هكذا كَانَ ظنُّ فيرونيكا. وبَينما كَانَت الدماءُ تَتسرَّبُ من جَسدِها، بَدأت البرودةُ تَغزو كُلَّ أطرافِها. كَان الصَّقيعُ ينهشُها، وأخذت تَرْتجفُ كأنما سقطت في نَهْرٍ جَليديٍّ في ذُروة الشتاء. بَدأ الحِسُّ يَتلاشى تَدريجياً من أطرافِها، وغرقت في حَالَةٍ من الذهول وكأنها تَحلمُ. وبِفعل النزيف الغزير، كَان مَا خلف رأسِها يَبتَلُّ سَرِيعاً بالدماء القانية.
أصبَحَت أطرافُ أصابعِها بَاردةً ومُتصلِّبةً ومُخدَّرةً، بَينما تَجمَّد عُنُقُها بألمٍ عَضليٍّ شَدِيد. وحَاول قَلبُها بِكُلِّ قُوَّتِهِ أن يَنْبض لِيُعوِّض مَا فقده من دِماء، لَكِنَّ كُلَّ نبضة كَانَت تَعني دَفقاً إضافياً من الجرح يَنْضَح على السَّجَّاد.
تَحسَّست فيرونيكا جَسدَها بارتباك، لَكِنها لم تَعرف مَوضِع الطعنةِ دِقَّةً حتى تضغطَ عليه. كُلُّ مَا شَعرت بِهِ هُوَ ألمٌ وَاخِزٌ عِنْدَ لوح الكَتِف؛ مِمَّا يَعني أن الطعنة في ظَهْرِها. هَل أصابت الرِّئة؟ مَهْمَا كَان الأمرُ، فالموقع كَان بَعيداً عَنْ مَنال يَدِها، لِذا بَقِيَت شَاخصة البَصَر وهي تَشعر بالحياة تَنْسَلُّ منها ثَانِيَةً بِثَانِيَة.
تَخَبَّطت فيرونيكا فوق سَجَّاد الرواق كَسَمكةٍ أُخْرِجَت لِتوِّها من المَاء. اسْتَعصَى عليها التنفُّس، وبَدأ طَعْم الدَّم المَعْدني يَمْلأ حَلْقَها. ورُغْم ذَلِكَ، بَذلت كُلَّ جُهْدِها لِتَنْظُر إلى المُعتدِي.
‘مَن الذي فَعَلَ هَذا؟’
أدركت منذ زمن أن لَا سَبِيل للنجاة. سَتَموتُ هُنَا؛ بيدِ دَخيل غَرِيب، بيدِ القَاتِل الذي أزهق رُوح إدموند وجوزيف. كَان آخِرُ مَا يُمكِنُها فِعله هُوَ أن تَطبع صُورة وجهه في ذاكرتِها لِثوانٍ، وتدعوَ الرَّبَّ أن يَقذف بِهِ في غَيَاهِب الجَحيم الأبدي.
لَكِنَّ المُعتدي بَدَا وكأنه يَسخر منها، إذْ ظَلَّ وَجْهُهُ مَحجوباً.
فأضواء القصر كَانَت مُطْفأةً، والشمعيدان الذي كَانَت تَحملُهُ انقلب وانطفأ. لم يَكُن أمام بَصَرِها سِوَى ضَوء القَمَر الباهت الذي تَحجبُهُ السحب. وفِي وَسَط ذَلِكَ الظلام، كَان القاتل يَنْظُر إليها بصمت مُطْبِق.
أَيُّها القَاتِل!
نظراتُه كَانَت خاليةً من أيِّ بَشَرية. كَان ينظرُ إليها بِبُرود وكأنها قِطعة لحمٍ لَا أَكثَر. لم يبدُ عليه أيُّ اضطراب، وكأنه لم يقتل بَشَراً لِتوِّه. مَا كَان يُرعِبها هُوَ تِلك النظرة القاسية التي تَخلو من الندم أو حتَّى من لَذَّة القَتْل؛ لم تَقْرأ في عَينيه سِوى شَيْء وَاحد: المَلَل.
هَذا الرَّجُلُ الآن…. ينظرُ فَقَط لِيَرى مَتى سألفظ أَنْفاسي الأَخيرة….
شَعرت فيرونيكا بوعيِها يَتلاشى، فَمَدَّت يَدَها نَحْوَه بِيَأْس.
“…… لا……”
فِي هَذا الاتجَاه، بعد خُطوات قَليلة، تَقع غُرفة فيرونيكا الصغيرة وجوليا. لَم تَكُن تَسْمَح لِهذا القاتل المجهول أن يُؤذِي عائلتَها. أصْمكت يَدُها بِكاحل القاتل. وبَدأت السحب تنقشعُ تَدريجياً لِيَنسكب ضَوء القَمَر، لكن بَصَرَها انْطَفأ فَجْأة، كأنَّ تياراً كهربائياً قد انقطع.
لو أن أَنْفاسي تَصمد لِثوانٍ فَقَط، لكنتُ رَأيتُ وَجْهَه!
