“ما معنى هذا الكلام! يا صاحب السموّ الدوق الأكبر، يبدو أنّكَ لم تفهم حديثي جيّدًا…!”
رفع بالدوين يده بأناقة ليقاطع كلام كيركو، و كأنّه لا حاجة لسماعه أصلًا.
أكمل لوتيريك بصوتٍ يشوبه ابتهاجٌ خفيف:
“سيُشاع الخبر في هذا المجال، لذا لا أدري مَن سيجرؤ لاحقًا على إبرام عقدٍ مع غيرماني”
كان هذا تهديدًا.
و كان لدى أسرة الدوق الأكبر كونستانتين ما يكفي من القوّة لتنفيذه.
قال لوتيريك مؤكّدًا:
“نرجو منكَ المغادرة الآن. سموّ الدوق لا يتناول الطعام مع مَن ليس ضيفًا لديه.”
كان هذا أمر طرد.
نهض بالدوين أولًا من مقعده. استدار من دون أيّ تحيّة، و تحرّك جسده الطويل الأنيق برشاقة.
حدّق كيركو إليه بملامح بلهاء.
“إذًا، سأغادر أنا أيضًا.”
“مـ ، مهلاً! لا يمكن أن يمرّ هذا الأمر هكذا! لا بدّ أنّ دوق غيرماني سيقدّم احتجاجًا رسميًا على هذا…!”
“و هل سيشكّل ذلك مشكلة لنا؟ هنا إِستوس، و سموّ الدوق هو الدّوق الأكبر.”
تمتم لوتيريك ببرود:
“بل إنّ مَن ينبغي أن يقلق هو غيرماني. سنقدّم اليوم احتجاجًا رسميًا إلى القصر الإمبراطوري في إِستوس بشأن وقاحتكم.”
تعثر كيركو و هو ينهض من مكانه.
لقد ظنّ أنّه يمسك بزمام النصر!
لم يتخيّل قطّ أن تنقلب الطاولة بهذه الطريقة. ظنّ أنّ الدوق الأكبر لا يسمع، و أنّه إن هدّده قليلًا و أرعبه فسيفهم.
لم يصدّق الشائعات التي وصلت عبر المحيط عن بالدوين.
‘في النهاية هو لا يسمع، أليس كذلك!؟’
و لم يكن التمييز ضدّ أصحاب الإعاقات حكرًا على غيرماني فقط.
في النهاية، كان هذا التحيّز هو ما أفسد كلّ شيء.
“لحظة أيها المساعد لوتيريك! انتظر قليلًا! مساعد لوتيريك!”
ركض كيركو بسرعة خلفهم، لكنّ الباب الذي أُغلق لم يُفتح. و بعد قليل، حضر كبير الخدم و طرده بأدب.
بأسلوبٍ أنيق، و كأنّه يرفض النزول إلى مستواه حتى النهاية.
* * *
لم يحدث قطّ أن أقدم بالدوين على أمرٍ من دون خطّة. عاد لوتيريك إلى المكتب خلفه، يلهث، و قال:
“سموّ الدوق الأكبر، أرجوك أخبرني الآن! لقد ألغينا العقد كما أمرت، لكن ماذا سنفعل بالمواد التي تمّ طلبها بالفعل؟!”
نظر بالدوين بطرف عينه إلى لوتيريك الذي ينتظر حلًّا بوجهٍ محموم. تحرّكت أصابعه البيضاء المستقيمة بسلاسة.
[لا تقلق. ليست تلك سفينة الشحن الوحيدة في هذا العالم. سأبني سفينةً سياحيّة.]
تحرّكت عينا لوتيريك بسرعة تتبّعان طرف القلم.
“سفينة سياحيّة؟!”
أومأ بالدوين.
[إذا كان اسم كونستانتين، فهناك أكثر من بنكٍ مستعدّ للاستثمار. لا داعي للقلق. و خلال فترة البناء، حضّر جدول النصف الثاني من العام من دون أيّ تأخير. و إن أمكن، سيكون من الجيّد الحصول على طلبٍ لسفن شحن.]
ابتلع لوتيريك ريقه. لم تمسّ كونستانتين قطاع السفن السياحيّة من قبل. فركّابها في الغالب من الأثرياء، ما يعني أنّ كلّ قطعةٍ يجب أن تكون من أفخم ما يكون لإرضائهم.
“…لم نفعل ذلك من قبل، هل سيكون الأمر على ما يرام؟”
[سنجمع المستثمرين و المهندسين. لكن في عصرٍ تُفتَح فيه خطوطٌ بحريّة جديدة كلّ عام، ستدخل صناعة السفن السياحيّة حتمًا عصر الازدهار.]
لم يخطئ حدس بالدوين يومًا. و كأنّ عينيه البنفسجيتين الغامضتين تخترقان المستقبل. مرّر لوتيريك يده على ذراعه.
[إذا استثمرنا، فيجب أن يكون الاستثمار كبيرًا.]
“هل لديكم بنكٌ معيّن في ذهنك؟ و من أين سنجلب المهندسين؟”
[هناك شركاتٌ صغيرة تبني سفنًا سياحيّة في كلّ مكان. اختر واحدةً واعدة لكنها مفلسة و استحوذ عليها. و من هناك نبدأ.]
“و هل لديكَ جهة استثمار محدّدة؟”
رمش بالدوين.
