منزل العائلة – غرفة المعيشة – بعد عدة أيام من الولادة
كانت إيليف تجلس وسط غرفة المعيشة، تحمل طفلها “ماهر” بين ذراعيها،
تغمرها نظرات الإعجاب والتبريكات من العائلة.
الجميع موجودون:
الجد، يجلس على الكرسي الكبير، مبتسماً كمن يرى استمرار اسمه يتجدد.
إلى جانبه ابنته، والدة إيليف، تهمس بكلمات حنونة لحفيدها وهي تمرر يدها فوق رأسه الصغير.
زوجها يقف في الخلف، يحمل فنجان قهوة ويتبادل الحديث مع أخيها الآخر، وزوجته.
سردار يجلس إلى طرف المجلس، يراقب بصمت، أحياناً يشارك بكلمة أو نكتة خفيفة.
باقي الإخوة والأبناء يتوزعون، يتحدثون، يضحكون، يعيدون قصص الماضي.
مارت كان جالساً إلى جانب إيليف،
ابتسامته تبدو في محلها… لكنها بلا روح.
كلما اقترب أحد منه ليبارك، يرد بجملة جاهزة،
يهز رأسه باحترام، يبتسم… ثم يعود إلى صمته.
نظر إلى الطفل…
ابتسامة خفيفة مرّت على شفتيه، ثم تلاشت.
التفت إلى إيليف، وضع يده على كتفها بلطف، وتمتم:
مارت:
“سأخرج للشرفة قليلاً… أحتاج لهواء.”
إيليف أومأت بهدوء، دون أن تسأله. كأنها تعلم أنه يحتاج للمساحة.
خرج إلى الشرفة، وأغلق الباب خلفه.
وقف للحظة، يأخذ شهيقاً عميقاً … ثم أخرج سيجارة من جيبه وأشعلها.
أنفاسه ثقيلة.
يده اليسرى ترتجف.
أخفاها في جيبه بسرعة، كأنه يحاول أن يُخفي ضعفه عن نفسه قبل أن يراه الآخرون.
من الداخل،
ساردار رآه من خلف الزجاج.
لم يتكلم. فقط وقف ببطء وتوجه نحو الباب.
فتح الباب بهدوء وخرج، وقف بجانبه دون أن يلتفت إليه.
لحظة صمت.
ثم بصوت منخفض، لكنه واضح:
ساردار:
“لا ترهق نفسك أكثر، مارت…
أنت تنهار شيئاً فشيئاً دون أن تدرك.”
مارت لم يرد فوراً .
نظر بعيداً نحو الحديقة ، دخّن نفساً آخر، ثم تمتم بصوت مبحوح:
“ماذا أفعل، ساردار؟
ليس لدي خيار آخر سوى الصمود…”
ساردار يلتفت بجسده ينضر لمارت (بتروٍ):
“اعترف بكل شيء وحسب…
جدي نادم. يحاول أن يُصلح ما أفسده، بأي طريقة.”
مارت (بصوت حاد فجأة، ناظراً إليه):
“لا أستطيع أن أثق به ثانية.
ربما يتظاهر بذلك الآن…
وغداً يؤذي صغير جان كما فعل بنا سابقاً .”
لحظة صمت.
ثم يتابع بصوت منخفض، كأنّه ينهار من الداخل:
“وأيضاً …”
يستند على حافة الشرفة بتعب
“لا أريد أن تعلم إيليف بموت جان.”
ساردار (مذهولاً):
“لكن، مارت…”
مارت (يقاطعه، حاسماً ):
“أرجوك، ساردار…
قراري نهائي.”
يسود الصمت مجدداً .
صوت الحياة من الداخل يعلو خافتاً من خلف الزجاج…
لكن مارت وسردار يعلمان أن هناك شيء قد انكسر ولا يمكن أصلاحه .