زَفَرت فيرونيكا أَنْفاسَها الأَخيرة بِحسرة:
“جوليا.. لَا تقترب مِنْ جوليا……”
***
“……!!!”
اسْتَيْقظت فيرونيكا وهي تشهقُ بِقُوَّة. تَحسَّست صَدْرَها وخاصرتَها بِذُعْر. كُلُّ شَيْء نَظيف. لَا دِمَاء، وَلَا ضِمادات. وكأنَّ كُلَّ مَا حَدث لم يَكن سِوى كَابُوس مُرْعِب! كَيف يُعقَل هَذا؟ هَل كَانَت صَدْمة رُؤية مَشاهد القتل المتتالية هي التي تَجسَّدت في أحلامِها؟ لَكِنَّ الألمَ كَان حَقِيقياً جِداً! ارتجف جَسدُها وهي تَتفحَّص نَفْسَها بِرُعب.
شَعرت بِغَثيان يَكاد يَعصف بِها.
كَان الضوء قد مَلأ المكان منذ فترة. لَا تَدري كَم السَّاعة الآن، لَكِنَّ غِياب زقزقة العصافير كَان يُوحي بأن الصباح الباكر قد مَضى. تَوقَّف المطر وانْسَلَّت خُيوط شَمْس بَاهتة.
شَعرت فيرونيكا بقشعريرة تَسري في جَسدِها؛ ولم تَعرف أَهِيَ بِسَبب انطفاء المِدفأة أم بِسَبب ذَلِكَ الكابوس الذي زلزل كَيانَها. ظَلَّت مُتسمِّرةً في السَّرير لَا تَقوى حتَّى على الصراخ، حتَّى سَمِعت طَرْقاً خَفِيفاً على البَاب.
فُتِح الباب وأَطَلَّت مِنه طِفلة شقراء. خَدَّان ورديان، وبَسْمة مُشْرقة؛ إنها فيرونيكا الصغيرة.
“خالتي، هَل اسْتَيْقظتِ؟”
كَانَت الصغيرة بِخَير. وهَذا ما أَثبت لِفيرونيكا أن كُلَّ مَا عَاشَتْهُ ليلة أمس…. كَان مُجرَّد حُلم. مُجرَّد كَابُوس لعين.
مَسحت وجهها بِكَفِّها بِبُطء؛ كانت يَدُها مُبللة بالعَرَق البَارد. مَسحتها في طَرَف ثوبِ نومها لتُخفي أَثَر فزعتها. يَجب أن تَبقى الخالة المثالية أمام الصغيرة؛ لَا يَجوز أن تَرْتجف أو تَتصرَّف بِهستيرية. أَخَذت نَفساً عَميقاً وأَجابت بِصوت هَادئ مُصطَنَع:
“أَهلاً بِكِ، فيرونيكا الصغيرة.”
عِنْدَ هَذا النِّداء، تَمتمت الصغيرة بِصعوبة لِتُخرِج كَلمة:
“خالتي، هَل نِمْتِ جَيِّداً؟”
رأت وَجْه الطفلة البريء، فَمَدَّت ذِراعَيها، لِتَقفز الصغيرة فَوق السَّرير وتَرتمي في حِضن خالتِها. وقَبْل أن تَسأَل فيرونيكا عَنْ أُمِّها، بَادرت الصغيرة بالقول:
“خالتي، أُمي سَتتناول فُطورَها في غُرفتها؛ قَالَت إنَّ رَأْسَها يُؤلمُها.”
فِي تِلْكَ اللَّحظة، شَعرت فيرونيكا بِدِمائِها تَتجمد مَرَّة أُخْرَى.
لَقَد خَاضت هَذا الحِوار من قبل. مَعَ الصَّغيرة نَفْسِها. وبِقَلْب يَرْتجف شَكّاً، سَأَلَتْها بِحَذَر:
“هَكذا إذاً.. وأنتِ، مَاذا سَتفعلينَ؟”
“أُريد أن آكُل مَعَ خالتي وعَمي الصغير.”
كَانَت إجابة الطفلة مُطابقةً لِمَا في ذاكرة فيرونيكا، كَلمة بِكَلمة.
هَل فَقَدتُ عَقْلي؟ كَيف لِحوار دَار بالأمس أن يَتكرَّر اليَوْم؟ شَعرت فيرونيكا بِدُوار عَنِيف يَجتاح رَأْسَها.
بَيْنَمَا بَقِيَت فيرونيكا الصغيرة تَبْتسم بِبَراءة.
***
حَمَلت فيرونيكا الطفلة بين ذِراعَيها وعَبرت الرواق ركضاً. طَرَقت البَاب كَمَطْرود يَبحث عَنْ نَجاة، لِيَأْتِي صَوْت جَرِّ الخُطوات من الدَّاخِل.
إذا صَدَق مَا رَأَتْهُ -سَواء كَان حُلماً أم حَقيقةً- فَسَيظهر إيان هاميلتون بَعْدَ قَليل وهو يَرْتدي رِداءَهُ فَوق ثِياب النوم.
