الفصل 9
“…… زوجةُ أخي على حقٍّ. لا يمكننا أنْ نقفَ مكتوفي الأيدي دونَ حتى محاولةِ الردِّ.”
بمجردِ أنْ أعطى إيان موافقتَهُ في النهايةِ، بدأ الناسُ ينهضونَ من أماكنِهِم للبحثِ عما يمكنُ استخدامُهُ كسلاحٍ. كان الجميعُ مشغولاً بالنقاشِ حولَ ما قد يحتاجونَهُ.
“ماذا سيكونُ الأفضل؟”
“ما رأيُكُم بالهراواتِ……؟”
الهراوة : وهي عصا ضخمة ذات رأس مدبّب تستخدم كسلاح، وتعد الهراوة واحدة من بين أبسط أنواع الأسلحة والعصا الغليظة في الأساس عبارة عن عصا قصيرة أو عود مصنوع من الخشب وتستخدم كسلاح منذ عصور ما قبل التاريخ.
“الاشتباكُ القريبُ قد يكونُ خطيراً. لا أدري إنْ كان في القصرِ بنادقُ.”
“إنهُ الشَّبَحُ.”
توقفتْ حركاتُ الجميعِ فجأةً عندَ سماعِ صوتِ السيدةِ العجوزِ. اتسعتْ عينا إيان وهو ينظرُ إلى والدتِهِ. السيدةُ العجوزُ، التي نطقَ لسانُها بكلمةٍ لا يُحبذُ ذكرُها في هاميلتون، عاودتِ القولَ:
“…… لقد عادَ الشبحُ.”
***
حينَ يُذكرُ “الشبحُ” في هاميلتون، لا يمكنُ تجاهلُ الأساطيرِ المتوارثةِ هناكَ. ففي هاميلتون الواقعةِ عندَ الحافةِ الشرقيةِ البعيدةِ عن تشيلمسفورد، كانت حكايا “الأشباحِ” تُتداولُ بينَ الألسنِ؛ تارةً يُقصدُ بها شخصٌ، وتارةً جسدٌ ما، أو مكانٌ، وحتى مَرضٌ أحياناً.
احذرِ الشبحَ.
في الواقعِ، وبدقةٍ أكبرَ، كان هذا التعبيرُ مرادفاً لـ “الذكرى”. تلكَ الذكرياتُ التي يدفنُها البشرُ في زاويةٍ من عقولِهِم. سواءٌ كانت بشعةً أو مرعبةً، فإنَّ مجردَ استحضارِها يجعلُ الجسدَ يتصلبُ وكأنَّ المرءَ رأى طيفاً؛ هذا هو شبحُ هاميلتون.
اعتبرَ بعضُ الباحثينَ أنَّ هذا مجردُ وهمٍ وخوفٍ من صُنعِ العقلِ الباطنِ، لكنَّ إيان كان يرى الأمرَ بشكلٍ مختلِفٍ. إنها “صدمةٌ جماعيةٌ” يتشاركُها الجميعُ.
احذرِ الشبحَ.
كان هذا يشبهُ مَنحَ الصدماتِ النفسيةِ وسمًا مجازيًا باسمِ “الشبحِ” لِتجسيدِها وعزلِها في أعماقِ الذاكرةِ؛ لضمانِ عدمِ استرجاعِها، ومنعِها من اقتحامِ الحياةِ اليوميةِ.
كان هذا المصطلحُ سيئَ الحظِّ بالنسبةِ لعشاقِ الرواياتِ القوطيةِ؛ فهو لم يكن موضوعاً ميتافيزيقياً مِثلَ أسرارِ أودولفو الكئيبةِ أو حكايا المربياتِ اللواتي يَرينَ الأطيافَ.
لكنَّ هناكَ قاسماً مشتركاً واحداً: أولئك الذين لم يستطيعوا نسيانَ الشبحِ واستمروا في استحضارِهِ بأنفسِهِم، أي الغارقينَ في الذكرياتِ السيئةِ، كانت نهايتُهُم دائماً مأساويةً.