»»»»»»»»»»»»
نيويورك – حي كوينز – شقة جان وأوزان
صباح عطلة – الشمس تتسلل عبر ستائر المطبخ
كان المطبخ يعج برائحة الزبدة المحمصة والأعشاب،
أوزان واقف أمام الموقد، يرتدي مريوله المعتاد، يقلب الخضار في المقلاة بحركات واثقة،
كأنّه في مطبخ مطعمه وليس في شقته.
دخل جان بخطوات بطيئة، شعره فوضوي، يحمل كوب ماء بيده.
جان (بصوت ناعس):
“رائحة المطبخ تقول إنك في مزاج جيد…
هل هذا يعني أنني سأحصل على فطور فاخر مجاناً؟”
ابتسم أوزان دون أن يلتفت :
“أنت دائمًا تحصل على فطور فاخر مجاناً، فقط لا تلاحظ.”
جلس جان على الكرسي :
“لأنني عادةً مشغول بالتفكير في نهاية العالم.”
تبادل الاثنان ضحكة خفيفة.
وضع أوزان أمامه طبقًا بسيطاً
بيض بالأعشاب، شرائح خبز محمصة، وبعض الخضار.
جان:
“شكراً، شيف أوزان.”
أوزان (بمزاح):
“لا تقلل من لقب “شيف”. قضيت سنوات لأكسبه.”
فجأة رن هاتف أوزان الموضوع على المنضدة.
نظر إلى الشاشة.
جان:
“والدك؟”
ابتسم أوزان.
“نعم… نتحدث بين الحين والآخر، لكنه لا يعرف أين نحن بالضبط.”
جان (أستغرب الأمر ):
” لم يعلم بمكاننا كل هذا الوقت ؟ لماذا؟”
التقط أوزان الهاتف وتحدث بهدوء.
“أنسيت ان عائلتينا جيران ، أخاف أن يذكر شيئاً بلا قصد و يصل لأحد.”
ابتعد قليلاً إلى زاوية المطبخ.
أوزان (بصوت خافت):
“أهلاً بابا… لا، نحن بخير… جان بخير أيضاً… نعم، أطبخ له كالعادة.”
ضحك بخفة واستمع.
أوزان (بحنان):
“أنت؟ كيف صحتك؟ هل تزور الطبيب بانتظام؟ أعلم أنك لا تتجاهل تعليماته.”
راقبه جان بصمت، مزيج من الامتنان والدهشة.
تابع أوزان:
“لا، لا أستطيع أن أقول لك العنوان الآن… فقط لأسباب تتعلق بجان.
كل شيء على ما يرام، لكن… أنت تفهمني، أليس كذلك؟”
ابتسم وقال:
“أعرف، وأنا أشتاق لك أيضاً. سأتصل بك، أعدك.”
أغلق المكالمة وعاد ليقف خلف البار واضعاً الهاتف جانباً .
جان (بنبرة هادئة):
“كان لطيفاً … والدك.”
صب له أوزان القهوة.
أوزان:
“لطيف وفضولي جداً، لهذا لم أخبره أين نحن.”
جان رفع رأسه ينضر لصديقه:
“شكراً، أوزان… لأنك تفكر بكل شيء.”
ابتسم أوزان وقال:
“إذاً، ألن تأخذني بجولة بدراجتك؟”
ابتسم جان بمكر:
“عليك أن تدفع لي أولاً.”
ضحك أوزان ورمى كوباً من الماء عليه وهو يقول:
“سأدفع بطريقتي الخاصة.”
صرخ جان:
“أوزان، أيها الأحمق! بللت حتى الطعام!”
هرب أوزان بينما رمى عليه جان الملعقة ضاحكاً .
»»»»»»»»»»»»»»
منزل العائلة – غرفة نوم الطفل – بعد الضهيرة
في ركن الغرفة المظلل بنور خافت، جلست إيليف على كرسي الهزّ، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تهدهده بلطف رغم بكائه المتواصل.
هدوء البيت في الخارج بدا وكأنه يتلاشى أمام صوت الصغير، المتقطع، المرتفع أحياناً، الرقيق أحياناً أخرى.
وقف مارت عند الباب، يراقب بصمت.
