2 - ✔️
الفصل الثاني
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والبرد في لندن يتسلل من كل شق في الجدران، لكنه لم يكن ببرودة تلك الوردة السوداء التي بقيت ملقاة على منضدة ليزا كأنها رسالة صامتة من عالم آخر. لم تكن مجرد زهرة ميتة؛ كانت كلمات مكتوبة بدم، بلغة يفهمها فقط من ذاقوا طعم الرعب حتى النخاع.
جلست ليزا في زاوية غرفتها الصغيرة، تضم ركبتيها إلى صدرها بقوة حتى ألمها العظام، وعيناها الخضراوان مثبتتان على البقعة الحمراء التي بدأت تتحول إلى لون بني داكن على السجادة البيضاء. أصابعها الباردة ترتعش دون توقف، وحلقها جاف كالرمال، وكأن كلمة «أمي» تحولت إلى شظايا زجاج عالقة في صدرها ولا تستطيع الخروج.
«أمي…» همست، لكن الصوت بقي محبوساً داخلها.
في الجانب الآخر من المدينة، في شقة علوية تطل على النهر الأسود، وقف أدريان فالكون أمام لوحة ضخمة مغطاة بقماش أسود. كان عاري الصدر، وعضلات ظهره المنحوتة تتحرك مع كل نفس عميق يأخذه ببطء. الندبة الطويلة الوحشية التي تمتد من كتفه الأيسر إلى أسفل ظهره كانت لا تزال تحرق الذكرى، ذكرى ليلة حاول فيها الطفل الصغير أن يقف بين والدته والرصاصة.
أمسك بمشرط جراحي حاد، ومرره ببطء شديد على إصبعه السبابة. لم يرمش. راقب الخط الأحمر الرفيع يظهر، ثم تتجمع قطرات الدم الدافئة وتسيل. لم يكن ألماً بالنسبة له، بل كان ناراً تحرق الفراغ داخل روحه. ضغط إصبعه على اللوحة البيضاء وبدأ يرسم. لم يكن يرسم وجهاً، بل كان يرسم الشعور نفسه: ليزا ترتجف، الخوف الذي رآه في عينيها عبر الكاميرا الصغيرة.
«هل تشعرين بي الآن يا ليزا؟» همس بصوت خشن منخفض، ممزوج بضحكة مكتومة لا تشبه الضحك. «الخوف هو أصدق لغة بيننا، أعمق من أي قبلة، أقوى من أي لمسة.»
عاد بذاكرته إلى لقائهما الأول في مكتبة الجامعة قبل أسبوع. كان قد خطط لكل ثانية لتبدو صدفة مثالية. ارتدى ملابس بسيطة لكنها غالية، ونظارات تخفي حدة عينيه الرماديتين، وكتاباً قديماً في يده.
«معذرة، هل هذا المقعد شاغر؟» سألها بهدوء يخفي كل شيء.
رفعت ليزا رأسها، وارتبكت للحظة أمام ابتسامته الدافئة. «نعم… تفضل.»
جلس قريباً جداً. استنشق رائحة عطرها الخفيفة، وراقب أصابعها النحيلة وهي ترتعش وهي تقلب الصفحات. شعر برغبة جامحة في مد يده ليقبض على عنقها بلطف، ليشعر بنبض قلبها يتسارع تحت أصابعه، ليجعله ملكاً له وحده إلى الأبد.
في شقة ليزا، دخلت إيلينا الغرفة فجأة بعد أن سمعت الأنين الخافت. رأت الوردة، رأت الدم، فتجمدت دماؤها في عروقها. لم تحتج إلى سؤال، كانت تعرف هذا التوقيع جيداً.
«ليزا، اجمعي ملابسكِ بسرعة. سنرحل الآن.»
«إلى أين يا أمي؟ ماذا يحدث؟ من وضع هذه الوردة؟» صرخت ليزا، والدموع تنهمر ساخنة على وجنتيها الشاحبتين.
«لا وقت للشرح. إنه هو… أو ابنه. الموت الذي ظننت أنني دفنته عاد ليطاردنا.»
قبل أن تتحركا، رن جرس الباب بصوت حاد كطعنة سكين في صمت الفجر. تبادلتا النظر برعب عميق. سارت إيلينا نحو الباب بخطوات ثقيلة، ممسكة بسكين مطبخ خفية، ونظرت من العين السحرية.
لم يكن هناك أحد. فقط طرد صغير مغلف بورق هدايا فاخر، وبطاقة مكتوب عليها بخط أنيق: «إلى ليزا، مع حبي الأبدي.»
