“آه ، مرّ وقت طويل منذُ آخر لقاء لنا. يبدو أنّكِ لم تكوني بخيرٍ طوال هذه المدّة. وجهكِ شاحبٌ جدًّا.”
غطّت صوفيا فمها و أطلقت ضحكةً رنّانة ، ثمّ ألقت نظرةً سريعةً على المطعم.
كان مطعمًا اعتاد جدّي الراحل أن يرتاده. و لذلك كانت عائلة غراهام تستخدمه كثيرًا أيضًا.
آه. كان ينبغي أن أتوقّع إمكانيّة حدوث مثل هذا الموقف.
تفقّدتُ وجوه النساء الواقفات خلف صوفيا. لم أكن قد صادفتُهنّ من قبل في الأوساط الاجتماعيّة.
و إضافةً إلى ذلك ، كانت ملابسهنّ تبدو غريبةً و ركيكةً في مكانٍ ما.
كأنّهنّ يحاولن تقليد أحدٍ ما.
أطلقت تنهيدةً خرجت من تلقاء نفسها.
شعرتُ بأسفٍ عميقٍ لأنّ مثل هذه الأمسية اللطيفة تبدو و كأنّها ستُختَم بشكلٍ غير جيّد.
السّبب الوحيد الذي جعلني أتحمّل صوفيا طوال تلكَ المدّة كان واحدًا فقط.
لأنّني لا أريد الاختلاط بها.
لأنني أشعر بالشفقة تجاهها حقًا…هي تعيش حياة وضيعة لكنها تتصرّف كطاووس.
من المؤسف أنها لا تستطيع أن تعيش إلا إذا تصرّفت بهذا الشّكل.
لو لم تأتِني فرصةُ وجود جدّي أيضًا ، و لو أنّ عائلة البارون بارنابي عجزت في النهاية عن تحمّل تكاليف المستشفى و أعلنت إفلاسها___
لكان أبي قد باعني عن طيب خاطر.
و عندها ربّما لكنتُ أنا مَن تقف في مكان صوفيا.
كانت شفقةً نابعةً من مثل تلكَ الحسابات.
لا بدّ أنّها لا تستطيع أن تتخيّل إطلاقًا ما الذي أفكّر فيه و أنا أنظر إليها.
“اذهبي في طريقكِ.”
لا يزال قلبي لا يرغب في التّعامل معها.
“أنا أقول هذا بدافع القلق فقط. لا يمكن أن تُهملي نفسكِ إلى هذا الحدّ. و بالطبع هذا أيضًا سبب طردكِ.”
“حقًّا؟ هل طُردتِ حقًا؟”
“بالطبع! هل يُعقَل أن يُهجَر الماركيز؟ مع تلكَ الهيئة؟ و بتلكَ الثروة؟”
راحت صوفيا تزقزق كطائر و ترفع صوتها. بدا الأمر و كأنّها تحاول جذب أنظار الناس بلا داعٍ.
تزامن ذلك مع وقت عودة مَنْ أنهوا طعامهم إلى منازلهم ، فتوقّف الجميع في طريقهم و أخذوا ينظرون إلينا.
يا له من مشهد مسلٍّ.
أليس من النادر أن تجتمع العشيقة و الزوجة (السابقة) في إطارٍ واحد؟
و في مكانٍ علنيٍّ كهذا أيضًا.
“حسنًا. لماذا قد يُهجَر شخصٌ مثل الماركيز؟ من غير المعقول أن يُطلَّق.”
أبدت مرافقات صوفيا موافقةً واضحةً.
أفواهٌ لا ينبغي تركها هكذا.
“لا تحاولي تغطية السماء بكفّيكِ يا صوفيا. هل تظنّين أنّه سيكون من الممكن إخفاء الحقيقة بذلك؟”
قلتُ ذلكَ ببرود و أرسلتُ لها ابتسامةً خفيفةً.
كم عدد الذين سيقفون في صفّها من بين النظرات التي جمعتها؟
صوفيا الغبيّة.
النبلاء رفيعو المستوى الذين يرتادون مثل هذه الأماكن يؤمنون بوجود طبقاتٍ حتّى بين النبلاء.
فهل سيعتبرون صوفيا شيئًا؟
ألن يرَوها كالأوساخ العالقة تحت الأظافر؟
على الأقل أنا مُدرَجةٌ في سجلّ نسبٍ نبيل.
قد لا أكون محبوبة في نظرهم أيضًا ، لكنّني على الأقل أفضل من صوفيا. هم بالتأكيد سيقفون إلى جانبي.
