الفصل الرابع عشر
رائحة الملح والرطوبة الاستوائية أول ما استقبل ليزا عندما بدأت تستعيد وعيها. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل في رأسها كأن صخرة جاثمة فوقه. لم تكن في لندن، ولم تكن في القصر الرمادي. كانت في غرفة واسعة، جدرانها من زجاج شفاف يطل على محيط أزرق لا نهاية له. كانت الشمس ساطعة لدرجة أنها أوجعت عينيها، وصوت الأمواج التي تضرب الصخور في الأسفل يشبه دقات طبول جنائزية بعيدة.
«أهلاً بكِ في جنتنا يا ليزا»، جاء صوت أدريان من خلفها، هادئاً وناعماً كالحرير.
التفتت ليزا، فرأته جالساً في زاوية الغرفة، يرتدي قميصاً أبيض خفيفاً، ويمسك بكأس عصير مثلج. بدا مرتاحاً، كأنه في عطلة، لكن عينيه الرماديتين كانتا تلمعان ببريق الهوس المعتاد.
«أين نحن؟» سألت ليزا بصوت مبحوح.
«نحن في “جزيرة الصمت”. مكان لا يوجد على الخرائط، ولا يمكن لأي قمر صناعي الوصول إليه. هنا، لا ريج، ولا صوفيا، ولا رايان. يوجد فقط أنا وأنتِ، والمحيط».
حاولت ليزا الوقوف، لكنها شعرت بدوار شديد فسقطت على السرير. «أنت مجنون… لا يمكنك إبقائي هنا إلى الأبد».
اقترب أدريان، وجلس على طرف السرير. «الأبد وقت طويل جداً يا ليزا. لكنني أملك كل الوقت في العالم. هنا سأعلمكِ كيف تحبين الصمت، وكيف تحبينني. هنا سأكسر كل الخيوط التي تربطكِ بالعالم الخارجي، حتى لا يبقى سوى خيط واحد.. خيطي أنا».
خرج أدريان وأغلق الباب الزجاجي، الذي أصدر صوتاً إلكترونياً يدل على أنه أُغلق بإحكام. نظرت ليزا حولها، فرأت أن الغرفة مجهزة بكل وسائل الراحة: سرير وثير، خزانة ملابس مليئة بفساتين حريرية، وحمام فاخر. لكنها رأت أيضاً شيئاً آخر.. في كل زاوية من زوايا الغرفة كانت هناك عدسات صغيرة سوداء تلمع.
كانت الكاميرات.
في غرفة التحكم المجاورة، كان أدريان جالساً أمام عشرات الشاشات التي تعرض بثاً حياً لكل زاوية في جناح ليزا. كان يراقبها وهي تبكي، وهي تضرب الزجاج بقبضتيها، وهي تنهار على الأرض. كان يراقب حتى حركة صدرها وهي تتنفس، ونبضات عروق رقبتها.
«انظري إليّ يا ليزا»، همس أدريان وهو يلمس الشاشة. «أنا أراكِ حتى وأنتِ مغمضة العينين. أنا أعرف ما تفكرين فيه قبل أن تنطقي به. أنا إلهكِ في هذه الجزيرة».
كان أدريان يمارس نوعاً جديداً من التعذيب؛ التعذيب بالوجود المطلق. لم يكن يلمسها، لم يكن يصرخ في وجهها، بل كان يتركها تشعر بأنها مراقبة في كل ثانية. كان يرسل لها رسائل عبر مكبرات الصوت المخفية: همسات، مقطوعات موسيقية حزينة، أو حتى تسجيلات لصوتها وهي تضحك في الماضي.
في اليوم الثالث، دخل أدريان الغرفة وهو يحمل صندوقاً من الخشب المرصع بالصدف. «ليزا، أحضرت لكِ هدية».
فتح الصندوق، وأخرج منه مقصاً ذهبياً صغيراً، وقطعة من القماش الحريري الأحمر. «أريدكِ أن تقصي هذا القماش. أريدكِ أن تصنعي منه شيئاً جميلاً».
