“خالتي. هل أنتِ نائمةٌ؟”
حينَ سَمِعَتْ ذلكَ الصَّوتَ، نَبذتْ فيرونيكا كلَّ هواجِسِها جانباً، ولم تَجدْ بُدّاً من فَتْحِ قُفلِ البابِ. مَنْ كان يَتخيلُ أنَّ صَوتَ ابنةِ أُختِها الصغيرةِ سيأتي من خَلْفِ البابِ في هَزيعِ الليلِ؟ وفوقَ ذلكَ، في هذا القصرِ الذي لا يُعرَفُ مَنْ يَتجولُ فيهِ، ولا متى أو كَيفَ؟
فَتَحتِ البابَ، لِتجدَ أمامَها طفلةً صغيرةً تَحتضنُ لِحافاً طويلاً يَجرُّ خَلْفَها على الأرضِ. وبسببِ قِصَرِ قامَتِها، كان من الطبيعيِّ ألا تَظهرَ عَبْرَ فُتحةِ المِفتاحِ. تَنفَّستْ فيرونيكا الصُّعداءَ، لكنها شَعرتْ في الوقتِ ذاتِهِ بقشعريرةٍ تَسري في عَمودِها الفقريِّ.
يا للهول! لَم تَكُنْ تَعلمُ أنَّ عَدَمَ شَرْحِ الأمورِ للطِّفلةِ بِوضوحٍ سيؤدي إلى مِثلِ هذهِ المجازفةِ!
لو أنها أَخبرتِ الصغيرةَ في الصباحِ أنَّ إدموند هاميلتون قد قُتِلَ غَدراً، وأنَّ القاتلَ يَتجولُ في الأرجاءِ، وأنهُ لا يَجوزُ لها الخروجُ بمفردِها أبداً، لَما غامرتْ فيرونيكا الصغيرةُ بالتجولِ في مِثلِ هذا الوقتِ الخطيرِ.
“يا إلهي، فيرونيكا. أنتِ… كيفَ لَكِ……”
لم تَستطع إكمالَ جُملتِها، وجَلست على الأرضِ مُنهكةً. فمن شِدَّةِ الفَزَعِ، خَانَتها سَاقاها ولم تَعُد تَقوى على الحَراكِ. وانْهارَ بُرجُ التوترِ الذي بَنَتهُ طَوالَ الليلِ، ليحلَّ مَكانَهُ شُعورٌ بالفراغِ والذُّهولِ.
تَثاءبتِ الصغيرةُ واقتربتْ لِتَرتميَ في حِضنِ خالتِها. شَعرتْ فيرونيكا بِدِفءِ جَسدِها، وكأنها تَحتضنُ عُصفوراً صغيراً. وبِحركةٍ لا إراديةٍ، ضَمَّتِ الطفلةَ إليها، فَمَسحتِ الصغيرةُ خَدَّها بِثِيابِ خالتِها.
“خالتي. لا أُريدُ النَّومَ……”
أَمامَ مَنظرِها وهي تَدعي عَدَمَ الرغبةِ في النَّومِ بَينما الغَرَقُ في النُّعاسِ بادٍ على عَينَيها، تَبَدَّدَ القلقُ تَماماً، وكادت فيرونيكا تَنفجرُ ضَحِكاً. لكنها لم تَشأْ أنْ تَقولَ لها: “بَلْ أنتِ غارقةٌ في النُّعاسِ”. فالكِبارُ يَنبغي أنْ يُجاروا الصِّغارَ في حَديثِهم، مَعَ القُدرةِ على إقناعِهم وهَدهَدَتِهم حتى يَناموا.
رُغمَ أنَّ فيرونيكا لَم تُرزق بأطفالٍ، إلا أنها كانت تُحبُّهم. كان قَرارُ عَدَمِ الإنجابِ في زواجِها من الراحلِ “هنري” قَراراً مُشتركاً؛ وبِشكلٍ أدقَّ، كان هنري هو مَنْ ضَحَّى بِفِكرةِ الوَريثِ خَوفاً على صِحَّةِ فيرونيكا.