“و بالإضافة إلى ذلك ، ليس من اللائق كشف عيوب العائلة أمام الآخرين.”
تنهدتُ بتكلّفٍ واضح.
فورًا أصبحت النظرات موجّهةً نحو صوفيا بحدّة.
لكن بدا أنّ صوفيا لم تشعر بذلك.
“المخزيّ ليس الماركيز بل زوجته السّابقة! يبدو أنّكِ لا تزالين تظنّين نفسكِ زوجة الماركيز.”
تذمّرت صوفيا بنبرةٍ مصطنعةٍ لطيفة.
“على السيّدة أن تعرف قدرها أيضًا.”
“ألا يجدر بكِ أنتِ أن تنظري إلى نفسكِ يا صوفيا؟ هل تظنّين أنّكِ بمقامٍ يسمح لكِ بدخول مثل هذه الأماكن؟”
عندما رفعتُ طرف شفتيّ ، ارتجفت صوفيا و فتحت فمها كأنّها ستقول شيئًا.
يبدو أنّ لديها شيئًا ما.
لكنّني لا أتوقّع شيئًا على الإطلاق.
لقد منحتُها وقتًا أكثر ممّا تستحقّ.
استدرتُ لأغادر المكان ، لكنّ صوفيا أمسكت بمعصمي.
“إلى متى ستبقين تتصرّفين معي…. آآه!”
في تلك اللّحظة ، شقّت سيّدةٌ نبيلةٌ طريقها عمدًا بين مجموعة صوفيا و دفعتها بقوّةٍ بكتفها.
“…. ما كلّ هذا الإزعاج؟ يبدو أنّ المطعم قد انحدر حقًا. كيف يسمح لأمثال هؤلاء بالدخول!”
أدارت صوفيا رأسها بسرعةٍ بوجهٍ شاحب ، و ما إن التقت عيناها بعجوزٍ صارمةٍ حتّى شهقت.
رمقت العجوزُ كلانا أنا و صوفيا بنظرة ازدراءٍ ثمّ مرّت.
و كان الآخرون مثلها أيضًا. نظروا إلى صوفيا بنظرات لومٍ و أطلقوا كلماتٍ لاذعةً نحو مرافِقاتها.
أحيانًا كانت نظرات اللوم تتّجه نحوي أيضًا ، لكن لم يهمّني ذلك.
في النهاية لم تهدأ الفوضى عند المدخل إلا بعد أن خرج المدير.
غادرت صوفيا مع مجموعتها المنكمشة كجيشٍ مهزوم.
لا تزال صوفيا لا تفهم طبيعة هذا الوسط إطلاقًا.
راقبتُ المدير و هو يعتذر للنبلاء الذين كانوا ينتظرون عرباتهم ، و ابتسمتُ بخفّة.
سيُمنَعن من الدخول على الأرجح.
“لن يتكرّر مثل هذا الأمر ، يا سيّدتي. من أجل سمعة المطعم أيضًا يجب أن نُقصي مَنٔ ينبغي إقصاؤه.”
وصلت عربتي في الوقت المناسب ، فغادرتُ المكان بشعورٍ مريح.
* * *
منذُ ذلكَ اليوم ، انتشرت شائعة تعرّض صوفيا للإهانة أمام المطعم و وصلت إلى بنك غراهام في غضون نصف يومٍ فقط.
كنتُ أعلم أنّ ذلكَ سيحدث.
منذُ دخولها قصر غراهام ، راحت صوفيا تنغمس في بذخٍ لا يليق بمقامها.
إذا كان حدسي صحيحًا ، فالفساتين التي ارتدتها مرافِقاتها أمس كانت مستعارةً منها.
كانت صوفيا كثيرًا ما تدعو صديقاتها إلى القصر و تعطيهنّ الملابس بسخاءٍ أو تعيرهنّ إيّاها.
و من بين النساء اللواتي التقيتهنّ أمام المطعم ، كانت هناك واحدةٌ مألوفةٌ لي.
حتّى عندما كانت تأتي إلى قصر غراهام ، كانت تتظاهر بأنّها نبيلة و تحتقرني.
‘في النهاية هما فقط يتشاركان الاسم في سجل العائلة ، يا صوفيا. أليس من الطبيعيّ أن تكوني أعلى شأنًا من تلكَ المرأة؟’
‘بالطبع ، بالطبع. أنا أيضًا أظنّ ذلكَ يا صوفيا. فكّري في الأمر. الرجل يضع أبناءه في الأولويّة. انظري إلى تلكَ المرأة. هل لديها ابن؟ أم ابنة؟ أنتِ مَن لكِ الأولويّة.’