«لن أفعل شيئاً!» صرخت ليزا وهي ترمي القماش في وجهه.
لم يغضب أدريان. التقط القماش ببرود، ووضعه على الطاولة. «إذا لم تقصي القماش، سأضطر لقص شيء آخر. هل تذكرين ميا؟ لقد علمتُ أن رجال والدي وجدوا مكان اختبائها في لندن. إذا لم تطيعيني، سأعطي الإشارة لجاكس لينهي الأمر».
تجمدت ليزا. «أنت تكذب! قلت إنك أنقذتني منه!»
«أنقذتكِ أنتِ، لكنني لم أنقذ ميا. ميا هي ورقتي الرابحة يا ليزا. طاعتكِ هي ثمن حياتها. الآن، خذي المقص، وقصي».
أمسكت ليزا بالمقص الذهبي، وكانت يدها ترتجف. بدأت في قص القماش الأحمر، والدموع تنهمر على وجنتيها. كان صوت المقص «تشاك.. تشاك» يتردد في الغرفة الصامتة، كأنه صوت تمزق روحها.
«أحسنتِ يا فتاتي»، قال أدريان وهو يراقبها بانتشاء. «أرأيتِ؟ القص ليس دائماً فعلاً تدميرياً. إنه فعل خلق أيضاً. نحن نقص القديم لنصنع الجديد».
في تلك الأثناء، في لندن، كانت صوفيا ورايان في حالة من اليأس. «لقد اختفيا تماماً»، قالت صوفيا وهي تضرب لوحة المفاتيح بغضب. «الطائرة المروحية اختفت عن الرادارات فوق المحيط الأطلسي. لا يوجد أثر لهما».
رايان، الذي كان لا يزال يضع ضمادة على كتفه، كان ينظر إلى الخريطة. «أدريان يملك جزراً خاصة، لكنها مسجلة بأسماء شركات وهمية. صوفيا، يجب أن نجد تلك الشركات. يجب أن نتبع المال».
«لقد حاولت، لكن ريج فالكون قام بتجميد كل حسابات أدريان. ريج أيضاً يبحث عنهما. إنه يريد الوثائق التي تحدثت عنها إيلينا».
«الوثائق!» صرخ رايان. «إيلينا قالت إن الخزنة في سويسرا. صوفيا، إذا وصلنا إلى الخزنة قبل ريج، سنملك القوة لمساومته. سنخبره أننا سنسلمه الوثائق مقابل موقع ليزا».
«لكن ريج سيقتلنا بمجرد أن يحصل على ما يريد».
«ليس إذا قمنا بتسريب جزء من الوثائق للصحافة العالمية أولاً. سنجعل عائلة فالكون تحت المجهر الدولي، ولن يجرؤ ريج على لمسنا».
بالعودة إلى جزيرة الصمت، كانت ليزا قد بدأت تفقد صوابها. العزلة والمراقبة المستمرة بدأتا تآكل عقلها. كانت تتحدث مع الكاميرات، تصرخ فيها، تتوسل إليها. وأدريان كان يشاهد كل ذلك بمتعة سادية.
في إحدى الليالي، دخل أدريان غرفتها وهو يرتدي بدلة رسمية سوداء. «الليلة لدينا عشاء خاص على الشاطئ. ارتدي هذا الفستان».
أعطاها فستاناً من الدانتيل الأبيض، يشبه فساتين الزفاف. ارتدته ليزا بصمت، كأنها جثة متحركة. سار بها نحو الشاطئ، حيث كانت هناك طاولة مضاءة بالشموع، وموسيقى كلاسيكية تعزف في الخلفية.
«تبدين جميلة جداً يا ليزا»، قال أدريان وهو يصب لها النبيذ. «كأنكِ عروس البحر التي خرجت لتقابل ملكها».
«أنا لست عروسك»، ردت ليزا بصوت ميت. «أنا ذبيحتك».
