بينما كنتُ أحاول تنشيط أنفي برائحة حساء البطاطس لأتخلّص من رائحة العرق النّتنة التي كادت تخنقني بسبب عدم الاستحمام، تحرّك أخي الأصغر فجأة، بعد أن كان واقفًا كالصّخرة.
واصلتُ ملء الأطباق بحساء البطاطس، لكنّني ألقيتُ نظرات جانبيّة عليه.
كان يسير بخطوات واسعة نحو عربة وصلت للتّو، حيث كان رجل وفتاة يفرّغان خبز القمح.
تحدّث أخي الأصغر إلى الفتاة من خلف رأسها،
فاستدارت مندهشة، وضحك هو وهو يراها.
كان أخي الأصغر، الذي كان يتبع تعليمات عدم إظهار العواطف كوحي إلهيّ، إلّا مع العائلة أو المقرّبين، يضحك أمام فتاة غريبة لم أرَها من قبل.
ثمّ أخذ منها سلّة الخبز التي كانت تحملها.
كنتُ أنظر إلى هذا المشهد بدهشة، عندما ناداني كاهن كان يغرف الحساء بجانبي.
“الآنسة إلينور؟ الآنسة إلينور؟”
كانت سيّدة عجوز تنتظر الحساء بفارغ الصّبر.
ابتسمتُ معتذرةً، وواصلتُ تحريك يدي بالمغرفة دون توقّف، لكنّني ظللتُ ألقي نظرات على أخي الأصغر.
أخي الأصغر ليس من النوع الذي يساعد الخادمات في حمل سلال الغسيل الثّقيلة، خوفًا من سوء الفهم.
لكنّه الآن كان يصرّ على حمل السّلّة رغم رفض الفتاة.
بمعنى آخر، بدا وكأنّ أخي الأصغر يغازل فتاة من عامّة الشّعب.
أردتُ رؤية وجه الفتاة، لكنّ المسافة كانت بعيدة، والنّاس كثيرون، فلم أرَ بوضوح.
لم تعد رائحة العرق أو حساء البطاطس تهمّني.
رفعتُ نفسي على أطراف أصابعي، محاولةً رؤية وجه الفتاة بين رؤوس النّاس.
لكن بدلاً من وجهها، رأيتُ رجلاً قذرًا، بشعر دهنيّ، يرفع تنّورتها.
فوجئتُ، ونظرتُ حولي بحثًا عن أخي الأصغر.
كان يتحدّث مع إيد، الذي لا أعلم متى وصل.
الرّجل الذي جاء مع الفتاة كان مشغولاً بترتيب السّلال، غير مدرك للوضع.
يجب أن أساعد. يجب أن أساعد.
وضعتُ المغرفة وجريتُ.
دفعت الفتاة الرّجل بقوّة، لكنّه لم يتحرّك، بل أمسك بمعصمها.
صرختُ بفزع دون تفكير:
“أخي! أخي الأصغر!”
كانت السّاحة صاخبة، ولم تصل صرخاتي إلى أذني أخي الأصغر.
لاحقًا، أدركتُ أنّني كان بإمكاني طلب المساعدة من الكهنة القريبين، لكنّني لم أبحث إلّا عن أخي الأصغر.
“كلايف! كلايف نورتون!”
أخيرًا، سمعني أخي الأصغر، وأشرتُ بإصبعي إلى الفتاة التي كان الرّجل لا يزال يمسك بمعصمها.
التعليقات لهذا الفصل " 16"