الفصل الثامن
الجو في القصر الرمادي مشحوناً بكهرباء ساكنة تنذر بعاصفة لا تبقي ولا تذر. منذ الصباح الباكر، كان جاكس ورجاله يتحركون كآلات مبرمجة، ينظفون الممرات، ويصقلون الفضة، ويخفون أي أثر للفوضى التي أحدثها اقتحام رايان الفاشل. أدريان كان في حالة توتر لم ترها ليزا من قبل؛ يدخن سيجارة تلو الأخرى، وعيناه الرماديتان لا تتوقفان عن مراقبة البوابة الرئيسية عبر الشاشات.
«أنا لست عروسك»، ردت ليزا وهي تمسك الفستان ببرود. «أنا سجينتك».
اقترب أدريان منها، وأمسك وجهها بقوة جعلت عظام فكها تطقطق. «اليوم ستكونين ما أقوله لكِ. ريج لا يرحم يا ليزا. إذا رأى فيكِ ضعفاً أو تمرداً، سيمحوكِ من الوجود كما يمحو خطأً في دفتر حساباته. هل تفهمين؟»
أومأت برأسها بصمت، والدموع تترقرق في عينيها. ارتدت الفستان، وكان ضيقاً يبرز نحافتها التي ازدادت في الأيام الأخيرة. وضعت القلادة الفضية، وشعرت أنها تزن أطناناً فوق صدرها.
في تمام الساعة الثانية ظهراً، توقفت قافلة من السيارات السوداء المصفحة أمام القصر. نزل منها رجال يرتدون بدلات رسمية، ملامحهم خالية من أي تعبير بشري. ثم فتح باب السيارة الوسطى، وخرج منها ريجينالد «ريج» فالكون.
كان رجلاً في أواخر الخمسينيات، لكنه يملك هيبة تجعل الهواء يتجمد من حوله. شعره الأبيض مصفف بدقة، وعيناه الزرقاوان الباردتان تشبهان نصل سكين مغموس في الثلج. سار نحو القصر بخطى واثقة، وعصاه المرصعة برأس غراب فضي تضرب الأرض بإيقاع عسكري.
أدريان كان ينتظره عند المدخل، وبجانبه ليزا. انحنى أدريان قليلاً في حركة احترام ممزوجة بالخوف. «أهلاً بك يا والدي».
لم ينظر ريج إلى ابنه. كانت عيناه مثبتتين على ليزا. سار نحوها حتى أصبح على بعد سنتيمترات قليلة. رفع عصاه ووضع طرفها الفضي تحت ذقنها، ورفعه ليتفحص وجهها.
«إذاً هذه هي الفتاة التي جعلت ابني يتصرف كالمراهقين المهووسين»، قال ريج بصوت عميق فيه بحة تدل على سنوات من التدخين والسلطة المطلقة. «جميلة.. لكن الجمال في عائلة فالكون لعنة، وليس نعمة».
حاولت ليزا الحفاظ على ثباتها، لكن ركبتيها ترتجفان. «أهلاً بك سيدي»، همست.
ضحك ريج ضحكة جافة. «سيدي؟ أدريان، يبدو أنك لم تعلمها أصول المخاطبة. في هذا البيت، أنا القانون، وأنا الرب».
دخلوا إلى قاعة الطعام الكبرى. جلس ريج على رأس الطاولة، وأدريان على يمينه، وليزا على يساره. كان الطعام فاخراً، لكن أحداً لم يلمسه. ريج ينظر إلى ليزا بتمعن، كأنه يقرأ أفكارها.
«أخبرني يا أدريان»، بدأ ريج وهو يصب لنفسه كأساً من النبيذ المعتق. «لماذا هذه الفتاة بالذات؟ عرضت عليك بنات أقوى العائلات في أوروبا، لكنك اخترت ابنة ممرضة بسيطة».
«إنها ليست مجرد فتاة يا والدي»، رد أدريان وصوته يرتجف قليلاً. «إنها روح توأمي. رأيتها في أحلامي قبل أن أقابلها».
ضرب ريج الطاولة بقبضته، مما جعل الأطباق تهتز. «الأحلام للضعفاء! نحن فالكون، نبني واقعنا بدمائنا، لا بأحلامنا. ليزا، هل تعرفين لماذا يكرهني ابني؟»
نظرت ليزا إلى أدريان، ثم إلى ريج. «لا أعرف سيدي».
«لأنني قتلت أمه»، قال ريج ببرود تام، كأنه يتحدث عن قتل حشرة. «كانت خائنة، وكانت تظن أن جمالها سيحميها من غضبي. أدريان رأى ذلك، ومنذ ذلك اليوم يبحث عن أم بديلة في كل امرأة يقابلها. وأنتِ يا ليزا، لستِ سوى ضحية لهذا البحث المريض».
شعرت ليزا بالغثيان. نظرت إلى أدريان، ورأت وجهه قد أصبح شاحباً كالموت، وعروق رقبته بارزة من الغضب المكتوم.
«والدي، ليزا مختلفة»، قال أدريان بصوت منخفض.
