3
3
“عما تتحدث؟”
“شارع سانتيس، رقم 25. أليس هذا هو المنزل التابع للقب الكونت الذي ورثته؟”
“بلى، هو كذلك.. ولكن لماذا تسأل؟”
قرأ فيليب بصوت عالٍ فقرة من نشرة الأخبار:
“‘مطلوب خطيب بعقد. رجل يتراوح عمره بين 20 و30 عاماً. المدة ثلاثة أشهر. الأجر يُحدد بعد المناقشة. يجب أن يكون حسن المظهر، طالباً أو خريجاً من المدرسة الملكية أو ما يعادلها. المكانة الاجتماعية غير مهمة. مكان المقابلة: شارع سانتيس رقم 25’. هناك إعلان كهذا في خانة الإعلانات!”
خطف كايدن النشرة من يد فيليب وهو يشعر بحدة من الغيظ تشتعل في صدره:
“أين هذا الكلام؟”
“على مهلك، أعطني إياها.”
استعاد فيليب الصحيفة، ووضع دائرة حول الجزء السفلي ثم أعادها بتبختر:
“لأنك تقرأ فقط ما يروق لك، تفوتك مثل هذه الأمور الجوهرية.”
هز كايدن رأسه بعدم استيعاب وهو ينظر إلى الموضع الذي حدده فيليب:
“هل تقرأ حتى هذه الأشياء؟”
“يا صاح، خانة الإعلانات هي مسرح لكل مشاعر البشر؛ أفراحهم وأحزانهم. زواج، نعي، بحث عن مفقودين، وعروض عمل. لكن ‘زهرة’ هذه الصفحات هي البحث عن عرسان وعرائس. لا تتخيل كم هو ممتع قراءتها! تظهر فيها أغرب الشخصيات والشروط.”
“أرى أن لديك الكثير من الأشياء ‘الممتعة’.”
تمتم كايدن بتهكم وهو يدقق في الإعلان. ضحك فيليب حين رأى تقطيبة حاجبيه التي تنم عن استياء شديد.
“ألم تبالغ في إهمال هذا اللقب الذي لم يورثك سوى الديون؟ قيل لي إنك لم تذهب إلى هناك ولا مرة.”
“ذهبتُ مرة واحدة. وبعدها كنتُ في الجيش.”
“على حد علمي، لقد ورثت اللقب منذ ثلاث سنوات؟”
لم يجد كايدن رداً على ملاحظة فيليب، فاكتفى بهز كتفيه وهو يضع الصحيفة جانباً. كان الصديقان قد أنهيا للتو خدمتهم العسكرية التي استمرت سنة وعشرة أشهر؛ فمنذ نهاية الحرب القارية الطويلة، فُرض على كل رجل بالغ في المملكة الخدمة على الحدود، ولم يكن كايدن، رغم دمه الملكي، استثناءً.
“ولكن من قد ينشر إعلاناً كهذا؟ ألم تقل إن عائلة خافيير لم يبقَ فيها سوى ثلاثة خدم على وشك التقاعد؟”
“ربما وظفوا شخصاً جديداً.”
رد كايدن ببرود، لكن فيليب استطرد بقلق:
“ألا تظن أنك مهمل أكثر من اللازم؟ قد ينتهي بك الأمر مثل الفيكونت بلان، هرب خدمه بكل أثاث المنزل وهو لا يدري، بل ويُقال إنهم باعوا إرث عائلته!”
رغم تظاهره بالهدوء، كان كايدن يغلي من الداخل. لقد تعلم من رئيس الخدم ‘بيرن’—الذي كان بمثابة والد له—أن يحيط بكل صغيرة وكبيرة علماً، وكان بيرن يكرر دائماً أن هذه هي المهارة الأساسية لأي فرد من العائلة الملكية. وهذا الإعلان أثبت أن كلمات بيرن كانت في محلها، مما جعل الوضع الحالي مثيراً للاشمئزاز والصدمة بالنسبة له.
نبش في ذاكرته عن أي تقرير وصله بخصوص تغييرات في منزل خافيير، لكنه لم يجد شيئاً. ومع ذلك، هناك إعلان يبحث عن ‘خطيب بعقد’ في العشرينيات من عمره! هذا يعني أن هناك من يسكن في منزله دون علمه أو إذنه.