عيناه على وجه الطفل، ملامحهما مشدودة، وأنفاسه أثقل من المعتاد.
اقترب خطوتين، وقال بنبرة هادئة لكنها مشدودة:
مارت:
“هل يبكي منذ وقتٍ طويل؟”
إيليف (بهدوء):
“بضع دقائق… يبدو متعباً أو جائعاً . لا تقلق، هذا طبيعي.”
ظلّ واقفاً مكانه، ينظر إلى الصغير كأنّه يقرأ شيئاً لا يُقال.
مارت (بصوت خافت):
“صوته… لا يبدو عادياً.”
رفعت إيليف عينيها إليه، ثم نظرت إلى طفلها، وابتسمت رغم الإرهاق:
“الأطفال يبكون، مارت. في هذا العمر، البكاء هو وسيلتهم الوحيدة للحديث.”
لم يجب.
نظر إلى الطفل طويلاً يتفطر قلبه لرؤيته يبكي ، ثم قال دون أن يلتقي بعينيها:
“سأخرج قليلاً… الهواء هنا خانق.”
إيليف (بهدوء متفهم):
“حسناً …”
استدار وغادر الغرفة بخطوات سريعة.
أغلق الباب وراءه بصمت، لكنّ أثره بقي معلقاً في المكان.
نظرت إيليف إلى ابنها، ثم همست له وهي تمسح على رأسه الصغير:
“أبوك يخشى الألم، لكنه لا يعترف به… لا أحد يعرف كم يحمل في قلبه.”
هدأ الطفل قليلاً، كأنّه فهم، أو ربما أنهكته دموعه.
»»»»»»»»»»»»»
نيويورك – حديقة قريبة من حي كوينز – بعد ظهر يوم عطلة
كانت الشمس تتراجع خلف الأشجار، تنثر أشعتها الذهبية على الأرض، فيما تنبعث من الأكشاك القريبة رائحة العصائر الطازجة والمشروبات الباردة.
قاد جان الدراجة النارية عبر الطريق الترابي المؤدي إلى الحديقة، وعلى المقعد الخلفي جلس أوزان، يبتسم بهدوء، شعره يتطاير مع الريح.
توقفا قرب أحد الأكشاك الصغيرة، ترجل جان من الدراجة، خلع خوذته وجلس على مسطبة حجرية تحت ظل شجرة.
وقف أوزان وقال وهو يتجه نحو الكشك:
أوزان:
“سأجلب لنا شيئاً بارداً، الجو اليوم لا يُحتمل.”
جان (بلا اهتمام):
“احرص أن يكون دون ثلج… لا أرغب بالمرض.”
أومأ أوزان مبتسماً، ثم ابتعد.
في تلك اللحظة، اقترب منه فتى غريب، يبدو في بداية العشرينات، يتحدث بصوت مرتفع وضحكة متكلفة مع صديقه . وضع يده على كتف أوزان بطريقة وقحة، وكأنّه يختبر ردّة فعله.
جان، الذي كان يراقب المشهد من بعيد، نهض كالصقر.
دون أن ينطق بكلمة، تقدم بخطى ثابتة، ثم أمسك الفتى من ذراعه، وأدار جسده بقوة،هوى برأسه على أنفه بضربة عنيفة كادت تكسره، أسقطته أرضاً .
رفع جان نظره إلى الشاب الآخر وقال بحدة:
“تراجع… وإلا نلت نصيبك.”
اقترب أوزان بسرعة، أمسك بذراع جان محاولاً تهدئته:
أوزان (بهمس):
“جان، توقف… دعنا نرحل، لا فائدة من هذا.”
لكن الفتيين انسحبا قليلاً، وتوجها نحو مجموعة أخرى جالسة على العشب، مشيرين نحو جان.
تمتم أوزان بقلق:
“الأفضل أن نذهب الآن.”
جان (ببرود):
“لست خائفاً منهم.”
أوزان (بضيق):
“أنت مجنون… إنهم كثيرون، أنظر إليهم!”
لكن جان لم يتحرك. بقي واقفاً، يتابعهم بعينين حادتين.
