2
استمتعوا
في العربة المتجهة إلى المنزل.
كان إيفان يلتهم الخبز الذي أذنت له المرأة بأكله، وهو غارقٌ في تفكيرٍ عميق.
لماذا، بحقّ السماء، تريد الذهاب إلى منزلنا؟
أترى أنها ستقبض على أمّي وأبي في المنزل وتُخبرهما بما اقترفته اليوم، ثم تعلّمني درسًا؟
اختلس نظرة.
يبدو أن هذه الحمقاء، التي تملك مالًا، تملك أيضًا وقتًا فائضًا.
بالطبع، حتى لو وصلنا إلى المنزل، فلن تجد أمًّا ولا أبًا.
منزلٌ صغير يقع في أقصى أطراف القرية، في زقاقٍ ضيّق داخل حيٍّ للهوى.
حين ترى ذلك، ستُظهر ذلك الوجه الموجوع مجددًا.
لو قلتُ لها إنني، لعدم وجود أمٍّ ولا أب، بقيتُ في هذا البيت وحدي أتضور جوعًا زمنًا طويلًا…
هل سأبدو بائسًا بما يكفي؟
هي التي دفعت تسعين روك بسخاءٍ بدافع الشفقة،
فإن أحسنتُ استمالتها، فلن أعاني الجوع لبعض الوقت.
كانت المرأة، التي عقدت حاجبيها وكأنها غارقة في التفكير، قد شعرت بنظرته، فالتفتت إليه.
“كُل ببطء، يا إيفان.”
قالت وهي تمسح الكريمة العالقة على شفتيه.
أومأ إيفان كأنه فهم، لكنه لم يستطع أن يأكل ببطء كما طلبت.
فالخبز الذي أعطاه ذلك الرجل الشبيه بالدب لم يكن كالخبز القديم القاسي الذي حاول سرقته.
كيف يوجد في الدنيا خبزٌ طريٌّ وحلوٌ إلى هذا الحد؟
“أتريد أن تشرب الحليب؟“
أومأ إيفان، وقد ملأ فمه بالخبز الحلو بشراهة.
مسحت المرأة يديه بمنديلٍ كانت تمسكه، ثم ناولته زجاجة حليب.
راح يشرب بنهم، ويلقي نظراتٍ جانبية عليها مرةً أخرى.
اختلس نظرة.
ما الذي قالته هذه المرأة حتى جعلت ذلك الخنزير يعطيه خبزًا ويعتذر له أيضًا؟
“أتريد واحدةً أخرى؟“
حين التقت أعينهما، رفعت المرأة كيس الخبز قليلًا وسألته.
“شكرًا لكِ.”
ابتسم إيفان بخجل وأومأ، فوضعت في يده خبزًا آخر شهيًا.
وبدا أن ذلك كان الأخير، إذ طوت الكيس بعناية.
همَّ أن يعضّ الخبز، ثم تردد لحظة.
“تفضّلي، كُلي.”
بعد تفكيرٍ قصير، مدّ الخبز نحوها.
“لم تأكلي شيئًا.”
“لكن يا إيفان، إذا أعطيتني هذا، ألن تجوع؟“
سألته بصوتٍ خافت وهي تتردد قبل أن تأخذه.
“أنا بخير. تفضّلي.”
لا جدوى من الطمع في رغيفٍ واحد، سوى أن يُبغِضه الآخرون.
فالراشدون يميلون دائمًا إلى إعطاء المزيد للطفل الطيب لا للماكر.
“حسنًا. شكرًا لك.”
ابتسمت له ابتسامةً خفيفة.
مع أن الخبز، في الحقيقة، ملكٌ لها أصلًا.
حقًّا… كانت امرأة غريبة.
كان إيفان بارعًا في قراءة الناس، لكن هذه المرة، كانت الأسئلة تتزاحم في ذهنه.
ماذا قالت لذلك الرجل؟
ولماذا تريد الذهاب إلى منزله؟
عضّت المرأة الخبز المحشو، وكان إيفان يراقبها من طرف عينه، بينما تتوالى الأسئلة في ذهنه.
غير أن السؤال الذي سيطر عليه في النهاية كان واحدًا.
إن كانت قد أعطت ذلك الرجل القبيح تسعين روك، فكم ستعطيه هو، الطيب البائس؟
راح يحسب في صمت.
بعد مسيرٍ طويل، غادرت العربة الطريق العام ودخلت طريقًا ترابيًا وعِرًا.
“هل أنت متعب؟“
تمايل رأس إيفان مع اهتزاز العربة، فلاحظت المرأة ذلك وأمسكت كتفه بلطف وسألته.
“أتريد أن تنام قليلًا؟“
كانت جفونه قد خرجت عن سيطرته، تكاد تنغلق من تلقاء نفسها.
لقد مضت ثلاثة أيام منذ أن نام نومًا حقيقيًا.
وكان يتمنى أن يغفو فورًا.
لكن إن نام الآن، فلن يستيقظ في الوقت المناسب.
هزّ رأسه، وقرص ظهر يده بقوة.