تحقق كايدن من الوقت ثم نهض فجأة:
“لنذهب. سأمر بمنزل خافيير قبل الذهاب إلى الحفل. يجب أن أكتشف من تجرأ على فعل هذا.”
نهض فيليب بحماس:
“هل يمكنني المجيء؟ أنا فضولي جداً!”
كان يعلم أن منعه لا فائدة منه، فمشى كايدن نحو الباب وهو يجيب بفتور:
“إن كنت مستعداً للتضحية بالوقت المخصص للاستعداد للحفل، فافعل ما يحلو لك.”
* * *
“أجننتِ؟ خطيب مؤقت؟”
صرخ إيلاي تانيسيا بغضب وهو يقفز من مكانه، فما كان من جينيف إلا أن لوت شفتيها بضيق.
“كيف عرفت أنني هنا؟”
“أخبرتني بيتي. كانت قلقة للغاية لدرجة أنها كشفت لي مكانك وطلبت مني المجيء.”
استمر إيلاي في التذمر وهو يهز الصحيفة بعنف:
“بالطبع ستصعق بيتي! طلبتُ منكِ أن تظلي هادئة حتى أقنع والدي، فإذا بكِ ترتكبين كارثة كهذه!”
تمتمت جينيف وهي تخطف نظرة من الصحيفة:
“ماذا أفعل إذن؟ لا يمكنني البقاء هكذا للأبد.”
لكي تهرب من أحداث الرواية الأصلية، كان عليها قطع أي صلة لها بهاريون في أسرع وقت. لذا، رأت أن إحضار خطيب بعقد لكسب الوقت ثم البحث عن طريقة لحل نقاط ضعف والدها هو الحل الأمثل.
وضع إيلاي يده على جبينه، وأخذ نفساً عميقاً ليهدئ غضبه ثم حاول استمالتها:
“سأشتري لكِ منزلاً فور استلام أموال الصندوق الائتماني. عودي للمنزل الآن، ولنحاول المماطلة لشهر واحد بحجة أنك ستتزوجين هاريون.”
حاول إيلاي سحب يدها لإجبارها على اللحاق به، لكن جينيف تشبثت بدرابزين الدرج الأمامي وهي تُعمل عقلها.
شراء منزل لن يحل المشكلة الآن، ولأن إيلاي كان متصلباً في رأيه، قررت المناورة لإخفاء خطتها الحقيقية.
“ألا يمكنني الحصول على أموال الائتمان مسبقاً؟”
“تعلمين أن هذا مستحيل.”
كان الأبناء الثلاثة لعائلة تانيسيا يحصلون على ميراث جدتهم للأم في عيد ميلادهم الذي يلي بلوغهم سن الرشد بعام واحد. وبما أن الجدة كانت ملكة ليميا ومن عائلة مرموقة في لاباتور، فإن الميراث كان طائلاً، خاصة وأن نصيب الأخت الكبرى ‘إليزابيث’ انتقل إليهما أيضاً.
باختصار، هذان الشخصان اللذان يتشاجران الآن أمام باب منزل غريب هما ورثة ثروة خرافية.
“لن أعود للمنزل. سأصمد هنا مؤقتاً، لكن عليك تأمين مكان للسكن فور استلام الأموال. هل فهمت؟ لا تتأخر ولو ليوم واحد، وإلا سأموت!”
كانت جملتها الأخيرة نابعة من القلب؛ فمجرد التفكير في العودة للقيام بأعمال الخادمة الشاقة جعلها تنتحب تلقائياً.
تهبطت ملامح إيلاي حين سمع نحيب أخته:
“لنعد فقط.. سأتحدث مع والدي ونلغي الزفاف.”
“لو كان ذلك ممكناً، لما طلب مني الخطوبة من الأساس.”
‘الماركيز تانيسيا الذي فقد صوابه’.. كان هذا هو اللقب الذي يشعل العاصمة حالياً. في الحقيقة، في اليوم الذي ضحكت فيه جينيف على عناوين الصحف.. كانت قد ماتت بالفعل مرة واحدة.