«مختلفة؟» سخر ريج. «رفضتكِ في البداية، أليس كذلك؟ أتذكر ذلك المشهد المخزي في الجامعة. عندما أرسلت لها تلك اللوحة النادرة كهدية أمام أصدقائها، وقامت برميها في سلة المهملات وقالت إنها لا تقبل هدايا من غرباء مهووسين. جعلت اسم فالكون أضحوكة في تلك اللحظة».
تذكرت ليزا ذلك اليوم. كانت صوفيا بجانبها، والجميع ينظرون إليها بذهول وهي ترفض الهدية الثمينة. كانت تظن أنها قوية، وأنها وضعت حداً لهذا الغريب. لم تكن تعرف أن ذلك الرفض أشعل فتيل الهوس في قلب أدريان.
«كان ذلك سوء تفاهم»، همست ليزا.
«سوء تفاهم؟» نهض ريج واقترب منها. «في عالمنا، الرفض إعلان حرب. وأدريان كسب الحرب باختطافكِ. لكن السؤال: هل تستحقين كل هذا العناء؟»
أخرج ريج مسدساً صغيراً من جيبه، ووضعه على الطاولة أمام ليزا. «أدريان يقول إنكِ تحبينه الآن. أثبتي لي ذلك. خذي هذا المسدس، وأطلقي النار على تلك القطة التي تجلس عند النافذة».
نظرت ليزا إلى النافذة، فرأت قطة صغيرة بيضاء تلعب بخيوط الستائر. «لا.. لا يمكنني فعل ذلك».
«إذاً أنتِ لا تحبينه»، قال ريج ببرود. «أنتِ مجرد كاذبة تحاول النجاة. وإذا كنتِ كاذبة، فلا مكان لكِ في هذا القصر».
وقف أدريان بسرعة. «والدي، توقف! ليزا ليست قاتلة».
«إذا لم تكن قاتلة، فستكون مقتولة»، رد ريج وهو يوجه نظره نحو ليزا. «اختاري يا ليزا. القطة، أو حياتكِ».
أمسكت ليزا بالمسدس، وكانت يدها ترتجف لدرجة أنها كادت تسقطه. نظرت إلى القطة، ثم إلى أدريان الذي ينظر إليها بتوسل ورعب. شعرت بضغط ريج خلفها، ورائحة سيجاره الثقيلة تخنقها.
«افعليها يا ليزا»، همس أدريان. «أرجوكِ، افعليها لتعيشي».
أغمضت ليزا عينيها، وضغطت على الزناد. دوي الرصاصة صاعق في القاعة الصامتة. صرخت ليزا وسقط المسدس من يدها. عندما فتحت عينيها، رأت أن الرصاصة أصابت إطار النافذة، والقطة قد هربت بذعر.
ضحك ريج بصوت عالٍ، ضحكة مرعبة هزت أركان القاعة. «فاشلة! حتى في القتل أنتِ فاشلة. أدريان، اخترت امرأة لا تملك الشجاعة لتكون ملكة، ولا الذكاء لتكون خادمة».
التفت ريج نحو ابنه. «سأعطيك أسبوعاً واحداً يا أدريان. إذا لم تجعلها واحدة منا، سأرسل جاكس لينهي هذا العبث. نحن لا نحتاج إلى ضعفاء في عائلتنا».
خرج ريج من القاعة، وتبعه رجاله، تاركاً أدريان وليزا في صمت مميت. ارتمت ليزا على الأرض وبدأت تبكي بهستيريا. اقترب أدريان منها وحاول ضمها، لكنها دفعته بعيداً.
«ابتعد عني! أنت ووالدك وحوش!» صرخت ليزا.
لم يغضب أدريان. كان ينظر إليها بحزن عميق. «حاول إنقاذكِ يا ليزا. لو أصبتِ القطة، لكان اعتبركِ واحدة منا وترككِ وشأنكِ. الآن يراكِ كهدف».
«أنا لست هدفاً! أنا إنسانة!»
«في هذا القصر، لا يوجد بشر»، قال أدريان وهو ينهض. «يوجد فقط صيادون وفرائس. وأنا أحاول بكل قوتي أن أجعلكِ الصيادة، حتى لا تصبحي الفريسة القادمة لوالدي».
في تلك الليلة، كتب أدريان في مذكراته بقلب مثقل:
ريج وضع السكين على رقبتنا جميعاً. ليزا لم تقتل القطة، وهذا يعني أنها لا تزال تملك روحاً. وروحي أنا تحترق لأنني أريدها أن تبقى هكذا، وفي نفس الوقت أحتاج منها أن تصبح قاسية لتعيش. الاختبار القادم سيكون دموياً أكثر. يجب أن أحميها من والدي، حتى لو كان الثمن أن أكره نفسي أكثر.
عادت ليزا إلى مذكراتها تحت البلاطة. «رأيت الشيطان اليوم. ريج فالكون هو أصل كل هذا الشر. أدريان يخاف منه، وأنا أرتجف من مجرد ذكر اسمه. طلب مني القتل، وفشلت. هل الفشل في القتل نجاح في الإنسانية؟ أم أنه مجرد تأجيل للموت؟ ماريا كانت تهمس عبر الجدار الليلة.. قالت إن ريج سيأخذني إلى الغرفة السوداء إذا لم أطع. يا إلهي، ساعدني».
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 8"