَغَايِين كَانَتِ ابْنَتَهُ الغَالِيَةَ الَّتِي سَتَخْلُفُهُ كَرئيسَةٍ لِلدَّيْرِ.
لَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَتَّخِذَ مُجَرَّدَ حَطَّابٍ زَوْجًا لَهَا!
بَلْ وَهُوَ شَخْصٌ يُؤْمِنُ بِالخُرَافَاتِ وَلَا يَنْوِي الِاعْتِكَافَ فِي الدِّينِ!
<‘إِذَا قَابَلْتِ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَلَنْ تَرَيِ الخَيْرَ أَبَدًا.’>
كَانَ الحَبِيبَانِ الشَّابَّانِ كُلَّمَا حَاوَلَ أَحَدٌ تَفْرِيقَهُمَا بِالقُوَّةِ، ازْدَادَتْ نَارُ حُبِّهِمَا.
وَهَكَذَا كَانَ الحَالُ مَعَ غَايِين وَيُوجِين.
لَقَدِ اخْتَارَا الهُرُوبَ مِنْ أَجْلِ الحُبِّ بَدَلًا مِنَ الِانْفِصَالِ.
‘لِهَذَا السَّبَبِ رَكِبْتُ هَذَا القَارِبَ إِذَنْ.’
بَيْنَمَا كَانَتْ إِيف تُدْرِكُ المَوْقِفَ، اسْتَمَرَّ يُوجِين وَالمَلَّاحُ فِي الحَدِيثِ.
“هِمْ. هَلْ تَنْوِي الذَّهَابَ إِلَى رِيفٍ بَعِيدٍ كَهَذَا؟”
“مَا العَمَلُ لِكَيْ لَا يَتِمَّ الإِمْسَاكُ بِي؟ لَقَدْ سَرَقْتُ ابْنَةً غَالِيَةً، لِذَا يَجِبُ أَنْ أَهْرُبَ بَعِيدًا وَأَخْتَبِئَ.”
“يُوجِين، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الرِّيفَ مَكَانٌ مُنْغَلِقٌ. هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ سَيَحْتَضِنُونَ غُرَبَاءَ لَا يَعْرِفُونَ مَاذَا فَعَلُوا وَهَرَبُوا؟”
“أَنَا لَا أَثِقُ فِي كَرَمِ أَهْلِ الرِّيفِ. بَلْ أَثِقُ فِي ذِرَاعَيَّ القَوِيَّتَيْنِ.”
فِي أَيِّ مَكَانٍ، هُنَاكَ حَاجَةٌ لِلْحَطَّابِينَ.
وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ حَطَّابًا، فَلَا يُوجَدُ مَكَانٌ يَرْفُضُ عَامِلًا شَابًّا وَقَوِيًّا.
لَقَدْ جَاءَ يُوجِين بِغَايِين وَهُوَ مَلِيءٌ بِالثِّقَةِ.
وَكَمَا كَانَ يَعْتَقِدُ، كَانَ أَهْلُ الرِّيفِ يَحْذَرُونَ مِنَ الوُجُوهِ الغَرِيبَةِ، لَكِنَّهُمْ أَعْطَوْهُ عَمَلًا.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يُعْطُوهُ ‘أَجْرًا’ حَقِيقِيًّا كَمَا كَانَ يَعْتَقِدُ.
“هَلْ هَذَا مَعْقُولٌ؟! أَنْ تَسْتَغِلُّوا شَخْصًا ثُمَّ تَتَنَصَّلُوا مِنَ الدَّفْعِ!”
شَعَرَ يُوجِين، الَّذِي نَقَلَ مَوَادَّ البِنَاءِ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ الحَارِقَةِ لِمُدَّةِ يَوْمَيْنِ، بِالغَضَبِ.
وَلَكِنَّ القَرْيَةَ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، أَمْطَرَتْ يُوجِين بِالضَّرْبِ بِالعِصِيِّ.
لَا تَقِفُ القُوَّةُ أَمَامَ الكَثْرَةِ.
بَلْ وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى تَهْدِيدِهِ بِإِيذَاءِ غَايِين فِي غِيَابِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ.
لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا مَنْ يَلْجَآنِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجْرُؤَا عَلَى التَّمَرُّدِ أَكْثَرَ.
فِي النِّهَايَةِ، أَصْبَحَ يُوجِين وَغَايِين فِي حَالَةٍ تُشْبِهُ خَدَمَ القَرْيَةِ.
