الفصل 10
***
3 : الغُيومُ السَّوداءُ تُخيِّمُ على القصرِ
كان حطبُ المِدفأةِ يُصدرُ طرقعاتٍ مستمرةً ويقذفُ الشررَ، رُبما بسببِ الرطوبةِ التي امتصَّها من المطرِ. تنهَّدَ إيان مرةً أخرى تنهيدةً عميقةً. وبقيَ واضعاً خَدَّهُ على يدِ فيرونيكا كجروٍ فَقَدَ صاحبَهُ، ثمَّ قالَ وهو مُغمضُ العينينِ:
“…… كنتُ أتمنى ألا يَمَسَّكِ إلا كلُّ خيرٍ.”
اتسعتْ عينا فيرونيكا بذهولٍ عندَ سماعِ كلماتِهِ.
“بما أنكِ تزوجتِ من رجلٍ صالحٍ، فقد ظننتُ أنَّ الأيامَ القادمةَ ستكونُ جميلةً دائماً. اعتقدتُ أنَّ كلمةَ ‘شَقاءٍ’ ستُمحى من قاموسِكِ، ولن يتبقى لكِ إلا الاستمتاعُ بالحياةِ معَ الآخرينَ.”
“رُغمَ أنكَ لم تأتِ حتى لحضورِ زفافي؟”
“فيرا. كان لقبي في أيامِ الجامعةِ هو ‘الغرابُ’.”
كان هذا موضوعاً تسمعُهُ لأولِ مرةٍ. لم تستطعْ فيرونيكا مَنْعَ نفسِها من الضحكِ قليلاً؛ فكيفَ لِـ “غرابٍ” أنْ يكونَ بهذا المظهرِ؟ كان شعرُ إيان هاميلتون بنياً ناعماً كِلونِ الشاي المُعدِّ بعنايةٍ، وعيناهُ كانتا بلونٍ فيروزيٍّ فاتنٍ.
لم يكن يشبهُ الغرابَ في شيءٍ.
“لماذا؟ هل لأنكَ كنتَ تجمَعُ الأشياءَ اللامعةَ؟”
لكنَّ إيان ظلَّ جاداً رُغمَ سُخريةِ فيرونيكا، وأجابَ بهدوءٍ:
“أنا رجلٌ سيئُ الحظِّ، هكذا كنتُ دائماً منذُ صِغري. لا أظنُّ أنني حَظيتُ بِيومٍ جَيِّدٍ واحدٍ. ولهذا السببِ، كان زملائي في الجامعةِ يلقبونني بـ ‘هاميلتون المَنْحوسِ’.”
“لقبٌ يليقُ بأولئك الشبابِ الأثرياءِ السُّخفاءِ.”
عندَ سَماعِ نبرةِ فيرونيكا المتهكمةِ، تخلَّى إيان عن جُمودِهِ وضحكَ قليلاً.
“على أيةِ حالٍ…… لهذا السببِ، خِفتُ أنْ يتسبَّبَ حَظي السيئُ في إفسادِ زفافِكِ.”
“آه، لا أصدقُ أنكَ لم تأتِ لِرؤيتي لِسببٍ غبيٍّ كهذا!”
تأوَّهتْ فيرونيكا حَسرةً. أحنى إيان رأسَهُ كالمُذنبِ وتنحنحَ؛ فقد بدأ الاحمرارُ يغزو أُذنيةِ من شدةِ الخجلِ.
لقد آمنَ بتلكَ الخُرافةِ ضمناً لأنَّ المحيطينَ بهِ ظلوا ينادونهُ بها. رُغمَ أنَّهُ نفسَهُ بدأ يشعرُ الآنَ بمدى غبائِهِ في العامِ الماضي. وفوقَ ذلكَ، كان يُحدثُ نفسَهُ سِرّاً الآنَ: تُرى هل كان حَظي السيئُ هو السَّببَ في وقوعِ كلِّ هذهِ الجرائمِ……؟
قالتْ فيرونيكا وهي تبتسمُ لَهُ:
“حتى لو لم تكن محظوظاً، فأنتَ صديقي المفضلُ. لا تخذلني مجدداً بسببِ مثلِ هذهِ الأفكارِ.”
جاءَ ردُّهُ سريعاً، كأنه كان يَنْتظرُ هذهِ الكلماتِ بفارغِ الصبرِ:
“أيمكنني ذلكَ حقاً؟”
“هذا أمرٌ بديهيٌّ.”
في تلكَ العيونِ ذاتِ اللونِ الفريدِ، كان يَنْعكسُ وجهُ شابٍ يَبدو مأخوذاً بالكاملِ. نَظرَ إيان إلى ذلكَ الانعكاسِ دونَ قَصْدٍ، ثمَّ نَهَضَ على عَجَلٍ. فرُغمَ روابطِ العائلةِ التي تجمَعُهما، إلا أنَّ بقاءَ رجلٍ أعزبَ معَ امرأةٍ شابةٍ بمفرِدِهِما لم يكن لائقاً. وبغضِ النظرِ عن أنَّ سكانَ القصرِ قد لا يُبالونَ بذلكَ، إلا أنهُ كان يرى في ذلكَ قِلَّةَ احترامٍ لـ فيرونيكا التي عاشتْ في لندن طويلاً.