لم تتوقع أبداً أن يقتحم القاتل غرفتها في تلك الليلة. كانت تعلم أنها ستموت، لكنها لم تظن أن جملة الرواية: “بمجرد نشر خبر الخطوبة في صحف المجتمع، قُتلت جينيف”
ستكون حرفية إلى هذا الحد. لقد كانت بطلة الرواية تملك قدرة مذهلة على التنفيذ!
رغم مرور أسبوع على يوم وفاتها، كانت جينيف ترتجف كلما تذكرت تلك اللحظة. ألم الخنق كان فظيعاً بحق.
وعندما استعادت وعيها، ارتبكت للحظة؛ فقد استيقظت على سريرها وكأن شيئاً لم يكن، وظنت أنها نجت. لكن مع بزوغ الفجر، تكرر كل شيء: كلمات بيتي وهي توقظها، قائمة الفطور، وحتى والدها المتلعثم وهو يفتح موضوع الخطوبة.
تأكدت جينيف من عودتها بالزمن عندما رأت العنوان الذي جلبته الخادمة ماغي بحماس: ‘الماركيز تانيسيا الذي فقد صوابه’. وبمجرد رؤيته، فرت من المنزل فوراً.
كان ذلك ممكناً لأن مربيتها كانت تحزم الحقائب بالفعل.
وبفضل قريبة بيتي التي تعمل في منزل عائلة خافيير، استطاعت الاختباء هناك؛ فالمنزل كان مهجوراً منذ وفاة صاحبه السابق، والكونت الجديد لم يبدِ أي اهتمام بالمكان.
سُمح لها بالبقاء مؤقتاً، ولكن ليس كضيفة، بل كخادمة متطوعة دون أجر.
وهنا بدأت المشكلة؛ فمن عاشت حياة الترف والخدم لم يكن سهلاً عليها العمل الشاق في عصر قديم يعتمد على العربات والفساتين الثقيلة. ورغم أن الخدم لاحظوا رقيّها وعاملوها بلطف، إلا أن التعب كان يفوق طاقتها.
تجهم وجهها عند تذكر أسبوع العذاب هذا، فتنهد إيلاي بعمق:
“ما الذي يحدث بحق الله؟ لماذا يحاول تزويجك من البارون هاريون بعدما فعل ذلك مع أختنا؟”
تنهدت جينيف بدورها. رغم هربها، كان عليها حل مشاكل عائلتها؛ فخطوبة هاريون كانت بضغط من الدوقة أديليو، التي تملك رسائل كان الماركيز قد تبادلها مع الدوق الراحل في شبابهما. رسائل طائشة تتحدث عن كون الأرشيدوق ديمار سيكون ملكاً أفضل من ولي العهد، وأحلام صبيانية لتغيير العالم. ورغم أنهم لم ينفذوا شيئاً، إلا أن ولي العهد لن يرى الأمر مجرد ‘تبادل آراء’ بل خيانة عظمى.
كانت جينيف تدرك خطورة الموقف؛ فعندما مات الأرشيدوق ديمار في حادث غامض، حاول أصدقاؤه كشف القاتل، لكن ولي العهد طمس كل الأدلة وأبعدهم عن مناصبهم. لذا كان والدها يرتعد خوفاً من تهديدات الدوقة.
كان على جينيف فعل الكثير: تجنب أبطال الرواية لتعيش، وحماية عائلتها عبر العثور على الرسائل وإتلافها. لكن كيف؟ معرفة أحداث الرواية لا تجعل الأمر سهلاً وهي غارقة في أعمال الخدم الشاقة.
هزت جينيف كتفيها رداً على تساؤل أخيها، ثم دفعته للمغادرة وهي تؤكد عليه:
“أمامك شهر واحد. جد لي منزلاً فور استلام الأموال. أتفهم؟”
“أعدكِ.”
“سأصدقك إذن.. سأدخل الآن.”
حملت حقيبتها التي أحضرها إيلاي، ثم دفعته من ظهره حين رأته ينظر إليها بشفقة:
“اذهب بسرعة. سأدخل بعد أن أراك تغادر.”
كانت تخشى أن يلين قلبها وتعود معه، كما أنها لم ترد لفت أنظار المارة أكثر من ذلك.
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 3"