فتحت إيلينا الطرد بأصابع مرتعشة. داخل الصندوق مقص قديم من الفضة الخالصة، مقبضه مرصع بأحجار حمراء تشبه قطرات الدم، وخصلة شعر بني طويل… شعر ليزا بالضبط.
لمست ليزا رأسها بذهول، وشعرت بدوار يجتاحها. «متى… متى أخذ هذا؟»
«إنه يراقبنا في كل لحظة،» همست إيلينا وهي تنهار على ركبتيها. «ليس إنساناً عادياً، بل شيطاناً يرتدي وجه ملاك.»
في تلك اللحظة كان أدريان قد انتهى من لوحته. كان قلباً بشرياً واقعياً مقصوصاً من المنتصف بمقص فضي، وزهور سوداء تتفتح من الجرح. مسح الدم عن يده بقطعة قماش ناعمة، ونظر إلى هاتفه. رأى ليزا تنهار بجانب أمها على الأرض.
شعر بوخزة حارة في صدره، ليست شفقة، بل لذة عميقة ممزوجة برغبة جامحة في الذهاب إليها، ضمها إلى صدره، وهمس في أذنها أن كل شيء سيكون بخير… طالما أنها ملكه.
«ابكي يا حبيبتي،» قال وهو يقبل الشاشة التي تظهر وجهها الباكي. «دموعكِ هي النبيذ الذي يروي عطشي. كل دمعة تسقط تعني أنني أمتلك جزءاً أكبر من روحك.»
اتصل بجاكس، يده اليمنى. «هل أبعدت المحقق رايان هيل؟»
«نعم سيدي، أرسلناه في مهمة وهمية. لن يعود قبل الغد.»
«جيد. وصوفيا؟»
«تحت المراقبة الكاملة. إذا تحركت، سأقطع أصابعها.»
ابتسم أدريان ابتسامة هادئة. «لا تقتلها بعد. أريد ليزا أن تشعر بالوحدة التامة، أن تدرك أن العالم كله تخلى عنها، وأنني أنا الوحيد الذي سيبقى.»
في الصباح التالي، ذهبت ليزا إلى الجامعة رغم توسلات أمها. كانت تشعر أن البقاء داخل الجدران سيجعلها تفقد عقلها. احتاجت إلى وجوه بشرية، إلى صوت ضحك، إلى شعور أن الحياة لا تزال طبيعية. لكن ما إن دخلت الحرم الجامعي حتى شعرت بالعيون تلاحقها من كل اتجاه.
رأت أدريان يقف عند النافورة الكبيرة، محاطاً بمجموعة من الطلاب، يضحك بطريقة طبيعية تماماً، كاريزمياً وجذاباً. عندما لمحها، لوح لها بيده بابتسامة دافئة حقيقية تقريباً.
اقتربت بخطى متعثرة. «أدريان… هل يمكننا أن نتحدث؟»
«بالطبع يا ليزا. تبدين متعبة جداً، هل أنتِ بخير؟» سألها بصوت مليء بالقلق الذي يكاد يخدع حتى نفسه.
«أنا… أتلقى أشياء غريبة. وردة سوداء، مقص، وخصلة من شعري…» انخفض صوتها وهي تنظر حولها بخوف.
أمسك أدريان يدها بلطف. كانت يده باردة، لكن قبضته قوية ومطمئنة في الوقت نفسه. «هذا مرعب حقاً. لا بد أن هناك شخصاً مريضاً يطاردكِ. ليزا، أنا هنا من أجلكِ. سأحميكِ، أعدكِ.»
في تلك اللحظة شعرت ليزا بتناقض غريب يمزقها. كانت تخشاه، لكن وجوده أعطاها شعوراً مريضاً بالأمان، كأن صوته يهدئ الرياح داخلها بينما عيناه تقولان شيئاً مظلماً تماماً.
«لماذا تفعل كل هذا؟» سألته فجأة، وعيناها تبحثان في عينيه الرماديتين.
اقترب منها حتى شعرت بدفء أنفاسه على وجهها. رائحته مزيج من التبغ الفاخر والعطر الحاد. «لأن هناك أرواحاً تعرف بعضها منذ الأزل يا ليزا. أنتِ لستِ مجرد صديقة، أنتِ النصف الذي فقدته منذ زمن طويل.»
ابتعدت ليزا، وقلبها يدق بعنف. «يجب أن أذهب.»
