الفصل الخامس عشر
«جزيرة الصمت» في تلك المساء تبدو كقطعة من الجحيم مغلفة بورق هدايا فاخر. الشمس تغرب خلف الأفق، تلون السماء بلون الدم والبرتقالي المحترق، والأمواج تضرب الصخور السوداء بعنف متزايد، كأنها تحاول تحطيم جدران القصر الزجاجي الذي حبس فيه أدريان ليزا.
جلست ليزا في وسط غرفتها، محاطة بقطع القماش الأحمر التي قصتها في الأيام الماضية. بدت كأنها في وسط بحر من الدماء الجافة. لم تعد تبكي، ولم تعد تصرخ. كانت عيناها الخضراوان غائرتين، تنظران إلى الفراغ ببرود مخيف. كانت تدرك أن كل حركة تقوم بها، كل رمشة عين، كل تنهيدة، تُسجّل وتُحلّل في غرفة التحكم المجاورة.
«أنا أراكِ يا ليزا»، جاء صوت أدريان عبر مكبرات الصوت، ناعماً ومرعباً. «أرى كيف تلمسين القماش، أرى كيف ترتجف أصابعكِ. هل تعرفين ماذا يعني هذا؟ يعني أنكِ بدأتِ تتقبلين حقيقتكِ. أنتِ لستِ ليزا كيندال الممرضة البسيطة. أنتِ ليزا فالكون، ملكة الظلال».
لم ترد ليزا. وقفت ببطء، واتجهت نحو المرآة الكبيرة التي تغطي أحد الجدران. نظرت إلى انعكاس صورتها: شعرها القصير الذي قصه أدريان بدأ يطول قليلاً، لكنه كان مشعثاً. وجهها شاحب، وعيناها تحملان حزناً قديماً يتجاوز عمرها بسنوات.
أمسكت بالمقص الذهبي الذي تركه لها أدريان، ورفعته أمام وجهها. نظرت إلى بريق المعدن تحت ضوء الغروب. «هل تراني الآن يا أدريان؟» همست، وهي تعلم أن الميكروفونات الحساسة ستلتقط صوتها. «هل ترى الوحش الذي صنعته؟»
في غرفة التحكم، كان أدريان جالساً مشدوهاً أمام الشاشات. قلبه يدق بعنف. «نعم يا فتاتي، أنا أراكِ. وأنتِ أجمل مما كنتِ عليه في أي وقت مضى».
فجأة، قامت ليزا بفعل لم يتوقعه أدريان. ضربت المرآة بكل قوتها باستخدام يد المقص. تحطمت المرآة إلى آلاف القطع الصغيرة التي تناثرت في كل مكان. لم تتوقف؛ بدأت في جمع قطع الزجاج المكسور، وبدأت في رسم خطوط على الأرض، خطوط تشبه المتاهة.
«ماذا تفعلين؟» سأل أدريان بقلق، ووقف من مقعده.
نظرت ليزا مباشرة إلى إحدى الكاميرات المخفية في الزاوية، وابتسمت ابتسامة شقت وجهها الشاحب. «أنا أرسم لكَ خريطة خروجي من هنا يا أدريان. ليس خروج جسدي، بل خروج روحي. أنتَ تملك الجسد، لكنك لن تملك الروح أبداً».
ركض أدريان نحو غرفتها، وفتح الباب الإلكتروني بسرعة. دخل الغرفة، ووجد ليزا تجلس وسط الزجاج المكسور، ويدها تنزف دماً غزيراً لأنها كانت تمسك بقطعة زجاج حادة.
«ليزا! توقفي!» صرخ أدريان وهو يحاول الإمساك بيدها.
«لا تلمسني!» صرخت ليزا، ووجهت قطعة الزجاج نحو عنقها. «خطوة واحدة أخرى، وسأنهي كل شيء. سأنهي هوسك، وسأنهي عائلة فالكون».
توقف أدريان في مكانه، ويداه مرتجفتان. «أرجوكِ يا ليزا… ضعي الزجاج. أنا أحبكِ، لا أريد أن أؤذيكِ».
«أنتَ لا تعرف معنى الحب يا أدريان»، ردت ليزا وهي تبكي بصمت. «الحب ليس قفصاً، وليس مراقبة، وليس قصاً للأجنحة. الحب هو الحرية التي سلبتها مني».
«لقد فعلتُ ذلك لأحميكِ من والدي! ريج كان سيقتلكِ!»
«ريج كان سيقتل جسدي، لكنكَ أنتَ تقتل روحي في كل ثانية. أيهما أسوأ؟»
في تلك اللحظة، رن جرس إنذار في الجزيرة. صوت صفارات الإنذار تردد في أرجاء القصر، والأضواء الحمراء بدأت تومض.
«سيدي! إنهم هنا!» صرخ جاكس عبر جهاز اللاسلكي. «طائرات مروحية مجهولة تقترب من الجزيرة. إنهم يطلقون النار على منصة الهبوط!»