لَقَد كان رَجُلاً يختلفُ عن أقرانِهِ من السادةِ الذين يَرَونَ أنَّ سَعادةَ الرجلِ تكمنُ في الزوجةِ والأطفالِ فقط. ورُبما لهذا السَّببِ كَانَت حَياتُهما مُمكِنةً.
حَمَلت فيرونيكا الطفلةَ ونَهضت. كَانَ الهواءُ في الرواقِ بارداً، وكان من المؤكدِ أنَّ الطفلةَ ستُصابُ بالزُّكامِ إذا بَقيت هناكَ بِثيابِ نَومِها الخفيفةِ.
قَرَّرتْ أنْ تَجعلَها تَنامُ عِندَها الليلةَ وتُعيدَها غداً. أَغلقت فيرونيكا البابَ بِحذرٍ وأَحكمتْ قُفلَهُ. وحتى لَحظةِ إغلاقِهِ، لَم يُسمعْ أيُّ صَوتٍ لِحَركةٍ في الرواقِ.
“ألا يَزورُكِ النَّومُ؟”
“أُوممم.”
“إذا وَسَّدتُكِ ذِراعي، سَتنامينَ في الحَالِ.”
ضَيَّقتِ الطفلةُ عَينَيْها بِعدمِ تَصديقٍ وسألتْ:
“حَقاً؟”
“حَقاً.”
ابتسمتْ فيرونيكا بِرِقَّةٍ ووضعتِ الصغيرةَ على السَّريرِ. كان الدفءُ يَنبعثُ من تَحتِ اللِّحافِ بفضلِ قِربةِ الماءِ الساخنِ. وما إنِ استقرتِ الطفلةُ التي يَتجاذبُها النُّعاسُ هناكَ، حتى غَابَت عَنِ الوعيِ سَرِيعاً.
“كُنتُ أُريدُ اللعبَ مَعَ خالتي……”
تَمتمت فيرونيكا الصغيرة بِكلماتٍ مُتباطئةٍ. لَقَدِ استسلمتْ لِلدفءِ تَماماً. “أيتها الصغيرةُ، مَهما حَاولتِ المقاومةَ، فأنتِ في النهايةِ ابنةُ سَبعِ سِنينَ”.
لم تَنجحِ المقاومةُ. خَضعتِ الصغيرةُ لِسِحرِ خالتِها، وأَغلقتْ عَينَيها الغائمتينِ. شَعرت فيرونيكا لِوَهلةٍ وكأنها شِريرةٌ دَاهيةٌ، فَضحكتْ بِصوتٍ خافتٍ. لكنَّ الصِّغارَ يَحتاجونَ لِلنَّومِ الطويلِ، نَوماً عَميقاً خَالياً من الهُمومِ.
كانت تَتمنى شيئاً واحداً فقط: أَلا تَقضي ابنةُ أختِها المحبوبةُ لَيلةً مُرعِبةً.
سَيتحملُ الكِبارُ مَسؤوليةَ الحمايةِ مَهما حَدثَ، ولِتَبقَ الطفلةُ طِفلةً. كان هذا أَقصى ما يُمكِنُ لِفيرونيكا تَقديمُهُ لِابنةِ أُختِها. ورُغمَ أنها تَعلمُ أنَّ الصغيرةَ ستتذمرُ غداً لأنها لم تَلعبْ مَعها، إلا أنَّ هذا لا يَهُمُّ الآنَ.
“بِمَنْ تَشبهينَ لِتكوني بهذا الجمالِ؟”
تَمتمتْ فيرونيكا وهي تَمسحُ على خَدِّ الصغيرةِ. وبِمجردِ أنْ ضَغطت بِرِقَّةٍ على ذلكَ الخَدِّ الناعمِ الذي تَفوحُ منهُ رائحةُ الحليبِ، قَطَّبتِ الصغيرةُ حَاجبَيها وتَململتْ في فِراشِها.
‘عُذراً.’
لا يَجبُ أنْ تُوقِظَها.
بما أنَّ الأمورَ سَارت على هذا النَّحوِ، فَمِنَ الأفضلِ أنْ تَعتبِرَها سَهرةً نِسائيةً وتَنامَ مَعها في سَريرٍ واحدٍ.