شبحُ قصرِ هاميلتون هو……
غارتْ نظراتُ إيان في الأفقِ. رُغمَ أنَّ ذكرياتِ طفولتِهِ كانت باهتةً الآنَ، إلا أنَّ هناكَ شيئاً واحداً يتذكَّرُهُ بوضوحٍ.
ذلكَ القريبُ المحبوسُ في الكوخِ.
تلكَ النوبةُ العصبيةُ التي انتابتْهُ.
ذلكَ العارُ الذي كانت العائلةُ تُخفيهِ وتتحاشى ذِكرَهُ. إنهُ الشيءُ الذي يُقالُ إنه يتوارثُهُ رجالُ عائلةِ هاميلتون فقط.
‘لكنْ، ألم تكن تلكَ قصةً وانتهتْ؟’
فقد كانت أعراضاً تظهرُ على الابنِ الأكبرِ فقط.
كان والدُ إيان هو الابنَ الثاني، وإدموند -الابن الأكبر لوالده- قد نشأ بشخصيةٍ ودودةٍ وهادئةٍ. ومعَ تخلي الابنِ الأكبرِ من جيلِ والدهِ عن الميراثِ والزواجِ، بدأتْ جنازةُ تاريخِ الأشباحِ التي خيَّمتْ على البيتِ تتلاشى تدريجياً.
لم يجدْ إيان تفسيراً لِسببِ استرجاعِ والدتِهِ لهذا الموضوعِ المنسيِّ الآنَ.
“ولكن يا أمي، ألم يختفِ شبحُ عائلتِنا منذُ زمنٍ طويلٍ؟”
بيدَ أنَّ عنادَ السيدةِ العجوزِ التي نالَ منها الهَرَمُ كان صلباً. حاولَ الطبيبُ فينلي موبينغستون فحصَ حالتها، لكنَّهُ ما لبثَ أنْ هزَّ رأسَهُ بيأسٍ.
أوضحَ الطبيبُ أنَّ مرضَها المزمنَ، مضافاً إليهِ الصدماتُ المتتاليةُ، قد أفقدَها القدرةَ على التمييزِ بينَ الواقعِ والخيالِ. كانت السيدةُ العجوزُ تهذي بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ بعينينِ غائمتينِ وكأنها تَرى الماضي، حتى وهي جالسةٌ في الغرفةِ.
استمرَّ هذيانُها حتى اللحظةِ التي اقتربتْ فيها فيرونيكا الصغيرةُ وانفجرتْ بالبكاءِ قائلةً: “جدتي تُخيفُني”.
في النهايةِ، لم يجدْ إيان هاميلتون مَفراً من الطلبِ إلى الخادماتِ مرافقةَ والدتِهِ التي تعاني من الهذيانِ إلى غرفتها. توقَّفَ قبلَ أنْ يضعَ يدَهُ على صُدغِهِ الذي بدأ ينبضُ بالألمِ.
فبينما وصلتْ والدتُهُ إلى هذهِ الحالةِ، إذا بدأ هو أيضاً بالاهتزازِ، فلن يؤديَ ذلكَ إلا لِزيادةِ ذعرِ المحيطينَ بهِ. يجبُ عليهِ أنْ يظلَّ صامداً. حتى يتوقفَ المطرُ مرةً أخرى. وعندها، عليهِ استغلالُ الفرصةِ لإخلاءِ الجميعِ.
جوليا، و… فيرونيكا أيضاً.
ارتجاف.
تحرَّكتْ أصابعُ فيرونيكا التي كان إيان يُمسكُ بها. لا شكَّ أنها تستعيدُ وعيَها. تهلَّلَ وجهُ إيان في الحالِ، ونسيَ صُداعَهُ وهو يجلسُ بحذرٍ على طرفِ السريرِ الذي ترقدُ عليهِ فيرونيكا.
