شعرتُ بإرهاقٍ مفاجئ.
وجه متعالٍ و جسد مائل إلى الخلف تمامًا.
نظرةٌ ملحّة تتفحّصني. كان من الواضح أنّه لا يعاملني كشريكة متكافئة في العمل، بل كشخصٍ أدنى منه.
“في الحقيقة، أنا أعرف جيدًا سمعة بنك غراهام، لكن ذلك كله عندما يكون تحت ظلّ العائلة، أليس كذلك؟”
أن يأتي شخصٌ لاقتراض المال و يتصرّف بتلك الوقاحة الواثقة… ضحكةٌ ساخرة كادت تفلت منّي.
في الحقيقة، لم يكن من العدل إلقاء اللوم على الفيكونت سيترا وحده.
فمعظم الذين جاءوا خلال الأيام القليلة الماضية بحجّة استشارة قرضٍ كانوا هكذا.
يصرّون بعناد على مقابلة رئيسة البنك شخصيًا و يزعجون الموظفين، ثم عندما يلتقون بي يتصرّفون بهذه الطريقة.
ما الأمر؟ هل اتفقتم جميعًا مسبقًا؟ حتّى العبارات نفسها متطابقة.
“أليس البنك الآن مجرّد خزنة ادّخار مليئة بالمال؟ اتركي الحكم على جدوى المشاريع لأمثالي. من البديهي أنني جئتُ بخطة عملٍ تستحقّ التمويل.”
مرّر الفيكونت سيترا يده في شعره.
سمعتُ أنّ الفيكونت السابق توفي مؤخرًا و أن الابن الثاني ورث اللقب.
كان الابن الأكبر قد توفي، أما الثاني فقيل إنه طائش. و هو يدّعي انه يفهم الأعمال؟
“و ما المشروع الذي خططتَ له؟”
“حسنًا…”
أطال نهاية كلمته و هو يرمش، ثم ابتسم لي ابتسامةً لزجة.
“لديّ عدة مشاريع. ما رأيكِ أن نغيّر المكان إن أردتِ سماع التفاصيل؟”
ثم مسحني بنظرةٍ ذات إيحاءٍ واضح.
“إذًا، أنتَ لا تملك أي خطة عملٍ حقيقية.”
خرج صوتي باردًا من تلقاء نفسه.
“سأعتبر أنّ عرضكَ لم يُقدَّم أصلًا.”
لم أعد أرغب حتّى في تبادل كلمةٍ أخرى معه. لماذا هم جميعًا بهذا الشكل؟
لأن وريثة بنك غراهام امرأة شابة، بدأ الناس يتجاوزون عتبة هذا البنك الضخم بسهولة.
“إلى أين! اجلسي فورًا!”
رفع صوته و أمسك معصمي بقوة محاولًا جذبي، لكنني أفلتُّ نفسي بسهولة.
لقد تعلّمتُ عدة تقنيات للدفاع عن النفس، فهل أعجز عن التعامل مع شخص هزيلٍ كهذا؟
صحيح أنّ بنيتي الضعيفة الموروثة عن أمي منعتني من التعمّق في فنون القتال أو المبارزة. لكن، لو كان جسدي قويًا، لكنتُ حصدتُ كل بطولات المبارزة في إِستوس!
“آآه!”
لوَيتُ معصمه الذي حاول الإمساك بي مجددًا، فصرخ تلقائيًا.
“آآآآه! مؤلم! مؤلم! ستقتلني! أنقذوني!”
أخذ الفيكونت سيترا يصرخ كخنزيرٍ يُذبح.
فُتح الباب و دخل موظفو البنك.
منذُ أن أصبحتُ مالكة بنك غراهام و بدأتُ العمل، يحدث هذا تقريبًا يومًا بعد يوم. هزّوا رؤوسهم بأسى و سحبوه إلى الخارج.
“هاه…”
تنهدتُ بعمق و غرقتُ في الكرسي.
إنّهم يحكمون فقط على ما يظهر على السطح. منذ وفاة الماركيز السابق لغراهام، كنتُ أنا مَنٔ يدير البنك بالكامل.
هل يظنون أنّ كل تلك الإنجازات قام بها إيغبرت؟ أم أنّني أبدو سهلة لهذا يحاولون اختبار حدودي؟
“مثيرٌ للاشمئزاز.”
يجب أن أعيّن مساعدًا ضخمًا مخيف المظهر… يكفي أن يرى الناس عضلات ذراعيه ليقولوا “يا أمي!”
* * *
بدافعٍ من عزيمةٍ قوية، دخلتُ حرم الأكاديمية و انتزعتُ المساعد الذي أريده.