تقدّم أحد أفراد المجموعة الأخرى، ثم آخر، ليحيطوا بهما في نصف دائرة، تهيأت الأجواء للاشتباك.
أوزان، وقد ضاق ذرعاً، اندفع نحوهم، ودفع أحدهم بقوة، ارتطم بالآخر، ليسقط الاثنان فوق بعضهما البعض.
وفي غمرة الفوضى، أمسك أوزان بجان من ذراعه:
أوزان (بصوت حاسم):
“يكفي! إلى الدراجة… الآن!”
ركضا نحو الدراجة، ركب جان أولاً، ثم أوزان خلفه، وما إن دارت العجلات حتى انطلقا بسرعة جنونية مبتعدين عن الحديقة، بينما أصوات الصراخ والشتائم تتلاشى خلفهما.
على الطريق، ومع نسيم الهواء يصفع وجهيهما، انفجر أوزان بالضحك، ثم ربت على كتف جان قائلاً:
أوزان (بين الضحكات):
“أيها المجنون… لقد كدت تتسبب في معركة شوارع!”
ضحك جان بخفة، صوته يضيع في هدير الدراجة:
“لكني فزت.”
أوزان (ساخراً ):
“لو لم أسحبك في الوقت المناسب، كانوا سيلقنونك درساً لن تنساه.”
جان (ضاحكاً بثقة):
“في أحلامك.”
ضحك الاثنان مجدداً ، بينما الدراجة تشق طريقها بين أزقة الحي، كأنها تهرب من الواقع… أو تطارد لحظة حرية نادرة.
خفض أوزان رأسه قليلاً، مستنداً إلى ظهر جان، وابتسامة دافئة على شفتيه.
وفي داخله، كانت تمر فكرة واحدة فقط، تُضيء كوميضٍ خافت وسط صخب العالم:
أوزان (في داخله):
“أخيراً… بدأت تعود لطبيعتك ، جان.”
»»»»»»»»»»»»»»
أسطنبول – منزل عائلة آصلان – الصالة الكبرى – مساءاً
كان الجو في الصالة مفعماً بالحياة كعادته.
الشباب يتوزعون على الأرض، منشغلين بلعبة أوراق قديمة، تتعالى ضحكاتهم الصغيرة كأن العالم بخير.
النساء يتحدثن في الزاوية، أصواتهن هادئة، متقطعة، فيما يهمس مراد لوالده حول صفقة عمل قادمة.
الجد جالس في كرسيه المعتاد، ينظر بصمت إلى مارت النائم على الكنبة، دون أن يشارك الحديث الدائر حوله.
لم يكن أحد يلاحظ مارت فعلاً … إلا الجد.
وفجأة…
صوت خافت، لكنه حاد:
مارت (بصوت مشوّش):
“لا…!”
انتفض مارت جالساً من نومه، وجهه شاحب، وعيناه تبحثان في المكان كأنه هرب من كابوس جاثم.
جلس بهدوء، مسح وجهه بكفيه المرتجفتين، ثم أسند مرفقيه على ركبتيه، يُحاول استعادة أنفاسه.
من ركن بعيد، همس أركان بسخرية:
“رحل المجنون… وظهر آخر!”
وانطلقت ضحكات مكتومة خبيثة من حوله.
لكن الجد نهض فجأة من كرسيه، صوته زأر عبر الغرفة
الجد (غاضباً ):
“كفى!… كيف تجرؤ؟!”
ثم نظر إلى والد إيليف بعينين حادتين:
” أدّب ولدك… أو لا تجلبه إلى هنا بعد الآن.”
سكنت الغرفة فجأة. الجميع تجمّد في أماكنهم،
أما مارت، فكان خارج هذا كله.
كان يغرق ببطء في داخله… في أفكارٍ مظلمة تتسلل بلا رحمة.
“كيف تحمّلتَ، جان؟
كنت وحدك… لا أحد يحميك… لا أحد يدافع عنك.
أما أنا… فلدي إيليف… وسردار… وحتى جدي يحاول.