ضحك أدريان، وأمسك يدها. «الذبيحة هي أسمى أنواع الحب يا ليزا. نحن نضحي بما نحب لنمتلكه للأبد. انظري إلى القمر، إنه وحيد في السماء، تماماً كما نحن وحيدون في هذا العالم. لا أحد يحتاج إلينا، ولا نحتاج لأحد».
«أنا أحتاج لأمي، لميا، لصوفيا…»
«لقد نسوكِ يا ليزا»، كذب أدريان ببرود. «ظنوا أنكِ متِ في حريق الشقة. أرسلتُ لهم أدلة مزيفة تثبت وفاتكِ. الآن، أنتِ ميتة بالنسبة للعالم، وحية بالنسبة لي فقط».
شعرت ليزا بقلبها يتوقف. «ميتة؟»
«نعم. والآن، لا يوجد ما يربطكِ بالماضي. أنتِ ليزا فالكون الجديدة. ابنتي، وأختي، وعشيقتي، وكل شيء بالنسبة لي».
أخرج أدريان من جيبه خاتماً من الألماس الأسود، ووضعه في إصبعها. «هذا هو عهدنا. من الآن فصاعداً، لن تخرجي من هذه الجزيرة إلا معي. سنعيش هنا، وسننجب أطفالاً يحملون دمنا الملوث والمقدس».
نظرت ليزا إلى الخاتم الأسود، وشعرت برغبة في الصراخ، لكن صوتها لم يخرج. كانت تشعر أنها تغرق في رمال متحركة، وأن أدريان هو الشخص الوحيد الذي يمد يده إليها، لكن يده كانت تحمل خنجراً.
في تلك الليلة، كتب أدريان في مذكراته بانتصار:
لقد كُسرت. ليزا لم تعد تقاوم. صدقت كذبة موتها، وهذا هو الكسر النهائي. المراقبة المستمرة جعلتها ترى العالم من خلال عينيّ فقط. ريج لا يزال يبحث، لكنه يبحث عن جثة، بينما أنا أملك الروح. غداً، سأبدأ في تعليمها كيف ترسم بالدم، كيف تكون فالكون حقيقية. القوس الثاني يسير كما خططت له. ليزا، أنتِ الآن قماشي الأبيض، وسأرسم عليكِ أجمل كوابيسي.
ليزا عادت إلى غرفتها، ونظرت إلى الكاميرا في الزاوية. لم تعد تصرخ، لم تعد تبكي. اقتربت من الكاميرا، وابتسمت ابتسامة باهتة ومرعبة. «أنا أراكَ أيضاً يا أدريان. أنا أعرف أنك تشاهد. وإذا كنت تريدني أن أكون وحشاً، فسأكون الوحش الذي سيلتهمك في النهاية».
وكانت رائحة الياسمين والمحيط والدم تملأ الجزيرة، رائحة النهاية التي بدأت تتشكل في الظلام. ليزا نامت وهي تمسك بالمقص الذهبي تحت وسادتها، وهي تدرك أن الصمت في هذه الجزيرة ليس صمت السلام، بل هو صمت ما قبل العاصفة التي ستحرق كل شيء.
في لندن، كانت صوفيا قد وجدت أول خيط. «رايان! لقد وجدت تحويلاً مالياً لشركة وقود طائرات في جزر البهاما. التحويل تم من حساب سري لأدريان قبل يومين. إنه هناك!»
«استعدي يا صوفيا»، قال رايان وهو يرتدي معطفه. «سنذهب إلى الكاريبي. وسننهي هذا الكابوس مرة واحدة وإلى الأبد».
لكن رايان لم يكن يعرف أن ريج فالكون كان يراقب مكالمتهما، وأن طائرة ريج كانت قد أقلعت بالفعل نحو نفس الوجهة، محملة بجيش من القتلة المأجورين. المعركة الكبرى كانت تقترب من جزيرة الصمت، والدم سيلون المحيط الأزرق باللون الأحمر القاني.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 14"