نظر أدريان إلى ليزا، ثم إلى النافذة. «والدي… لقد وجدنا».
«أو ربما رايان وصوفيا»، قالت ليزا ببريق من الأمل في عينيها.
«لا يهم من هم»، رد أدريان وهو يسحب ليزا بقوة من وسط الزجاج. «يجب أن نخرج من هنا الآن. الجزيرة ملغمة، وسأفجرها قبل أن يأخذكِ أي شخص مني».
سحبها نحو الممر السري الذي يؤدي إلى الغواصة الصغيرة المخبأة تحت الصخور. كانت ليزا تقاوم، لكن أدريان كان أقوى منها بكثير. كان يحملها كأنها دمية، وعيناه تلمعان بجنون لا يوصف.
بينما كانا يركضان في الممرات المظلمة، كانت الانفجارات تهز الجزيرة. الرصاص يتطاير في كل مكان، وصوت صرخات الرجال يملأ الهواء. ليزا رأت من خلال إحدى النوافذ طائرة مروحية تحمل شعار عائلة فالكون.
«إنه ريج»، همست ليزا برعب.
«لن يحصل عليكِ أبداً»، رد أدريان وهو يغلق باب الغواصة خلفهما. «سنذهب إلى مكان أبعد، مكان لا تصله حتى الشمس».
شغل أدريان محرك الغواصة، وبدأت في الغوص تحت أعماق المحيط الأزرق. كانت ليزا تنظر من النافذة الصغيرة، ورأت الجزيرة وهي تنفجر في كرة ضخمة من النار. «جزيرة الصمت» اختفت في ثوانٍ، ومعها اختفت كل الكاميرات، وكل الذكريات المؤلمة لتلك الأيام.
لكن ليزا كانت تعلم أن هذا ليس النهاية. كانت تعلم أنها الآن في سجن أصغر، سجن معدني تحت الماء، مع الرجل الذي يمثل كابوسها وحلمها المزعج في آن واحد.
جلس أدريان بجانبها، وأمسك بيدها النازفة. أخرج حقيبة إسعافات أولية وبدأ في تضميد جرحها برقة متناهية. «لا تقلقي يا فتاتي. نحن الآن في أمان. المحيط سيحمينا».
نظرت ليزا إليه، وشعرت بشيء غريب في داخلها. لم يكن حباً، ولم يكن كرهاً خالصاً. كان نوعاً من الارتباط المظلم، ارتباط الضحية بجلادها الذي أصبح هو الوحيد الذي تملكه في هذا العالم الواسع.
«أدريان»، همست ليزا.
«نعم يا حبيبتي؟»
«لماذا أنا؟ لماذا اخترتني من بين كل النساء؟»
صمت أدريان للحظة، ثم نظر في عينيها بعمق. «لأنكِ الوحيدة التي استطاعت أن ترى الوحش في داخلي ولم تهرب في البداية. لأنكِ تملكين قلباً يمكنه أن يتحمل كل هذا الظلام دون أن ينطفئ. ولأنني… بدونكِ، لستُ سوى ظل يبحث عن جسد».
أغمضت ليزا عينيها، وشعرت ببرودة الغواصة تتسلل إلى عظامها. كانت رائحة الياسمين لا تزال تفوح من ملابس أدريان، ممتزجة برائحة الدم والبارود.
في لندن، كانت صوفيا ورايان يشاهدان صور الأقمار الصناعية للجزيرة وهي تنفجر. «لقد تأخرنا»، قالت صوفيا وهي تبكي. «لقد فجر الجزيرة وهي بداخلها».
«لا»، رد رايان وهو ينظر إلى شاشة الرادار. «هناك جسم صغير انفصل عن الجزيرة قبل الانفجار بدقائق. غواصة. أدريان هرب بها».
«إلى أين؟»
«إلى القوس الثاني يا صوفيا»، قال رايان بمرارة. «إلى مرحلة الاختطاف والكسر الحقيقي. أدريان لن يتوقف حتى يكسرها تماماً، أو تكسره هي».
كتب أدريان في مذكراته داخل الغواصة:
اليوم، انتهى الهمس عبر الزجاج. الجزيرة احترقت، والمرآة تحطمت. ليزا حاولت قتل نفسها، وهذا يعني أنها بدأت تفهم أن الموت هو المهرب الوحيد مني. لكنني لن أسمح لها بالموت. سأبقيها حية في ظلام أعماق المحيط، حتى تنسى ضوء الشمس، وتنسى اسم رايان، وتنسى كل شيء سوى اسمي. القوس الأول انتهى، والآن يبدأ القوس الثاني: الاختطاف والكسر. ليزا، أنتِ الآن في أعماقي، ولن تخرجي أبداً.
ليزا نامت في زاوية الغواصة، وهي تحلم بمقص كبير يقص مياه المحيط، ويحولها إلى قطع من الكريستال التي تتساقط فوقها لتغرقها في صمت أبدي.؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 15"