وَصَدَق حَدْسُها. فُتِح الباب وأطلَّ الرَّجُل بِشَعره البُنِّي المُبَعثر. كَان نُسخة طِبْق الأَصْل من مَظهرِه “بالأمس”. كَان هَذا أمراً يُمكِن تَقَبُّلُه، فَمِنَ الطَّبيعي أن يَلْبَس المَرء رداءه عند الاستيقاظ. لَكِنَّ المُشكلة كَانَت في السؤال الذي طَرحهُ إيان بَعْدَ ذَلِكَ:
“فيرا! يَا للهول.. وحتَّى فيرونيكا الصغيرة…. مَا الذي جَاء بِكُما إليَّ في هَذا الصباح الباكر؟”
كَادَت فيرونيكا تَصرخ مِلء فِيهَا، لَكِنَّها كَبَتت صَرختَها إكْراماً لِلصَّغيرة في حِضنِها. كَزَّت على أسنانِها وأحكمت قَبضتَها على ابنة أختِها، لِتُجيب الصغيرة بَدلاً عنها:
“أُريد الفُطور مَعَ عَمي الصَّغير!”
ضَحك إيان ضَحكة خَافِتة عِنْدَ سَماع نَبْرَة الطفلة؛ فَمَنْ يَقوى على كَسْر كَلمة هَذه الصغيرة؟ حتَّى أُمُّها جُوليا استسلمت لِعنادِها وهي في السابعة. مَدَّ إيان ذِراعَه لِيُحيط بِكتف فيرونيكا.
‘سَيَسألُني الآن إن كُنْتُ أشعر بِالبَرْد.’
قَالَت فيرونيكا في نَفْسِها.
‘وسَيقول إنَّ هوغو قد أعدَّ الحَساء.’
“أَلَا تَشعرين بِالبَرد؟ الفُطور جَاهز على الأَرجح…. فَقَدْ أخبرني هوغو ليلة أمس أَنَّهُ سَيُعِدُّ حَساءً سَاخِناً.”
جَاءت الكلمات كَمَا تَوقَّعت تَماماً. وبِكُلِّ كَلمة يَنْطق بها إيان، كَانَت فيرونيكا تَشعر أن الوَاقع قد أصِيب بِلَعنة مَا. أيُّ لعبةٍ شَيطانية هَذه؟ أن أُعِيد تَجرِبة الأمس بِكُلِّ تَفاصيلِها! يَا إلَهي…. هَل هَذا حُلم؟ أم أن شيئًا خَارِقاً يَحدث لي؟
لَوْ كُنَّا في القَرْن الخَامس عَشَر، لَأُحْرِقْتُ بِتُهمة السِّحْر.
“نَعَمْ….. حَساء هوغو هُوَ الأَفْضَل.”
أجابت بِبُطء. كَان الرُّعب من تَكرار مَا حَدث يَعتصر قَلْبَها. وطَوال الطَّريق إلى غُرفة الطَّعام، شَعرت بِغَثيان واضطراب في المَعِدَة. انْسَدَّت شهيَّتُها تَماماً رُغْم مَنظر الطَّعام الشَّهِي الذي أعدَّه هوغو.
الحوارات…. الحوارات…. نعم…. حتَّى أحاديث الناس كَانَت نُسخة من “الأمس”.
لَقَد عَاد الزَّمَن إلى الوَراء بِلَا شَكٍّ. كَانَت فيرونيكا امرأة وَاقِعِيَّة، لَا تُؤمن بالخرافات أو القِصص القُوطِيَّة المُرعبة أو أوهام الأطفال. كَانَت تَكره تِلْكَ الأُمور وتَرَاها تُرَّهات.. لَكِنْ، مَا العَمَل وهَذا مَا يَحْدث لَهَا الآن؟
أَعِيش الأمس مَرَّة أُخْرَى؟
‘إنهُ أَمْرٌ لَا يُصَدَّقُ.’
تَمتمت في نَفْسِها.
لَكِنْ لماذا؟ ولِأَيِّ سَبَبٍ؟
مَا الذي أَعَاد عقارب السَّاعة؟ مَا الذي رَدَّ إليَّ رُوحي بَعْدَ أن قُتِلْتُ، وأجْبَرَني على عَيْش “الأمس” مُجدداً؟
لَقَد تَعرضتُ لِلقَتل. بِيَدِ شَخص كَان يَختبئ في الرواق. ولَا أَعلم حتَّى أَهِيَ امرأة أم رَجُل، ولَا مَتى سَيَقوم بِطَعني مَرَّة أُخْرَى. بَاتَت أعصابُها مَشدودة لِأَقْصى دَرَجة.
‘رُبما تَكون الخُطوة القادمة هي السُّم.’
‘أَوْ رُبما سأسقط من الدَّرَج.. مَاذا لَوْ طَعنني أَحَدُهم في قَلبي وأنا نائمة؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"