“فيرا. هل استعدتِ وعيَكِ؟”
اختفتِ الحدقتانِ الأرجوانيتانِ خلفَ الأجفانِ لعدةِ مراتٍ قبلَ أنْ تظهرا مجدداً. ومعَ كلِّ مرةٍ، كانت نظراتُها تزدادُ وضوحاً. بدتْ فيرونيكا وكأنها تحاولُ تذكُّرَ سَببِ استلقائها، ولماذا ينظرُ إليها الجميعُ بوجوهٍ يملؤُها القلقُ. وأخيراً، فَتَحتْ فمَها ببطءٍ:
“…… ماذا حدثَ للسيدِ جوزيف؟”
هزَّ إيان رأسَهُ ببطءٍ؛ إشارةً إلى أنه قد فارقَ الحياةَ.
كانت صديقتُهُ القديمةُ دائماً سريعةَ البديهةِ، ولذا فَهِمَتْ مقصدَ إيان على الفورِ.
تمتمتْ فيرونيكا بصوتٍ متحشرجٍ ومكتومٍ، رُبما لطولِ نومِها أو لجفافِ الهواءِ بسببِ المِدفأةِ:
“فهمتُ……”
“لقد قرَّرَ الجميعُ…… وضْعَ أسلحةٍ في غُرفِهِم. سأجلبُ لكِ شيئاً يُناسبُكِ أيضاً.”
“…… افعلْ ذلكَ.”
بدأ فينلي موبينغستون بفحصِ حالةِ فيرونيكا. وأكَّدَ أنه لا توجدُ مشكلةٌ صحيةٌ كبيرةٌ عدا الصدمةِ النفسيةِ. وقالَ إنه من حُسنِ الحظِّ أنَّ هوغو كان بجانبِها حينَ سقطتْ فأسندَها في الوقتِ المناسبِ، مما مَنعَ ارتطامَ رأسِها بالأرضِ بقوةٍ.
تنفَّسَ إيان الصُّعداءَ بصوتٍ خافتٍ عندَ سماعِ هذا التشخيصِ. رُغمَ أنَّ فيرونيكا لم يمضِ على إفاقتِها سوى وقتٍ قصيرٍ، إلا أنها ظلَّتْ مستلقيةً بهدوءٍ، غارقةً في التفكيرِ.
‘مَنْ الذي فَعَلَ هذا بجوزيف؟’
جوزيف الذي تتذكَّرُهُ فيرونيكا هو ذاتُهُ الذي يتذكَّرُهُ إيان بلا شكٍّ. حتى فيرونيكا التي أقامتْ هنا لفترةٍ قصيرةٍ في طفولتِها كانت متيقنةً من أنَّ رجلاً طيباً مثلَ جوزيف لا يمكنُ أنْ يُثيرَ ضغينةَ أحدٍ لدرجةِ القتلِ.
هل هي جريمةٌ بلا دافعٍ إذاً؟
هل هو واحدٌ من أولئك الذين نبذوا الإنسانيةَ ويقتلونَ الآخرينَ من أجلِ لذتِهِم الخاصةِ، مِثلَ ذلكَ السفاحِ الذي هزَّ وايت تشابل ذاتَ يومٍ، أو أولئك المجرمينَ الخبثاءَ في القضايا التي حلَّها صديقُ فينلي موبينغستون؟
ملاحظة : جاك السفّاح هو الاسم الذي أطلقته الصحافة على قاتل متسلسل مجهول الهوية أرهب حي وايت تشابل في شرق لندن في أواخر القرن التاسع عشر (عام 1888) بسبب سلسلة من الجرائم الوحشية التي هزّت المجتمع والشرطة البريطانية.
إذا كان مثلُ هذا الشخصِ قد تسللَ إلى القصرِ، وكان هذا البيتُ مجردَ ضحيةٍ لسوءِ الحظِّ، فإنَّ فيرونيكا لم تكن لتستطيعَ قَبولَ ذلكَ أبداً.