تَقَلَّبت فيرونيكا قَليلاً ثمَّ أَغلقت عَينَيها. تَسلَّلتِ الطفلةُ بَاحثةً عَنِ الدفءِ والراحةِ في حِضنِ خالتِها. كَانَ دِفءُ جَسدِ الطفلةِ وجِلدُها الناعمُ كالزُّبدةِ الذائبةِ يَفصلانِ فيرونيكا عَنِ الصَّدماتِ التي تَلقَّتها طَوالَ اليومِ. شَعرتْ بِوَهمٍ جَميلٍ يُوحي لها بأنها سَتكونُ في أمانٍ طالما بَقيت مَعَ هذهِ الطفلةِ.
أَسندت فيرونيكا خَدَّها على رَأسِ الصغيرةِ وأَغمضت عَينَيها. سَتُعيدُها إلى جوليا مَعَ بُزوغِ الفجرِ، وسَتُحذِّرُ أُختَها بِشدَّةٍ لِتُحكِمَ إغلاقَ أَبوابِها في الليلِ. مَن يَدري؟ إذا كَانَ القاتلُ الذي فَتَكَ بإدموند وجوزيف لا يزالُ في القصرِ، وإذا قَرَّرَ استهدافَ الصغيرةِ، فَلَنْ يَتحملَ سُكَّانُ هذا البيتِ ذلكَ أَبداً.
هكذا هُمُ الأطفالُ دائماً. هُمُ السَّببُ الذي يَجعلُ الكِبارَ صَامدينَ….
عِندما استيقظتْ، كَانَ ضَوءُ الفجرِ الشَّاحبُ قد بَدأ يَصبغُ الغُرفةَ. نَهضت فيرونيكا بِبطءٍ، وأَصدرتْ أَنِيناً بِسببِ أَلمِ كتفها. لن تَكذبَ وتَقولَ إنَّ ذِراعَها التي بقيت الطفلةُ نَائمةً عليها لم تكن تُؤلمُها؛ فَمَهما صَغُرَ حَجمُ الأطفالِ، إلا أنَّ أَوزانَهم لا يُستهانُ بها.
كَانَت نار المِدفأةِ قَد خَمَدتْ، وعَادَ بَرْدُ الخريفِ ورُطوبتُهُ يَتسلَّلانِ من خَلفِ النافذةِ. أَرادتْ فيرونيكا أنْ تُغطِّيَ ابنةَ أُختِها بِاللِّحافِ خَوفاً عليها من البَرْدِ، ولكنْ….
“…… فيرونيكا؟”
لا أَثَر لِلطفلةِ. مَكانُها في السَّريرِ كَانَ خَالياً. وكأنَّ وُجودَها بجانبِها لم يَكنْ سِوى حُلمٍ. شَعرت فيرونيكا وكأنَّ الدماءَ قد غَادرتْ جَسدَها. أَحسَّتْ وكأنَّ الأرضَ التي تَقِفُ عليها قد انهارت. حَتَّى السُّقوطُ من فَوقِ مُنحدرٍ لَم يَكنْ لِيَبعثَ فيها هذا البَرْدَ القاتلَ.
حَاولتْ تَجاهُلَ الشُّعورِ بأنَّ قَلبَها سَيخترقُ صَدرَها، وأَمسكت بِمَوضِعِ قَلبِها، ثمَّ نَهضتْ وارتدت رِداءَها. وتَركتْ خُفَّها، وأَخَذت تَبحثُ في الغُرفةِ حَافيةَ القَدَمينِ. لَا أَثَر لِلطفلةِ. فَكَّرت لِوَهلةٍ أَنها رُبما نامت على الكرسيِّ المريحِ عِندَ المِدفأةِ، لَكِنَّ ذلكَ كَانَ مجردَ تَمَنٍّ بَائسٍ.
“لَا، أرجوكِ……”
بَابُ الغُرفةِ كَانَ مَفتوحاً بِشكلٍ طفيفٍ.