“لا، يجب أن أبقى يقظًا وأنزل عند ماركيو.”
“…سأوقظك حين نصل.”
وقبل أن يعترض، أمالته على ساقها.
كان في العربة متّسعٌ بسبب قلة الركّاب.
لكن ما إن استلقى على ساقها، حتى اتسعت عيناه أكثر.
ما هذا؟
نظر إليها من أسفل، وهي تمرّر أصابعها في شعره.
كان الأمر غريبًا.
لقد التقيا اليوم فقط، فلماذا تعاملُه بهذه الحميمية؟
ولماذا لا تسأله شيئًا؟
لم تسأله عن والديه، ولا عن سبب وجوده وحده في سوق العاصمة.
كان ينظر إلى عينيها الغارقتين في القلق، ثم أغمض عينيه قسرًا، قاطعًا سيل الأسئلة.
ومع استمرار تلك اللمسات الدافئة، بدأ تنفّسه يهدأ…
ثم فتح عينيه فجأةً على همسةٍ خافتة.
“إيفان، أمّك ستحاول أن تفعل ما بوسعها.”
تفاجأ من كلماتٍ لم يفهمها، لكنه عاد وأغمض عينيه، مستسلمًا ليدها التي تربّت على رأسه.
***
حين وصل إيفان إلى منزله بعد أن سار أربع ساعاتٍ من ماركيو،
كان الفجر قد بلغ عمقه، حتى السكارى عادوا إلى بيوتهم.
جسده المضروب كان يصرخ ألمًا، وعيناه، اللتان لم تستيقظا جيدًا، أغلقتا من تلقاء نفسيهما.
“هنا، منزلنا.”
فتح الباب بعد أن أدار المقبض مراتٍ عدة.
كان المنزل كما تركه.
قمامةٌ متناثرة، ورائحة عفنة، وظلامٌ وبرد.
ولم تكن أمّه هناك.
لم تأتِ.
ويبدو أنها ستغيب مدةً أطول هذه المرة.
ربما وجدت رجلًا مناسبًا.
“…”
كاد يلتفت إلى المرأة خلفه، ثم عدل عن ذلك.
كان يعلم أنه يجب أن يأخذ المال، لكن كل شيءٍ بدا مرهقًا.
كان متعبًا، غاضبًا، وكأن شعره يقف من شدّة الضيق.
إن كانت سترحل، فلتفعل.
دخل المنزل كعادته، واستلقى وسط البرد.
لقد جاء إلى العاصمة بحثًا عن أمّه، وفي النهاية، بقي وحده.
أمّه…
لم يستطع أن يمسك بها.
***
هل كان هذا عقابًا لتأجيلي البحث عن عمل وانشغالي بالروايات؟
لقد حدث لي ما يبدأ عادةً بـ‘استيقظت في مكانٍ غريب‘.
لكن المختلف أن المكان لم يكن سقفًا، بل أرض الطريق.
أن تُلقى في هذا العالم بلا أي معلومات!
لولا أنني التقيتُ إيفان، لكنتُ متشرّدة.
حسنًا، لنفترض أن جهلي بالرواية الأصلية تقصيرٌ مني.
وقد تجاوزتُ مسألة الاندماج الغامض.
لكن أسباب التذمّر ما تزال كثيرة.
بيوتٌ متلاصقة في زقاقٍ ضيّق، وسلّمٌ يكاد ينهار، ثم منزلنا.
لم أتوقع أن أكون أميرة، لكن أن أكون من أدنى طبقات الأحياء الفقيرة؟
وحين تذكّرتُ أن عليّ رعاية طفل، بدا المستقبل أكثر قتامة.
“آه… حقًّا…”
نظرتُ إلى المنزل مرةً أخرى، رغم علمي أنه لن يتغير.
أرضٌ مغطاة بالقمامة، ورائحة لا تُحتمل.
ومع ذلك، استلقى الطفل بلا مبالاة.
ظهره الصغير النحيل كان ينقبض أمامي.
كان واضحًا كيف عاش، وكيف عاملته أمّه.
طفلٌ نشأ مهمَلًا، بلا عناية.
ولهذا يترقّب كل كلمة، خائفًا.
“…حسنًا.”
توقفتُ عن التذمّر.
فحين رأيتُه، بدا أن ذلك هو الصواب.
ثم إن الشكوى لن تغيّر شيئًا.
عليّ أولًا أن أعرف أين أنا، وما الذي يحدث في هذه الرواية.
حتى أعرف ما سيحدث، وكيف نواجهه.
على الأقل، لا أريد أن يراني إيفان كأمّه السابقة.
طردتُ صورتها من ذهني، وعزمت أمري.
نظرتُ إلى ظهره الصغير، ثم وقفتُ وصفعتُ فخذي.
كان جسدي يؤلمني من السير الطويل، لكنني تنفّست بعمق، ورفعتُ أكمامي.
“ببطء، لنفعلها خطوةً بخطوة.”
إن أردتُ أن أعيش معه، فعليّ أن أنظّف هذه القمامة أولًا.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 2"