لكنك أنت… وحدك، حتى النهاية… وحتى موتك، كنت وحدك.”
شعر وكأن حبلاً يلتف حول عنقه، يشد عليه أكثر فأكثر.
نهض بسرعة، وجهه كمن يحبس أنفاسه، واندفع خارج الغرفة.
في الممر، التقى إيليف خارجة من غرفة الطفل. كانت المربية أمامها حاملة “ماهر”، ووجه إيليف مرهق لكنه مطمئن.
توقف مارت لحظة… عينه في عينها.
لم يقل شيئاً. فقط مرّ بجانبها، ودخل غرفته وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.
شعرت إيليف بشيء غير مريح في نظرته…
تراجعت بخطوات سريعة، ثم اقتربت من الباب.
إيليف (بقلق):
“مارت؟… مارت، هل أنت بخير؟”
طرقت الباب، لم يأتِ أي رد.
جربت المقبض… مغلق.
إيليف (برعب خافت):
” مارت، افتح الباب… أرجوك… مارت!!”
صوت تحطيم مفاجئ من الداخل.
قفز قلبها بين ضلوعها، وركضت بسرعة نحو الدرج، تهبطه كمن يهرب من فاجعة قبل أن تقع.
إيليف (بصوت مرتفع):
” جدي!… مارت!… بسرعة!”
نهض الجد فوراً من مكانه، وصعد خلفها دون أن يسأل، تبعه ساردار وهو يخلع ساعته بعجلة، مستشعراً ما هو آتٍ.
كل شيء في البيت توقّف…
حتى عقارب الساعة بدت كأنها تتباطأ، بينما يقتربون من باب الغرفة المغلق…
كان صوت التحطيم يتصاعد من خلف الباب المغلق.
صرخت إيليف وهي تبكي:
” افتحوا الباب! أرجوكم!”
أمسك ساردار مقبض الباب، طرقه أولاً بقوة
ساردار:
” مارت! افتح الباب!… مارت، أجبني!”
لكنّ الداخل ظلّ يرد بصوت الزجاج المتكسر والأثاث الذي يُسحق تحت قبضة غضب.
نظر ساردار إلى الجد بسرعة، ثم أعاد تركيزه على الباب.
ساردار (بحزم):
” ابتعدوا… سأفتحه بالقوة.”
شدّ كتفيه، وركل الباب مرة، مرتين، ثم اندفع بكتفه عليه بكل قوته حتى انكسر القفل واندفع الباب للداخل.
الغرفة كانت في فوضى…
الستائر ممزقة، كرسي محطّم على الأرض، مرآة كبيرة مكسورة والزجاج متناثر في كل زاوية.
دفعه بعيداً عن الخزانة، وحاول الإمساك به من الخلف، لكن مارت حاول التملّص منه، يصرخ بصوت مخنوق
” ابتعد عني!! لا تلمسني!!”
لكن صوته لم يكن غضباً … كان ألمًا صافياً.
أمسكه ساردار بعناد، وضغط عليه حتى جعله يجثو أرضاً، ثم احتضنه بقوة من الخلف.
ساردار (بصوت مهزوز):
“أنا هنا… لا بأس… أنت لست وحدك.”
بدأت دموع مارت تنزل بصمت.
كتفاه يرتجفان. أنفاسه تتقطع، وكأنّه طفل صغير فقد بوصلته.
مارت (بهمس منكسر):
“لم أعد أتحمل… لم أعد أقدر، ساردار…
أنا خذلته… خذلت جان… تركته وحده…”
ساردار شدّ ذراعيه حوله، همس بجانب أذنه:
” لا أحد يلومك… لا أحد.
أنت فقط تعبت… وهذا حقك.”
مارت (بهمس ميت):
” …أنا قتلته، ساردار…مات.”
في لحظةٍ واحدة، خيّم الصمت.
من خلف الباب، كانت إيليف واقفة…
عيناها متسعتان، وملامحها ترتجف.
لقد سمعت الجملة.