لماذا يخطر الاسم نفسه بباله في هذه اللحظة؟
بل ربّما كان يفكّر بها منذُ البداية عندما قرّر إلغاء العقد.
أنايس بارنابي.
[ما رأيكَ في بنك غراهام؟]
“آه. عملة الذهب في عالم المال.”
رفع بالدوين حاجبه و كأنّه يسأل عن المعنى.
“حسنًا… النبلاء المحافظون يفكّرون بالطريقة نفسها. هناك الكثيرون يراهنون على المدّة التي سيصمد فيها البنك الذي خرج من سيطرة غراهام. ثم يراهنون على مَن سيستحوذ عليه.”
ابتسم بالدوين ابتسامةً مائلة.
هذا كلام أشخاص لا يعرفون أنايس بارنابي. فهي لا تتخلّى عمّا يدخل في قبضتها أبدًا.
“و فوق ذلك، هي سيّدة شابّة، لذا يستخفّ بها الكثيرون. رجال الأعمال جميعهم يضايقونها باستمرار.”
طرق بالدوين المكتب بإصبعه.
لكنّها ليست ممّن ينخدعن بذلك.
“إنّها الشخص الأكثر سخونة في ساحة الرهانات. بل إنّ بعضهم يراهن على زوجها القادم. صحيح أنّهم ما زالوا يراقبون موقف الماركيز إيغبرت غراهام، لكن قريبًا سيشتعل ذلك القصر الصغير الذي تقيم فيه.”
توقّف إصبع بالدوين.
النبلاء، رغمَ تظاهرهم بالأناقة، كانوا منحطّين و وقحين، و لا يحاولون حتى إخفاء نواياهم.
ابتسم بالدوين ببرود.
“حتى أصدقاؤكَ يبدون أنّهم راهنوا أيضًا. و لهذه الأسباب تُدعى عملة الذهب.”
أي أنّ كثيرين يتآمرون لإيقاع أنايس في ورطة.
‘يا لهم من مثيرين للشفقة.’
كان بالدوين قد نسي أنايس طوال تلك الفترة. كان لقائه بها قصيرًا لكنه ترك أثرًا.
لكن منذُ أن بدأت تشغل سمعه و بصره مجددًا، أخذ حضورها يتسلّل إليه بسرعةٍ عنيفة كرفرفة جناح.
و لم يكن هو الوحيد الذي يشعر بذلك على الأرجح.
[سنختار بنك غراهام. رتّب موعدًا مع أنايس بارنابي.]
“آه.”
اتّسعت عينا لوتيريك. لم يفهم ما يفكّر به بالدوين.
منذ فترة و هو يبدو ليّنًا و لطيفًا معها بشكلٍ غريب.
لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا.
“هل تنوي الدخول في الرهان؟”
سأل لوتيريك بوجهٍ متحفّظ.
[رهان؟ أنا فقط أنوي القيام بعملٍ تجاري يا لوتيريك. بنك غراهام يمتلك الكفاءة. و اختيار الجوهرة للاستثمار يعود إلى مهارة مالكها.]
رسم بالدوين ابتسامةً جميلة على وجهه. و تساءل فجأة كيف سيكون ردّ فعل أنايس.
‘القاعة هناك، انعطف يمينًا و تابع السير مستقيمًا.’
كان لقاؤهما الأوّل عندما كانت تقدّم الإرشاد في حفل تخرّج الأكاديمية.
أنهت أنايس الشرح، ثم التفتت و التقت عيناها بعينيّ بالدوين. و عندما تعرّفت إليه، اتّسعت عيناها.
فمأساة بالدوين كونستانتين كانت معروفة في إِستوس، و لا يُعقل أن يجهلها طالبٌ جديد.
لا بدّ أنّها كانت تعلم أنّه لا يسمع.
لكنّها ابتسمت ببساطة من دون أن تُظهر شيئًا، و قالت و كأنّ الأمر طبيعي تمامًا:
‘الطريق معقّد قليلًا. إن شئت، يمكنني مرافقتكَ بنفسي أو رسم خريطة لك.’
كان ذلك أرقى تصرّفٍ يمكن تخيّله. فقد اعتاد بالدوين على مقابلة مَن يشفقون عليه أو يحتقرونه أو يحاولون استغلاله.
لكن أنايس كانت مختلفة.
حتّى بعد ذلك اليوم، عندما التقيا مرارًا… إلى أن تزوّجت و دخلت بيت غراهام و خرجت من نطاق رؤيته.
كانت دائمًا كما هي.
‘أنا أتحدّث بسرعةٍ قليلًا يا صاحب السموّ. مهما حاولت لا أستطيع إصلاح ذلك. إن شعرت أنّي أسرع أكثر من اللازم، فأشر إليّ.’
شخصٌ يتّسم بلطفٍ طبيعي في أبسط الأمور. تلك كانت أنايس.
استحضر بالدوين ذكرى قديمة.
و كما تلقّى منها عنايةً بسيطة من دون أن يشعر، فلا بأس أن يقدّم لها مساعدة صغيرة.
و لهذا اختار بنك غراهام.
[هل هناك مشكلة؟]
هزّ لوتيريك رأسه، بعد أن كان ينظر إليه بنظرةٍ غريبة.
“لا يا سموّك! سأرتّب الموعد و أرشدك فورًا!”
و هكذا أعلن بالدوين بهدوء دخوله المنافسة الدائرة حول “عملة الذهب” في عالم المال، أنايس.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"