الفصل الأول
كانت رائحة المطر العالقة في أرصفة لندن الخشنة تمتزج برائحة القهوة المحترقة داخل ذلك المقهى الصغير. ليزا ماري كيندال جالسة منحنية قليلاً فوق كتبها الجامعية، وهي لا تدرك أن العالم الذي تظن أنه ملكها ليس سوى قفص زجاجي شفاف، وأن عيوناً تراقب كل رمشة في عينيها، وكل ارتجافة في يدها، وكل نفس يخرج من صدرها ليرسم ضباباً خفيفاً على زجاج النافذة.
خارج المقهى، داخل سيارة سوداء ذات زجاج معتم، كان أدريان فالكون جالساً في صمت مطبق. لم يكن يراقبها فحسب، بل كان يمتص وجودها كله. عيناه الرماديتان الشبيهتان بسماء توشك على العاصفة لم تفوتا خصلة واحدة من شعرها البني الموجي دون أن تحفظ شكلها. كان يمسك قلماً رصاصياً، يمرره على ورقة بيضاء بقوة، يرسم انحناءة عنقها بدقة جراح.
«ليزا…» همس الاسم في قرارة نفسه، وكان الصوت الثقيل يخرج من فمه. لسانه يثقل بالاسم كأنه يتذوق نبيذاً قديماً . «سبع عشرة مرة وجدتكِ فيها، وفي كل مرة تهربين مني. هذه المرة لن أدعكِ تطيرين.»
داخل المقهى، شعرت ليزا بقشعريرة باردة تجري فجأة في عمودها الفقري. رفعت رأسها عن كتاب علم النفس، ونظرت حولها. كان المقهى مزدحماً، أصوات الملاعق تصطدم بالفناجين، ضحكات مكتومة من الطاولة المجاورة، وصوت المذياع يبث أغنية قديمة لفرانك سيناترا. لكن شيئاً ما كان خطأ. بدا الهواء ثقيلاً، كأن يداً خفية تضغط على حلقها.
أغلقت الكتاب بعصبية، وارتجفت أصابعها النحيلة وهي تلم أوراقها. «هل أتخيل؟» قالت لنفسها دون صوت. مسحت وجهها، شعرت ببرودة جلدها تحت أطراف أصابعها. كانت عيناها الخضراوان تعكسان قلقاً عميقاً لم تستطع تفسيره منذ أسابيع. شعور بأنها ليست وحدها، حتى في غرفتها المغلقة.
خرجت من المقهى، الجو البارد يضرب وجها. سارت بخطوات سريعة نحو محطة المترو. خلفها، على مسافة محسوبة، فتح أدريان باب السيارة بهدوء. نزل، وجعله طوله الفارع ومعطفه الأسود الطويل كأنه خرج من رواية مافيا. لم يركض، بل مشى بخطوات واثقة، كمن يعرف أن فريسته ليس لها مكان تهرب إليه.
توقف عند الزاوية التي كانت تقف فيها قبل لحظات. انحنى، التقط ورقة صغيرة سقطت من حقيبتها. كانت ملاحظة دراسية بخط يدها. شمها، أغلق عينيه وهو يستنشق رائحة الورق الممزوجة بعطرها الخفيف… رائحة الفانيليا والخوف المكتوم.
«رائحتكِ هي صلاتي الوحيدة يا ليزا»، قالها وهو يطوي الورقة بعناية ويضعها في جيبه الداخلي، بجانب قلبه الذي لا ينبض إلا بالكراهية والرغبة المريضة.
عاد بذاكرته إلى الوراء، إلى اليوم الذي رأى فيه أباه ريج فالكون يفرغ رصاصة في رأس أمه ببرود تام. لم يزل صوت الطلقة يدوي في أذنيه، ورائحة الدم الدافئ على السجادة ، وأبوه يمسح المسدس بمنديل حريري ويقول له: «الحب هو الضعف الوحيد الذي لا نستطيع تحمله يا أدريان. إذا أحببت شيئاً، اكسره قبل أن يكسرك».
