4 - ✔️
الفصل الرابع
استيقظت ليزا على صوت قطرات المطر تضرب زجاج النافذة الضخم بإيقاع رتيب، كأنه عد تنازلي لشيء مجهول. كانت الغرفة الحمراء غارقة في ضوء رمادي باهت، والسرير الأسود يبدو كبئر عميقة ابتلعت أحلامها كلها. شعرت بثقل على خصرها؛ يد أدريان ملفوفة حولها، عروقه البارزة وجلده البارد يلتصقان ببشرتها كقيد حديدي بارد.
لم تتحرك. كانت تخشى أن يوقظ أي نفس زائد. نظرت إلى السقف حيث تعكس الثريا الكريستالية ضوء الفجر الشاحب، وبدت كأسنان حادة مستعدة للانقضاض. رائحة أدريان تحاصرها؛ مزيج من التبغ والمسك ورائحة معدنية خفيفة لم تستطع تمييزها. هل كانت رائحة المقص؟ أم رائحة الدم الذي جف على يده ليلة أمس؟
«أعلم أنكِ مستيقظة»، همس أدريان بصوت أجش دون أن يفتح عينيه.
تجمدت ليزا. شعرت بأنفاسه الحارة على قفاها فارتعش شعرها رعباً. «أريد أن أذهب إلى الحمام»، قالت بصوت مخنوق.
أرخى قبضته ببطء، وفتح عينيه الرماديتين اللتين تلمعان ببريق غريب في الضوء الخافت. «اذهبي. لكن لا تتأخري. الفطور ينتظرنا، ولدينا الكثير لنفعله اليوم».
نهضت ليزا بسرعة، شعرت ببرودة الأرض تحت قدميها العاريتين. في الحمام أغلقت الباب وأسندت رأسها إلى المرآة الباردة. رأت انعكاس امرأة لم تعد تعرفها. الهالات السوداء تحت عينيها الخضراوين تبدو كندوب نفسية. غسلت وجهها بالماء المثلج، تحاول طرد صورة أدريان وهو يقص فستانها من ذاكرتها.
عندما خرجت، وجدت أدريان قد ارتدى قميصاً أسود وبنطالاً فاخراً. كان يقف أمام جدار الصور، يلمس بأطراف أصابعه صورة لها وهي تضحك في الجامعة.
«كنتِ سعيدة جداً هناك»، قال دون أن يلتفت إليها. «لكن تلك السعادة كانت زائفة يا ليزا. مبنية على أوهام الحرية. هنا سأمنحكِ سعادة حقيقية، سعادة مبنية على الحقيقة المطلقة.. حقيقة أنكِ ملكي».
«الحقيقة الوحيدة هي أنك اختطفتني»، ردت ليزا بمرارة وهي تحاول جمع شجاعتها.
التفت إليها ببطء، ابتسامة باردة ترتسم على شفتيه. «الاختطاف مجرد كلمة يستخدمها الضعفاء لوصف القدر. أنا لم أختطفكِ، بل استعدتكِ من عالم لا يقدر قيمتكِ».
نزلا إلى قاعة الطعام. كانت المائدة عامرة، لكن الجو مشحون بالتوتر. جاكس يقف في الزاوية كتمثال حجري، عيناه تراقبان كل حركة تقوم بها.
«أدريان، أين أمي؟» سألت وهي تعبث بقطعة خبز بأصابع مرتعشة.
«إيلينا بخير. هي في مكان آمن، تتلقى الرعاية التي تستحقها. طالما بقيتِ مطيعة، ستبقى أمك بخير. هل نفهم بعضنا؟»
شعرت ليزا بغصة كبيرة في حلقها، وابتلعت ريقها بصعوبة. «نعم.. نفهم».
بعد الفطور، أخذها أدريان إلى غرفة ضخمة في نهاية الجناح الشرقي. الغرفة مليئة بالكتب واللوحات وآلات موسيقية قديمة. في الوسط كرسي مخملي كبير يواجه نافذة تطل على الحديقة حيث تجول الكلاب الضخمة بحرية.
«هذه غرفتكِ للدراسة»، قال. «أحضرت لكِ كل الكتب التي كنتِ تدرسينها. يمكنكِ إكمال تعليمكِ هنا، تحت إشرافي».
«تحت إشرافك؟ أنت لست أستاذاً، أنت مجرم!»
ضحك أدريان ضحكة قصيرة جافة. «أنا كل شيء يا ليزا. أستاذكِ، حبيبكِ، سجانكِ، إلهكِ. سأعلمكِ أشياء لم تحلم بها الجامعة. سأعلمكِ لغة الألم، وجمال الفوضى».
أجبرها على الجلوس، وقف خلفها. بدأ يمشط شعرها البني الطويل بأصابعه. «شعركِ جميل جداً.. لكنه يحتاج إلى بعض الترتيب».
أخرج مقصه الفضي. تجمدت ليزا، شعرت ببرودة المعدن يلامس عنقها. «ماذا ستفعل؟»
«سأقص الروابط يا ليزا. كل خصلة تسقط ذكرى لرجل نظر إليكِ أو صديقة حاولت إبعادكِ عني».
بدأ يقص خصلات شعرها ببطء شديد. صوت «تشاك.. تشاك» يتردد في الغرفة الصامتة كطلقات صغيرة. كانت تغمض عينيها، والدموع تنهمر بصمت. تشعر أن كرامتها تسقط مع كل خصلة تلامس الأرض.
«لا تبكي»، همس في أذنها. «الشعر ينمو من جديد، لكن الروح التي سأبنيها لكِ ستدوم إلى الأبد».
عندما انتهى، كان شعرها يصل إلى كتفيها فقط. نظر إلى انعكاسها في النافذة بزهو. «الآن تبدين كأنكِ تنتمين إليّ حقاً. تبدين.. نقية».