لقد انتقمتُ لِذلك اليوم أمام المطعم بشكلٍ مُرضٍ.
من دون أن ألوّث فمي أو يديّ ، مستخدمةً الآخرين.
أنا ممتنّة لكلّ نبيلٍ قاتل نيابةً عنّي.
على أيّ حال ، كان اليوم موعد لقاء العملاء القدامى لبنك غراهام ، لذا زرتُ المطعم بمزاجٍ جيّد.
مرّت ثلاثة أيّامٍ منذ لقائي ببالدوين.
و حاليًا كان هيريس يراجع مقترح مشروع سفينةٍ سياحيّةٍ أُرسِل من قِبَل كونستانتين.
و إضافةً إلى ذلكَ كان يحسب الأرباح المتوقّعة لنا و تلكَ التي ستُوزَّع على المستثمرين بعد تعديل نسبة توزيع الأرباح.
بعد أربعة أيّامٍ سأعود إلى هنا مرّةً أخرى.
“أراكَ كثيرًا هذه الأيّام ، باتريك.”
“يسعدني أن أرى السيّدة بكثرة. و آمل أن يكون الشعور متبادلًا.”
غطّيتُ فمي و ابتسمتُ بخفّة.
“أودّ أن أعتذر عن الفوضى التي حدثت قبل ثلاثة أيّام. يبدو أنّ المطعم لم يُحسِن إدارة الزبائن ممّا سبّب للسيّدة حرجًا.”
“لا ، ذلكَ ليس خطأكَ يا باتريك. إنّه خطأ الشّخص الذي منحَ السلطة لمَنْ لا يستحقّها.”
عدم الردّ على مثل هذه الكلمات هو سلوك مدير مطعمٍ راقٍ بحقّ. و كانت طريقته في إرفاق ابتسامةٍ لا تُفسِد المزاج مثاليّةً أيضًا.
“أرجو أن تهتمّ بوجبة اليوم جيّدًا يا باتريك. إنّه يوم وصول ضيوفٍ مهمّين. هل وصل أحدهم مسبقًا؟”
“لا أحد بعد. سأرشد السيّدة إلى المقاعد التي تمّ إعدادها.”
“شكرًا لك.”
تبعتُ باتريك إلى المقاعد.
كانت الطاولات مُعدّةً بإتقانٍ في قاعةٍ واسعةٍ تناسب أذواق النبلاء القدامى.
وُضع في الوسط عنصرٌ زخرفيٌّ فاخرٌ ، و أضافت الشموع المتمايلة بلطفٍ جوًّا دافئًا.
إنّه تمامًا على ذوقهم الكلاسيكيّ.
أطلقتُ زفرةً عميقةً لأخفّف توتّري.
لم أستطع تخمين كيف ينظرون إليّ بعد طلاقي من الماركيز إيغبرت.
أنا الوريثة التي اختارها جدّي الراحل ، و إيغبرت هو حفيده الوحيد.
“هاه.”
عندما ورّثني جدّي البنك ، قال لي: ‘فقط تأكّدي ألّا يُفلِس.’
لم يكن ينوي إقناع أصدقائه نيابةً عنّي.
هذا الجانب منه يشبهه حقًّا.
كان يمنح الفرصة ، لكنّه لا يمهّد الطريق.
انتظرتُ الضيوف بشيءٍ من القلق.
كان عدد المدعوّين اليوم عشرة أشخاص. إنّهم مَنٔ أحسنوا إلى بنك غراهام حتّى نما ليصبح بنكًا ضخمًا. يُطلَق عليهم لجنة غراهام.
مرّ الوقت ببطءٍ.
لكن مهما مرّ من وقت ، لم يُفتَح الباب المغلق.
ربّما لم تصل الدعوات؟
لم يتغيّب أحدٌ منهم عن الاجتماعات الدوريّة من قبل.
ابتلّ ظهري من التوتّر.
كان الخادم وحده يتنقّل بوجهٍ مرتبك.
بعد مرور ثلاثين دقيقةً على الموعد ، فُتح الباب أخيرًا.
دخل شخصان فقط بوجوهٍ باردة.
“آه! الكونتيسة آيبل ، و الكونت سايمون!”
“لا داعي لكلّ هذا الترحيب ، يا سيّدتي.”
قال الكونت سايمون ببرود.
ثمّ نظر إلى الغرفة الخالية و قال:
“جئتُ فقط لأنّ لديّ ما أقوله. لقد أتيتُ احترامًا لسيزاريس الرّاحل فحسب.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 14"