لم يكن أدريان قد كسر ليزا بعد، لكنه كان يستمتع بمرحلة النحت البطيء. يريد أن تشعر بوجوده دون أن تراه، أن يزرع نفسه في أحلامها ككابوس جميل لا ترغب في الاستيقاظ منه.
وصلت ليزا إلى شقتها الصغيرة، أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه. كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط بعنف. «أمي؟» نادت بصوت متهدج.
خرجت إيلينا من المطبخ، تمسح يديها في مئزرها. نظرت إلى ابنتها بقلق. «ليزا؟ ما بكِ؟ وجهك شاحب؟».
«لا شيء يا أمي… فقط تعب الدراسة. شعرت أن أحداً يتبعني، مجرد وهم».
تجمدت إيلينا في مكانها. تلك الكلمات أيقظت شيء قديما في ذاكرتها. تذكرت ريج فالكون، تذكرت العيون الباردة التي لا ترحم. «ليزا، اسمعيني جيداً. إذا شعرتِ بأي شيء غريب، أخبريني فوراً. لا تستهيني بحدسك».
حاولت ليزا أن تبتسم لتطمئن أمها، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها. «أنا بخير، سأذهب لأرتاح قليلاً».
دخلت غرفتها، ارتمت على السرير. لم تلاحظ الكاميرا الصغيرة المخبأة بدقة خلف إطار صورتها وهي طفلة. في مكان آخر، في قبو مظلم مليء بالشاشات، كان أدريان جالساً يراقبها وهي تخلع معطفها، يتابع حركة عضلات ظهرها، وأصابعه الطويلة تلمس الشاشة بلطف.
«ارتاحي يا فتاتي التي لن تفلتي أبداً»، همس وهو ينظر إلى صورتها. «الأيام القادمة لن تمنحكِ فرصة للنوم».
فتح مذكراته، وبدأ يكتب بدم استخرجه بحقنة صغيرة:
اليوم الأول من النهاية. ليزا ماري كيندال. رفضتِ قدري في المرة السابقة، لكن في هذا التجسد سأكون أنا قدرك الوحيد. سأكون الهواء الذي تتنفسينه، والألم الذي يصرخ في عروقك. سأجعلكِ تحبين قيودكِ حتى تتوسلي إليّ ألا أفكها.
كان صوته الداخلي يصرخ بتناقض مرعب؛ يريد حمايتها من العالم، ويريد أن يكون هو العالم الذي يدمرها. كان يرى في عينيها الخضراوين خلاص روحه الملعونة، وفي الوقت نفسه مرآة لكل خطاياه التي لا تغتفر.
في تلك الليلة حلمت ليزا بمقص كبير، نصله البارد يلامس جلد صدرها، وصوت يهمس في أذنها: «مقص على قلبي… حتى نصبح واحداً». استيقظت وهي تصرخ، لتجد غرفتها غارقة في الصمت، ورائحة غريبة تفوح… رائحة عطر رجالي فاخر لم تكن موجودة من قبل.
نظرت إلى النافذة، كانت مفتوحة قليلاً، والستائر تتمايل مع الريح. على المنضدة بجانب سريرها وجدت وردة سوداء، بتلاتها تقطر بشيء أحمر لزج… لم يكن ماءً.
ارتجفت ليزا، سقطت الوردة من يدها لتلطخ السجادة البيضاء. في تلك اللحظة أدركت أن الكابوس لم يبدأ في نومها، بل بدأ الآن وهي مستيقظة تماماً.
خارج المنزل كان أدريان يقف تحت المطر، ينظر إلى نافذتها المضيئة. لم يشعر بالبرد، إذ كانت حرارة الهوس تحرق أحشاءه. مسح قطرة مطر سقطت على شفته وتذوقها. «طعم الخوف لذيذ جداً يا ليزا… تماماً كما تذكرته».
بدأ يغني بصوت منخفض لحناً جنائزياً قديماً، بينما كانت ليزا داخل المنزل تحاول الاتصال بصديقتها صوفيا، ويدها ترتجف لدرجة أنها لم تستطع الضغط على الأرقام.
كانت هذه البداية فقط
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 1"