تجمدت في مكانها لثوانٍ…
ثم انسحبت بهدوء، دون أن تقول كلمة، دون أن تبكي…
كأنّ شيئًا ما بداخلها انكسر، لكنّها رفضت أن تسمح له بالسقوط أمام أحد.
سارت بخطى ثابتة نحو غرفة جان…
وأغلقت الباب خلفها بصمت.
بينما بقي سارد ممسكاً بمارت يهمس له :
“ارجوك مارت …كفى ..هيا تعال معي….دعنا نعقم جروحك”
أعانه على الوقوف، وخرج به من الغرفة المحطّمة. اخذه الى غرفة أخرى وسط ذهول الجميع
أجلسه على السرير، وجلب حقيبة الإسعافات الأولية.
بدأ يعقم الجروح بحذر، بينما كان الجد واقفاً عند الباب، صامتاً تمدد مارت بتعب مستسلماً .
نظر الجد إلى ملامح حفيده المحطّمة، ثم تمتم بصوت منخفض:
الجد (بأسى):
“لم أكن أتوقع أن مارت الهادئ سينفجر هكذا…”
ساردار (دون أن يرفع رأسه):
“لأنه تحمّل أكثر من طاقته بكثير، جدي…
أكثر بكثير مما ينبغي لإنسان.”
أغلق مارت عينيه لوهلة…
ثم فتحهما، ونظر إلى جده نظرة متعبة، باردة…
نظرة تشبه جرحاً لا صوت له.
ثم أغمض عينيه مجددداً، بهدوء، بينما بدأ أثر المسكّن يعمل في جسده المتعب.
انخفض صدره ببطء، أنفاسه بدأت تنتظم،
وسكون ثقيل خيّم على الغرفة…
لكن لا أحد نجا من صداه.
»»»»»»»»»»»»
داخل غرفة جان – بعد انسحاب إيليف بهدوء
جلست على طرف السرير، كما لو أنّها عادت إلى لحظة قديمة، لحظة كانت تظن أنّها نجت منها.
مدّت يدها ببطء، لتمسح بطرف أصابعها على حافة الوسادة، ثم استندت إليها كأنها تبحث عن دفء مفقود.
كان الصمت يطبق على الغرفة، لكنها كانت تسمع في داخلها صوت تلك الجملة يتردد من جديد:
“أنا قتلته، ساردار…مات.”
أغمضت عينيها، وانفلتت دمعة باردة من طرف جفنها، تسقط على قماش السرير كما لو كانت نقطة دم.
تمتمت بشفاه مرتجفة، بالكاد تسمع نفسها:
إيليف (بهمس):
“كذبتَ عليّ، مارت…
كذبتَ حتى لا أنهار…
لكنني انهرت الآن… وبصمت.”
امتدت يدها نحو عنقها تمسك بقلادة نصفي قلب بشدة
إيليف:
“لماذا لم تنتظرني، جان؟
لماذا لم تتركني أشرح؟
لماذا صدّقت ما أرادوا أن تراه فقط؟”
شعرت بأنفاسها تختنق.
نهضت فجأة، وسارت نحو خزا
نته.
فتحتها ببطء، فانتشرت رائحة مألوفة منها…
رائحته.
دفنت وجهها بين قميص قديم، وبدأت أخيراً تبكي.
لكن البكاء لم يكن انفجاراً …
كان اختناقاً بطيئاً، كأن كل دمعة تخرج بشقّ الروح.
إيليف (بهمس مكسور):
“كنت أريد أن أخبرك عن الطفل…
أن أقول لك إنني لم أُخن، ولم أنسَ…
لكنهم سحبونا من بعضنا دون أن يمنحونا فرصة واحدة فقط.”
سقطت على الأرض بجانب الخزانة، وهي تضم القميص إلى صدرها، وانكمشت كأنها تحاول الانكماش من العالم بأكمله.
الستارة تتحرك بخفة مع النسيم…
في الخارج، الضجيج هدأ…
لكن في داخل غرفة جان، كانت إيليف تواجه النهاية بصمت… وحدها.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 31"