3
استمتعوا
***
لم يكن استيقاظ إيفان، على غير عادته، بسبب ضوء الشمس الذي تسلّل عبر النافذة وأبهر عينيه، ولا بسبب الجوع.
بل بسبب صوتِ ارتطامٍ خفيفٍ ورائحةٍ شهيةٍ زكية.
نهض متثاقلًا، وأخذ يحدّق في أرجاء منزله بذهول.
اختفت القمامة التي كانت مبعثرة في كل مكان، وانكشف أرض الخشب العتيق.
كان يلمع لمعانًا غريبًا، كأنما مُسِح ودُهِن بالزيت.
“استيقظتَ يا إيفان؟“
ما إن وقعت عيناه على المرأة، التي ابتسمت له بوجهٍ بدا عليه الإرهاق، حتى انعقد حاجباه.
كانت تقف أمام النار، تمسك بمغرفةٍ خشبية.
“أعددتُ الطعام، إن كنت متعبًا، أتريد أن تنام قليلًا أكثر؟“
“ما هذا؟“
لقد نام، بلا ريب، في زاوية الأرض، فلماذا هو الآن مستلقٍ على سرير أمّه؟
ولِمَ هذه المرأة لا تزال هنا؟
ولماذا نظّفت المنزل؟
ولماذا تُشعل النار وتطبخ في منزل ليس منزلها؟
تدفّق الضيق والذهول منذ الصباح.
“نعم؟“
“لماذا نظّفتِ المنزل؟ ولماذا تطبخين؟“
“ألم أقل؟ أمّك ستحاول أن تفعل ما بوسعها.”
همَّ أن يسألها لماذا لم تغادر بعد، لكنها سبقت كلماته بابتسامة.
“ماذا؟“
“سأذهب مساءً إلى السوق وأعدّ لك شيئًا لذيذًا. لا يوجد في المنزل ما يصلح لأكل إيفان.”
كانت تتحدث كأنها صاحبة المنزل، تنوي البقاء حتى المساء،
وتردّد عباراتٍ لا تُفهَم عن كونها ‘أمًّا ستحاول‘.
تشوّه وجه إيفان من شدّة الاستياء.
ثم تذكّر— لقد سمع شيئًا مشابهًا في العربة أمس.
‘إيفان، أمّك ستحاول أن تفعل ما بوسعها.’
لا يُعقل…
“إيفان؟“
“……”
“…هل أنتَ غاضب من أمّك؟“
أخذ يتفحّصها ببطء.
“ما الأمر؟“
تسلّل إلى ذهنه فجأةً وجه تلك المجنونة التي في الحيّ المجاور.
التي تسكن قرب النهر، في منزل ذي سقفٍ أخضر،
وكان الناس يقولون إنها مختلّة.
كانت تتجوّل حاملةً الأزهار، تضحك لنفسها، وتزعم أنها أميرة وستتزوج أميرًا قريبًا.
وكان الجميع يقولون إن جنونها جعلها لا تعرف حتى من تكون.
فتح إيفان فمه بحذر.
“أمّي؟“
“نعم؟ لماذا أنت منزعج؟“
اقتربت مبتسمة.
…يا للعجب. أن تكون المرأة التي تمسّك بها مجنونة.
ارتعشت زاوية فمه.
لم تكن تبدو كذلك…
لطالما حذّر الكبار الأطفال من الاقتراب من تلك المرأة المجنونة.
فكّر إيفان بجدية. هل يصرخ ويطردها؟
“إيفان.”
“نعم؟“
“إن كنت نعسانًا، نم قليلًا.”
نظر إلى المنزل النظيف مرةً أخرى.
اختفت الرائحة الكريهة، واختفت القذارة.
كان الهواء باردًا بسبب النوافذ المفتوحة، لكنه منعش.
حتى هذا المنزل يمكن أن يصبح نظيفًا هكذا.
“لا، أريد أن آكل.”
ربما، حين تعود أمّه، ستُعجب بهذا المنزل.
وربما لن تغادر بعد الآن.