انقسمَ الناسُ إلى مجموعاتٍ وانطلقوا للبحثِ عن أسلحةٍ. فبما أنَّ فيرونيكا قد استعادتْ وعيَها، شعروا بالأمانِ لتركِها في عهدةِ إيان.
جوليا أيضاً، وهي تَميلُ على فيرونيكا الصغيرةِ، قالتْ إنها ستعودُ إلى غرفتها. كان لديها شخصٌ آخَرُ لِحمايتِهِ. فبعدَ موتِ إدموند، لم يَبقَ لِحمايةِ فيرونيكا الصغيرةِ سوى جوليا.
وكالعادةِ، لم يَبقَ إلا إيان وفيرونيكا.
هناك وجهٌ لِإيان لا يظهرُ إلا عندما يبقيانِ بمفرِدِهِما.
لَمَسَ أنفاسَهُ المرتجفةَ أطرافَ أصابعِ فيرونيكا. كان إيان هاميلتون يُمسكُ بيدِ فيرونيكا بكلتا يديهِ كأنهُ يُمسكُ شيئاً ثميناً، ويسندُ خَدَّهُ عليها. بدا مظهرُهُ خاشعاً وكأنَّهُ يؤدي صلاةً.
أغمضَ إيان عينيهِ بشدةٍ وهَمَسَ؛ وكان صوتُهُ يحملُ صراعاً خفياً بينَ الرُّعبِ والتعقُّلِ:
“…… ظننتُ أنني سأفقدُكِ للأبدِ يا فيرا.”
“هذا مستحيل.”
بصوتِها المكتومِ، قَلَّلَتْ فيرونيكا من شأنِ قلقِ صديقِها المبالغِ فيهِ. رُغمَ أنها رأتْ فيهِ بعضَ التغيُّرِ معَ تقدُّمِهِ في العمرِ، إلا أنَّ هذا الحوارَ أكَّدَ لها أنَّ طباعَ البشرِ لا تتغيرُ بسهولةٍ. فمنذُ الصغرِ، كان إيان هاميلتون يَهوِّلُ من شأنِ أيِّ عارضٍ بسيطٍ يصيبُ فيرونيكا، ويتصرفُ وكأنها مريضةٌ في حالةٍ حرجةٍ.
“لقد فزعتُ حقاً. ولكن… لا أدري كيفَ أشرحُ الأمرَ. إنهُ موقفٌ خياليٌّ وسخيفٌ جداً لدرجةِ أنني… ربما لأنني لم أتخيلْ قطُّ أنْ يحدثَ لي شيءٌ كهذا، أشعرُ وكأنني أعيشُ داخلَ حُلمٍ.”
توفِّيَ زوجُها فجأةً في حادثٍ، وما إنْ انتهتْ من الجنازةِ وعادتْ، حتى بدأ الناسُ يتساقطونَ موتى في القصرِ. أضافتْ فيرونيكا متمزحةً بأنها تشعرُ وكأنها “ملاكُ الموتِ” الذي جَلَبَ المنيةَ معَهُ. فظهرَ الألمُ على وجهِ إيان عندَ سماعِ ذلكَ.
“أنا آسفٌ، لو لم أطلبْ منكِ المجيءَ إلى هنا فقط……”
لوحتْ فيرونيكا بِيَدِها:
“وكيفَ لأحدٍ أنْ يتوقعَ أمراً كهذا؟ كيفَ نتوقعُ أنْ نقعَ تحتَ أنظارِ قاتلٍ مجنونٍ؟ الأمرُ يشبهُ الإعصارَ أو الحريقَ المفاجئَ الذي لا يمكنُ مَنْعُهُ.”
لو كان بإمكانِهم مَنْعُهُ لَفعلوا. لكنهم لم يكونوا آلهةً، ولم يعلموا كلَّ شيءٍ. لم يكونوا كُليي القدرةِ ولا يستطيعونَ شَقَّ البحرِ. لقد كانوا، ببساطةٍ، بشراً عاديينَ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"