“عليَّ الذهابُ الآنَ. بما أنَّ جوزيف لم يَعُدْ مَوجوداً، فعليَّ بصفتي أكثرَ مَنْ يَعرفُ تصميمَ هذا القصرِ أنْ أتأكدَ من إغلاقِ كافةِ الأبوابِ.”
“….معك حقٌّ.”
“ارتاحي الآنَ. وأغلقي بابَكِ جيداً. لا تفتحي البابَ لأيٍّ كانَ، وسأراكِ غداً. وإذا حدثَ أيُّ شيءٍ، فناديني فوراً.”
أومأتْ فيرونيكا برأسِها مطيعةً لكلامِهِ. تُرى كم شخصاً في هذا العالمِ يَهتمُّ بها ويَقلقُ عليها بهذا القَدْرِ؟ البعضُ منهم ماتَ، ولم يَبقَ إلا القليلُ جداً. شعرتْ فيرونيكا بالامتنانِ؛ فَرُغمَ أنَّ إيان نفسَهُ يعيشُ حالةً من التخبُّطِ، إلا أنهُ كان يُقدِّمُ مَصلحتَها وسلامتَها على كلِّ شيءٍ.
لذا، خَرَجَ صوتُها دُونَ وعيٍ منها.
“ألا يمكنكَ البقاءُ لِفترةٍ أطولَ قليلاً؟”
اتسعتْ عينا إيان، وكأنهُ يُحاولُ استيعابَ مَعنى طلبِها. لكنَّهُ هَزَّ رأسَهُ في النهايةِ.
“يجبُ أنْ أتأكدَ من تَحصينِ القصرِ لِمنعِ القاتلِ من التجوُّلِ فيهِ. وما إنْ أنتهي من ذلكَ…. سأعودُ إليكِ.”
لم يكن أمامَ فيرونيكا إلا الإيماءُ برأسِها. شعرتْ ببعضِ القلقِ؛ فبدا لها أنَّ خارجَ الغرفةِ مَحفوفٌ بالمخاطرِ، وأنَّ الأمانَ لا يوجدُ إلا داخلَ هذهِ الجدرانِ الأربعةِ المُغلقةِ. وفي الوقتِ ذاتِهِ، انتابَها شعورٌ متناقضٌ وهي تَتمنى السلامةَ لإيان في الخارجِ.
“كيفَ سأعرفُ أنكَ أنتَ مَنْ بالبابِ؟”
“…… ما رأيُكِ بكلمةِ سِرٍّ؟ كما كنا نفعلُ في صِغَرِنا.”
ضحكتْ فيرونيكا خِفيةً عندَ اقتراحِهِ. تُرى أيَّ ذكرياتٍ سيستحضرُ؟ حقاً.
“دُميةُ الباليرينا؟”
“وهناك جنديُّ القصديرِ أيضاً.”
“أيُّ شيءٍ تختارُهُ مَقْبولٌ، طالما أنهُ قِصَّةٌ لا يَتذكرُها إلا أنا وأنتَ.”
ابتسمَ إيان ووعدَها بأنْ يَفعلَ ذلكَ.
أُغْلِقَ البابُ. رَحَلَ إيان هاميلتون، ونهضتْ فيرونيكا ببطءٍ لِتُحكمَ إغلاقَ البابِ.
بدا لها أنَّ النومَ لن يزورَ جفنيها بسهولةٍ.
ولم يكن السببُ أنها استيقظتْ لتوِّها فحسب.
***
انتظرتْ حتى الفجرِ، لكنَّ إيان هاميلتون لم يأتِ. لا تَدري أَنَسِيَ وعدَهُ لها، أم أنَّ ظرفاً طارئاً قد مَنعَهُ، لكنَّ صوتَ الطَّرقِ على بابِ غرفتها لم يُسمعْ قطُّ. كان هذا أمراً غريباً؛ فإيان هاميلتون لم يكن من النوعِ الذي ينسى وعودَهُ. تذكَّرتْ أنَّ المرةَ الأخيرةَ التي أخلفَ فيها وعدَهُ كانت يومَ زِفافِها.
جلستْ فيرونيكا على الكرسيِّ المريحِ وغرقتْ في أفكارِها لِفترةٍ طويلةٍ. كان الظلامُ قد أحكمَ قبضتَهُ على القصرِ؛ فالأضواءُ التي كانت تَتسلَّلُ من تحتِ البابِ من الرواقِ قد أُطفِئتْ منذُ زمنٍ، وأصواتُ الناسِ الذين كانوا يتفقدونَ الأبوابَ لم تَعُدْ تُسمعُ. شعرتْ فيرونيكا في تلكَ اللحظةِ وكأنها الشخصُ الوحيدُ المتبقي في هذا القصرِ، رُغمَ عِلْمِها بأنَّ هذا غيرُ منطقيٍّ.