تركها وأغلق الباب. ارتمت ليزا على الكتب، وبدأت تنتحب. شعرت بالضياع. نظرت إلى خصلات شعرها المتناثرة، تبدو كبقايا جثة.
في لندن، وصلت صوفيا إلى طريق مسدود. «اللعنة!» صرخت وهي تضرب الطاولة. «مسح كل أثر رقمي. السيارة اختفت، والكاميرات عطلت في اللحظة المناسبة».
دخل المحقق رايان هيل، وجهه شاحب. «صوفيا، وجدت شيئاً. سجل قديم لعائلة فالكون. قصر في منطقة معزولة في الشمال، كان ملكاً لريج فالكون».
«هل تعتقد أنها هناك؟» سألت بلهفة.
«الاحتمال الوحيد. لكننا لا نستطيع الذهاب هكذا. لديه جيش من الحراس، والشرطة لن تتحرك دون دليل قاطع».
«سأجد الدليل»، قالت وعيناها تلمعان بتصميم. «سأخترق نظام الحماية. إذا كان هناك إنترنت، سأجد الثغرة».
في القصر، خيم الليل مرة أخرى. دخل أدريان غرفة الدراسة، وجد ليزا جالسة في الظلام تنظر إلى الحديقة.
«لماذا لم تشعلي الأضواء؟» سأل وهو يقترب.
«الظلام يناسبني أكثر»، ردت بصوت ميت.
جلس عند قدميها، وضع رأسه على ركبتيها. «ليزا، هل تعرفين لماذا اخترتكِ أنتِ من بين كل النساء؟»
لم ترد.
«لأنكِ تملكين حزناً يشبه حزني. في عينيكِ أرى الانكسار الذي شعرت به عندما رأيت أبي يقتل أمي. نحن متشابهان يا ليزا. روحان محطمتان، ولا يجمع شتاتنا سوى بعضنا».
شعرت ليزا بوخزة شفقة ممزوجة باشمئزاز. «تبرر جرائمك بماضيك. أبي لم يقتل أمي، لكنك تفعل ذلك الآن».
رفع رأسه وعيناه محمرتين. «أنا أحميكِ! العالم في الخارج قذر، الرجال ينظرون إليكِ كقطعة لحم. أنا الوحيد الذي يراكِ كروح. أنا مستعد لحرق العالم من أجل ابتسامة منكِ».
«أنت لا تريد ابتسامتي، أنت تريد خضوعي».
أمسك وجهها بيديه بقوة. «الخضوع هو أعلى درجات الحب. عندما تسلمين إرادتكِ، تصبحين جزءاً مني. ألا تريدين أن نكون واحداً؟»
اقترب ليقبلها، لكنها أدارت وجهها. تجمد أدريان، شعرت ببرودة مفاجئة تنبعث منه. نهض ببطء، تنفسه ثقيل.
«حسناً يا ليزا. يبدو أنكِ تحتاجين درساً آخر في التقدير».
نادى جاكس. «خذها إلى القبو. أريدها أن ترى ‘المعرض’».
صرخت ليزا وقاومت، لكن جاكس سحبها بقوة. نزلوا سلالم حجرية رطبة حتى باب حديدي ثقيل. فتحه أدريان ودفعها داخل.
كانت الغرفة مليئة بلوحات مرسومة بالدم. صور نساء مشوهات بالألم، عيونهن تعكس رعباً لا يوصف. وفي النهاية ضريح صغير مغطى بالزجاج، يحتوي على خصلات شعر وملابس ممزقة وزجاجات سوائل داكنة.
«هؤلاء النساء اللواتي حاولن تركي»، همس في أذنها. «أردن الرحيل، فجعلتهن يبقين للأبد.. في لوحاتي».
سقطت ليزا على ركبتيها وبدأت تتقيأ.
«أرأيتِ يا ليزا؟ أنا لا أترك ما أحب. إذا حاولتِ الهرب، ستصبحين أجمل لوحة في هذا المعرض. سأرسمكِ بدمكِ الخالص، وسأضع شعركِ في هذا الضريح، وسأقبلكِ كل ليلة وأنا أنظر إلى وجهكِ الجامد».
أمسك شعرها القصير ورفع رأسها. «هل ما زلتِ تريدين الرحيل؟»
«لا.. لا..» همست وهي ترتجف.
«جيد». قبلها بقسوة، وطعم القيء والدموع امتزج بينهما. «الآن عودي إلى غرفتكِ. وفكري جيداً في مستقبلكِ معي».
عادت ليزا إلى غرفتها، لكنها لم تنم. جلست في الزاوية تضم ركبتيها، تنظر إلى الباب. أدركت أنها ليست في قصر، بل في مسلخ نفسي. وأن أدريان فالكون ليس عاشقاً، بل ملك الموت الذي اختارها عروساً له.
في تلك الليلة كتبت في مذكراتها السرية التي خبأتها تحت بلاطة فضفاضة:
«قص شعري، وقص روحي معه. أرى وجوه النساء في القبو في كل زاوية. أدريان ليس بشراً، إنه ثقب أسود يبتلع كل نور. صوفيا، رايان.. إذا كنتم تسمعونني، أرجوكم.. اقتلوني قبل أن يحولني إلى لوحة».
كانت رائحة العفن والدم والياسمين تملأ المكان، رائحة الموت الذي يرتدي ثياب الحب. أدريان كان في غرفته يرسم لوحة جديدة.. لوحة لامرأة بشعر قصير وعينين خضراوين غارقتين في الدموع، وكان يبتسم وهو يغني لحنه الجنائزي المعتاد.
«فتاتي الأبدية.. قريباً، سنكون واحداً حقاً».
التعليقات لهذا الفصل " 4"