كَانَا يَحْصُلَانِ عَلَى طَعَامٍ فَقَط لِكَيْ لَا يَمُوتَا جُوعًا، وَثِيَابٍ فَقَط لِكَيْ لَا يَمُوتَا بَرْدًا.
لَقَدْ كَانَتْ حَيَاةً قَاسِيَةً لِدَرَجَةِ أَنَّهُمَا فَكَّرَا فِي العَوْدَةِ.
وَلَكِنْ، عَلَى عَكْسِ طَرِيقِ النُّزُولِ، كَانَ طَرِيقُ العَوْدَةِ ضِدَّ تَيَّارِ النَّهْرِ بَعِيدًا جِدًّا وَشَاقًّا.
فِي الرِّيفِ، كَانَ يَتِمُّ بِنَاءُ فِيلَّا فَاخِرَةٍ.
كَانَ يُوجِين يُسْتَغَلُّ غَالِبًا فِي الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ لِتِلْكَ الفِيلَّا.
وَالشَّخْصُ الَّذِي نَزَلَ إِلَى الفِيلَّا الَّتِي بُنِيَتْ بِعَرَقِهِ وَدَمِهِ، كَانَ الرَّسَّامَ الأَكْثَرَ شُهْرَةً فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.
قِيلَ إِنَّ اللَّوْحَاتِ الَّتِي يَرْسُمُهَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ حَقًّا.
“هُوو.”
لَمَعَتْ عَيْنَا الرَّسَّامِ عِنْدَمَا رَأَى غَايِين الَّتِي جَاءَتْ لِتُوصِلَ الطَّعَامَ لِيُوجِين.
“أُرِيدُ أَنْ أَتَّخِذَكِ مَودِيلًا لِي. وَسَأَدْفَعُ لَكِ أَجْرًا مَجْزِيًا.”
لَمْ تُرِدْ غَايِين ذَلِكَ.
فَقَدْ كَانَتْ نَظَرَاتُ الرَّسَّامِ إِلَيْهَا تُشْعِرُهَا بِالانْزِعَاجِ.
لَمْ يَكُنْ يُعَامِلُهَا كَامْرَأَةٍ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِضِيقٍ وَكَأَنَّ هُنَاكَ دُخَانًا لَزِجًا يَلْتَصِقُ بِجَسَدِهَا كُلِّهِ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي وَضْعٍ يَسْمَحُ لَهَا بِالرَّفْضِ.
فَالعَمَلُ كَمَودِيلٍ يَعْنِي أَنْ تَجْلِسِي بِهُدُوءٍ فَقَط.
أَمَامَ يُوجِين الَّذِي كَانَ يُصَابُ وَيَتَأَلَّمُ مِنَ العَمَلِ البَدَنِيِّ الشَّاقِّ، لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ التَّذَمُّرَ وَرَفْضَ ذَلِكَ أَيْضًا.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ هُنَاكَ أَمْرٌ وَاحِدٌ يُقْلِقُهَا.
“ذَلِكَ…… أَنَا قَدْ غَادَرْتُ مَوْطِنِي لِظُرُوفٍ قَاهِرَةٍ. أَخْشَى أَنَّنِي إِذَا أَصْبَحْتُ مَودِيلًا لِرَسَّامٍ مَشْهُورٍ مِثْلِكَ، قَدْ تَصِلُ الأَخْبَارُ إِلَى مَوْطِنِي.”
“لَنْ يَحْدُثَ هَذَا. فَهَذِهِ اللَّوْحَةُ لَنْ تَتِمَّ مُشَارَكَتُهَا مَعَ النَّاسِ.”
اطْمَأَنَّتْ غَايِين لِوَعْدِهِ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ فَقَطْ مَجْمُوعَةً خَاصَّةً لَهُ.
وَعَلَى عَكْسِ مَا كَانَتْ تَخْشَاهُ، كَانَ الرَّسَّامُ يُعَامِلُ غَاييِن جَيِّدًا.
كَانَ يُقَدِّمُ لَهَا وَجْبَةَ الطَّعَامِ قَبْلَ بَدْءِ العَمَلِ، بَلْ وَيُعْطِيهَا بَعْضَ الحَلْوَى لِتَأْكُلَهَا عِنْدَمَا تَعُودُ.
لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ طِيبَةً كَبِيرَةً لِغَايِين الَّتِي لَمْ تَشْبَعْ أَبَدًا مُنْذُ غَادَرَتْ مَنْزِلَهَا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"