هَلِ استهانتْ بِإصرارِ الطفلةِ؟ رُبما خَرَجتْ من غُرفةِ أُمِّها بِنفسِ هذهِ الطريقةِ. مَاذا لَو وَقَعَت في مَكمنِ الخَطرِ؟ كَيفَ لَم تَشعُرْ بحركتها؟ لَعنت نَفسَها لأنها غَرِقَتْ في النَّومِ بَينما تَنسلُّ الطفلةُ من جَانِبِها. كَزَّت على أَسنانِها وخَرَجت من الغُرفةِ.
لَم تُصدِر صَوتاً عَالياً. لم تَكن تَعتقدُ أنَّ النَّيامَ سَيستيقظونَ، لَكِنَّها لم تُرِد لِأحدٍ أَنْ يَراها وهي تَتجوَّلُ في الرَّواقِ.
كان الرَّواقُ سَاكِناً. بَارداً بِلَا دِفءٍ، ويَسودُهُ صَمتٌ جَنائزيٌّ. كَانَ هناكَ نَوعٌ من الشُّؤمِ يُوحي وكأنَّ المَرءَ استيقظَ في بَيتٍ مَهجورٍ. الأضواءُ جَميعُها مُطفأةٌ ولَا أَثَر لِأحدٍ. كَانَ من العجيبِ أَنْ يَتحولَ القصرُ الصَّاحِبُ إلى هذا السُّكونِ المطبقِ. مَشت فيرونيكا على أَطرافِ أَصابِعِها، وهي تَتجولُ بِحذرٍ في أَرجاءِ القصرِ.
كان الأمرُ يُشبهُ القِيامَ بِدوريةِ حِراسةٍ بَدلاً من النَّيامِ؛ لِتتأكَّدَ من سَلامَتِهم، ولِتَطمئِنَّ أَنَّ لَا أَحَدَ بالخارجِ.
سَيَبزُغُ الفجرُ قريباً. وبِالنظرِ إلى لون الظَّلامِ الضَّاربِ إلى الزُّرقةِ، يَبدو أَنَّ الشروقَ لن يَتأخَّرَ أَكثرَ من سَاعةٍ أَو سَاعتينِ.
كَانَ الرَّواقُ نَظيفاً. السَّجَّادُ المَفروشُ كَانَ يَمتصُّ صَوتَ خُطواتِها. الطابقُ الذي يَضُمُّ غُرَفَ إيان وجوليا وفيرونيكا كَانَ مُوصَدَ الأبوابِ تَماماً، ولَم يَكُن هناكَ أيُّ أَثَر لحركةٍ. قَرَّرتْ فيرونيكا العودةَ إلى غُرفتها والنَّومَ مُجدداً حتى يَبزغَ الضياءُ.
وفي تِلكَ اللحظةِ، شَعرت بِيَدٍ ترتدي قُفَّازاً جِلدِياً سَميكاً تَكتمُ أَنْفاسَها. لَم تَجِدْ حَتَّى فُرصةً لِلصُّراخِ.
بُرودةٌ.
أَوَّلُ مَا شَعرتْ بِهِ هُوَ البُرودةُ.
وسُرعانَ مَا أصبح التنفسُ عَسِيراً. بَاتَ جَسدُها ثَقيلاً كَالرَّصاصِ. حَاوَلت فيرونيكا المقاومةَ والتَّخَبُّطَ، لَكِنَّ الشُّعورَ بِبُرودةِ جَسدِها المُنْهمرِ كَانَ يقتلُ قُدرَتَها على المقاومةِ.
طق، طق.
صَوتُ سَائلٍ لَزِجٍ يَسقطُ على السَّجَّادِ يَملأُ أُذنيها بِدُوارٍ. رأسها يَدورُ، والرُّؤيةُ تَضطربُ أَمامَ عَينَيها. حَاولتْ يَدُ فيرونيكا خَدشَ القُفَّازِ الجِلديِّ بِلَا جَدوى. عِندَها أَدرَكت أَنها طُعنت. سيكن، إنَّهُ سيكن.
دُونَ أَن تَملكِ القُدرةَ على فِعلِ شَيءٍ، تَهَاوَى جَسدُها ببطءٍ نَحوَ الوَراءِ. السَّجَّادُ السَّميكُ المَفروشُ في الرَّواقِ كَتَمَ صَوتَ ارتطامِ جَسدِها بالأرضِ.
‘هل هو حُلمٌ؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"