حاولتْ أنْ تَنامَ على حالِها تِلكَ، لكنَّ صوتاً ما بدأ يُعكِّرُ صَفْوَ هدوئِها.
سِحْ… سِحْ…..
صوتٌ يُشبهُ احتكاكَ قماشٍ بالأرضِ. أو رُبما هو صوتُ خُطواتٍ مُتعثرةٍ. كان الصوتُ قادماً من الرواقِ. لم تستطعْ تمييزَ ماهيتِهِ بدقةٍ، لكن يبدو أنَّ هناكَ مَنْ لا يزالُ مُستيقظاً. وبدأتْ تلكَ الخُطواتُ تَقتربُ شيئاً فشيئاً من غرفتها.
‘أهو إيان؟’
بما أنَّ إيان هو مَنْ وعدَ بزيارتِها، فقد خَمَّنتْ فيرونيكا أنَّهُ هو. كانت مستعدةً لِفتحِ البابِ بترحيبٍ إذا سَمِعتْ تلكَ الذكرى التي لا يَعرفُها سِواهُما تَنبعثُ من خَلْفِ البابِ.
سِحْ…..
طَقْ.
لكنْ، ويا لَلغرابةِ، لم يَصدرْ أيُّ صوتٍ من خَلْفِ البابِ. كلُّ ما حَدثَ هو أنَّ الصوتَ اقتربَ ثمَّ توقَّفَ، وأصبحَ بإمكانِها أنْ تَشعرَ بوجودِ شخصٍ ما هناكَ. لم يُسمعْ طَرقٌ، ولا نِداءٌ باسمِها. تملَّكَ الرُّعبُ من قلبِ فيرونيكا فأمسكتْ بالشمعدانِ بقوةٍ. وبما أنَّهُ كان خاوياً من الشموعِ، فقد قرَّرتْ أنْ تَستخدمَهُ لِطعنِ أو ضَرْبِ مَنْ بالخارجِ إذا لَزِمَ الأمرُ.
تُرى هل مَنْ بالخارجِ هو ذلكَ القاتلُ الذي فَتَكَ بإدموند وجوزيف بتلكَ الوحشيةِ؟ وهل وضعَ فيرونيكا هَدَفاً جديداً لَهُ وجاءَ لِطلبِها؟ إذا كان الأمرُ كذلكَ، فهل سيتمكنُ شخصٌ قَتَلَ رجلينِ ببالغِ السُّهولةِ من اقتحامِ هذهِ الغرفةِ؟
اقتربتْ فيرونيكا من البابِ بَحذرٍ وهي تحبسُ أنفاسَها. ووضعتْ عينَها على فُتحةِ المفتاحِ. إذا كان هناكَ أحدٌ واقفٌ، فلا بدَّ أنْ تلمحَ ظِلَّهُ أو هيئتَهُ.
‘مُستحيلٌ.’
لكنَّ فيرونيكا لم تَمكثْ سوى ثوانٍ قليلةٍ قبلَ أنْ يَخطرَ ببالِها هذا الخاطرُ. في الخارجِ… نَعَمْ، في الخارجِ لم يَكُنْ هناكَ أحَدٌ. رُغمَ يَقينِها بأنها سَمِعتْ حَركةً تَتوقفُ عندَ البابِ، إلا أنها لم تَرَ أيَّ هيئةٍ بَشريةٍ. رُبما كان الشخصُ يختبئُ بانتظارِ خروجِها.
وفي تلكَ اللحظةِ…..
بدأ مِقبضُ البابِ يَدورُ ببطءٍ. صَرَّ المِقبضُ المعدنيُّ صريراً غريباً بينما يَدورُ ببطءٍ شديدٍ، وشعرتْ فيرونيكا برُعبٍ حقيقيٍّ وهي تُراقبُهُ. انتفضتْ وتراجعتْ خطوةً عن البابِ. لا يوجدُ أحدٌ في الخارجِ! ولكنَّ هناكَ مَنْ يُمسكُ بالمِقبضِ ويُديرُهُ من الجهةِ الأخرى! تسارعتْ أنفاسُ فيرونيكا وهي تُحكمُ قبضتَها على الشمعدانِ.
‘لا بأسَ يا فيرونيكا. البابُ مُغلقٌ. أيّاً كانَ، لن يستطيعَ الدخولَ.’
أخذتْ تُردِّدُ هذهِ الكلماتِ لِتستجمعَ شجاعتَها. لقد تأكَّدَ إيان هاميلتون من إغلاقِهِ مِراراً قبلَ رَحيلِهِ. وهي أيضاً تأكَّدتْ منهُ، لذا فمن المُحالِ أنْ يُفتحَ البابُ ما لم يحدثْ أمرٌ جُنونيٌّ.
‘وإذا فُتِحَ، سأطعنُهُ في مَقْتلٍ.’
وعندَها، انبعثَ صوتٌ خافتٌ جداً من خَلْفِ البابِ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"