«انتظري،» قال وأخرج من جيبه قلادة صغيرة على شكل قلب فضي. «خذي هذه. تميمة للحظ. أريدكِ أن ترتديها دائماً.»
لم تعلم ليزا أن القلب الصغير يحتوي على جهاز تتبع دقيق، وأنها بمجرد أن وضعته حول عنقها سلمت له آخر مفاتيح حريتها.
عادت إلى المنزل، فوجدت صوفيا تنتظرها. وجه صديقتها اللاتيني الجميل كان عابساً. «ليزا، اخترقت بعض الكاميرات حول المنزل. هناك سيارة سوداء تقف أمام الباب منذ ثلاثة أيام. وبعدما بحثت عن أدريان فالكون… الرجل ليس طالباً. كل شيء عنه مزيف. هو وريث إمبراطورية إجرامية لا يمكن تخيل حجمها.»
شعرت ليزا أن الأرض تهتز تحت قدميها.
فجأة انطفأت الأنوار في الشقة كلها. ظلام دامس. ثم جاء صوته من مكبرات الصوت المخفية في الجدران:
«صوفيا… ذكاؤكِ يزعجني كثيراً. ليزا، اطلبي منها أن تخرج الآن، وإلا سأرسل جاكس ليعلمها أدب الحياة.»
«أدريان! اتركنا وشأننا!» صرخت ليزا وهي تبحث عن هاتفها في الظلام.
«أترككِ؟ أنا لا أترك روحي يا ليزا. أنا فقط أعيدها إلى جسدها. صوفيا، عندكِ عشر ثوانٍ لتخرجي، وإلا سأحرق الشقة بمن فيها.»
دخان خفيف بدأ يتسرب من تحت الأبواب برائحة بنزين حادة.
«أدريان، توقف! سأفعل أي شيء، فقط لا تؤذِ صوفيا وأمي!» صاحت ليزا وهي تضرب الباب بيديها حتى نزفت.
عاد التيار الكهربائي فجأة. انفتح الباب ببطء. كان أدريان يقف هناك، مرتدياً معطفه الأسود الطويل، وفي يده منديل حريري أبيض. اقترب منها بهدوء، أمسك يدها النازفة، وبدأ يمسح الدم بلطف شديد وهو ينظر في عينيها بعشق مجنون.
«انظري ماذا تجبرينني عليه،» همس وهو يقبل الجرح. «الآن قولي وداعاً لصديقتكِ. لديكِ موعد معي… موعد لن ينتهي أبداً.»
حاولت صوفيا مهاجمته بسكين صغير، لكن جاكس ظهر من الظلام كشبح، أمسك ذراعها ولواها خلف ظهرها بقوة جعلت العظام تصدر صوتاً. صرخت صوفيا من الألم.
«لا تؤذها!» صاحت ليزا.
نظر أدريان إلى جاكس. «دعها ترحل. لقد تعلمت الدرس.» ثم التفت إلى ليزا. «أما أنتِ… فلديكِ الكثير لتتعلميه عن معنى الحب يا فتاتي الأبدية.»
سحبها من يدها بقوة لا تقاوم، بينما كانت إيلينا تصرخ من المطبخ المغلق. ليزا ضربته، بكت، قاومت، لكنه كان كالصخر. وضعها داخل السيارة السوداء وأغلق الباب.
بينما كانت السيارة تبتعد في الشوارع المظلمة، نظرت ليزا من النافذة الخلفية ورأت منزلها يصغر، ورأت حياتها القديمة تبتعد وتحترق خلفها. أدريان كان يقود بهدوء تام، يده اليمنى تمسك بيدها بقوة، ويغني لحناً فرنسياً قديماً بصوت ناعم.
«إلى أين تأخذني؟» سألته بصوت مكسور تماماً.
نظر إليها، وعيناه الرماديتان تلمعان في الظلام بضوء غريب. «إلى المكان الذي كان يجب أن تكوني فيه دائماً… إلى قلبي، وإلى قفصكِ الذهبي.»
في تلك الليلة كتب أدريان في مذكراته بدم جديد:
«استعدتها أخيراً. الطائر عاد إلى القفص. سأعلمها أن تغني لي وحدي، وأن تنسى طعم الحرية إلى الأبد. ليزا، أنتِ لست ضحية، أنتِ ملكة مملكة الألم التي بنيتها لكِ بحب.»
وكانت رائحة الدم والعرق والخوف تملأ السيارة، رائحة استنشقها أدريان بعمق كأنها أكسجين حياته الوحيد.
التعليقات لهذا الفصل " 2"
الا لا يوفق امه على هاي النصيحه