أما هذه المرأة…
فيمكنه أن يسايرها حتى تعود أمّه، ثم يطردها.
قالوا إن مصاحبة المجانين خطر، لكنها لا تبدو خطيرة، وفوق ذلك، تملك مالًا.
إن كانت ستنظّف وتطبخ، فلا حاجة لطردها الآن.
على الأقل حتى تعود أمّه.
“ماذا تريد أن تأكل بالمساءً؟ سأذهب إلى السوق اليوم.”
سألته، بينما جلس على الكرسي الذي أخرجته له.
“ما الذي أريده أنا؟“
“نعم. سنأكل ما تشتهي.”
راح يقلب العصيدة الفاترة أمامه، مفكّرًا.
كانت مطبوخة من القمح والشعير.
“هل معكِ مال كثير؟“
تذكّر كيس النقود وسأل.
“كم لديكِ؟“
أين وضعته؟
“ليس كثيرًا، لكننا سنتعشّى بما تشتهي. ما رأيك باللحم؟“
“جيد.”
أكل بضع لقم، ثم نهض فجأة.
“لن آكل هذا. سأنتظر اللحم.”
“ألن تجوع؟“
“لا بأس.”
لم يكن جائعًا بعد أن أكل ثلاثة أرغفة أمس.
ثم إن الأفضل أن يترك مكانًا للحم.
“أمّي، ستشترين الكثير من اللحم، أليس كذلك؟“
أومأت، ونظرت إلى الوعاء الذي دفعه بعيدًا، ثم أكلته.
راقبها قليلًا، ثم عاد واستلقى على الأرض.
“إيفان، لماذا لا تنام على السرير؟“
“…أنا أحب هذا المكان.”
بعد لحظات، سمع خطواتٍ تقترب، ثم أُلقي عليه غطاء.
ومع حركةٍ مشغولةٍ من حوله، أغمض عينيه مجددًا.
***
“إيفان، هل عادت أمّك؟“
“ماذا؟“
مال برأسه، وهو يلعب بركل الحجارة.
“قالت جدتي إنك عدت معها فجراً.”
ما شأنهم بكل هذا؟
لا يعرفون حتى أين ذهبت أمّه.
“فشلت في إغواء رجلٍ آخر، أليس كذلك؟“
“…ماذا؟“
“تقول جدتي إن أمّك لا تملك إلا وجهها، ولن تجد من يعطيها مالًا مهما حاولت.”
“قل لها أن تهتم بنفسها! جدتك فقدت عقلها!”
كاد يضربه، لكنه تراجع.
“لماذا تصرخ؟ هل قلتُ خطأ؟ أمّك—”
“قلتُ لك اهتم بشؤونك!”
دفعه بقوة، فسقط هانك أرضًا.
“دفعتني؟!”
عبس إيفان.
سيذهب باكيًا ليشتكي.
“هانك، لا تبكِ مجددًا. إن فعلت، لن نلعب معك.”
قالت إن، وهي تقترب.
“رجاءً، لا تُغضب إيفان.”
“لكن…”
“إيفان، لا تغضب. أحضرتُ لك حلوى.”
تناولها، شاكرًا.
ثم نظر إلى هانك، الذي كان يبكي بصمت.
تنهد، وساعده على الوقوف، ثم أعطاه الحلوى.
لم يكن يحب رؤية هذا المشهد.
“أحضري لي غدًا أيضًا.”
“متى ستأتي؟“
“لا أعلم.”
“تعال مبكرًا، لنذهب إلى الغابة.”
أومأ، ونظر إلى السماء المحمرّة.
كانت أصوات الأمهات تنادي الأطفال.
وشعر بشيءٍ غريب.
هل لا تزال تلك المرأة في المنزل؟
أم رحلت؟
ركض عبر الأزقة.
ثم توقّف فجأةً.
…لماذا يركض؟
“إن رحلت، فليكن.”
سخر، ثم عاد يركض.
لأنه تذكّر وعدها.
اللحم.
نعم…
كل ما كان يشغل باله طوال اليوم، كان اللحم.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 3"