كان حفل التخرج يبدأ في الحادية عشرة، لكن دخول المدعوين يبدأ من التاسعة. جلستُ في المقعد و أنا مطمئنة للغاية.
حتى مجرّد رؤية مساعدي خلفي جعلتني سعيدة. و بينما كنتُ أنتظر بدء الحفل، امتلأ المقعد الفارغ بجانبي.
في تلكَ اللحظة، انتشرت رائحةٌ منعشةٌ ناعمة.
بدت مألوفةً بشكلٍ غريب.
أدرتُ رأسي دون وعي.
“آه.”
مال الرجل برأسه نحوي قليلًا. كان بالدوين….كانت هذه هي المرّة الأولى التي أراه فيها منذ الحفل.
صحيح… لا بدّ أنّ دعوةً أُرسلت أيضًا إلى عائلة كونستانتين.
“مرّ وقت طويل يا صاحب السموّ. كنتُ ممتنّة حقًا لما فعلته في ذلك اليوم…”
كان بالدوين يحدّق في شفتيّ. أعلم أنّه يقرأ كلامي، لكن المسافة قريبة جدًا.
و فوق ذلك، بدا نظره ثقيلًا بطريقةٍ ما.
أهداب ذهبية تُظلّل عينيه البنفسجيتين كحجر الجمشت.
هذه المرة الأولى التي أراه فيها بهذا القرب.
أخرج دفتر ملاحظات و قلم حبر بحركةٍ منضبطة.
حتى هذه الحركة البسيطة بدت مميزة… ربّما لأنه بالدوين.
[و ماذا بعد؟]
“آه.”
يبدو أنني شرَدتُ. ابتسمتُ بحرج و أكملت.
“أودّ أن أردّ لك الجميل، يا صاحب السموّ.”
بالطبع، الامتنان مهم… لكن إقامة علاقةٍ جيدة مع عائلة كونستانتين في هذا التوقيت كانت خطوةً محسوبة أيضًا.
[سأزور بنك غراهام قريبًا. ربّما يمكننا تناول العشاء في ذلك اليوم.]
بنك غراهام؟
الآن قد تذكّرتُ… سمعتُ أن شخصيةً مهمة حدّدت موعدًا. و بسبب غياب المساعد، كان الموظفون يتولّون الحجوزات.
لم تصلني بعض التقارير جيدًا.
ظننتُ أن الأمر سيُحل قريبًا فلم أهتم.
إذًا كان ذلك اتصالا من كونستانتين.
خفق قلبي قليلًا.
“سأحجز مطعمًا فاخرًا. أنتَ مرحّب بكَ دائمًا في أي وقت.”
أومأ بالدوين برأسه قليلًا.
من المدهش أن التواصل معه طبيعي تمامًا رغم أنه لا يسمع.
كم من الجهد يحتاج المرء ليصل إلى هذا المستوى من السلاسة؟
حتى عندما نظرتُ إليه خلسةً من الجانب، بدا وسيمًا بشكلٍ مثالي.
خلال زواجي، سمعتُ عنه كثيرًا، خاصةً لأن إيغبرت كان يذكره باستمرار.
‘ما الذي يجعله مميزًا إلى هذا الحد؟ أي واحد هو الأفضل بيننا برأيكِ يا أنايس، أنا أم هو؟’
‘بعيدًا عن لقب الدوق، ما الذي يميّزه؟’
‘أخبريني يا أنايس، لماذا يمدح الناس ذلك الأصم الأحمق إلى هذا الحد؟!’
لا أعرف لماذا كان يحمل كل هذه الغيرة تجاهه.
ربّما لذلك لم أشعر بالغربة. الغريب فقط هو جلوسه قريبًا مني هكذا. و ربّما لم يكن ذلك مقصودًا.
فهو أطول مني بكثير و أعرض كتفين. سمعتُ أن أسلاف عائلته كانوا بحّارة، لذا بنيته قوية.
في تلك اللّحظة تلامست أقدامنا.
حتى لو حاولتُ تجاهل الأمر، لم أستطع. سحبتُ قدمي سريعًا داخل الفستان و ثبّـتُّ نظري إلى الأمام.
تنفستُ ببطء محاوِلةً التركيز على الحفل.
لكن ذكرى من الماضي طفت على السطح.
يوم لقائنا الأول.
* * *
شعرتُ و كأن جسدي كله منقبض من التوتر. دخلتُ الأكاديمية بدعم جدّي، لذا كان عليّ أن أنجح في كل شيء.
فالانطباع الأول هو الأهم.
عضضتُ شفتي بإحكام و تنهدتُ بعمق. تطوعتُ للإرشاد كي أترك انطباعًا جيدًا لدى الأساتذة.
كلّ من درجاتي و سلوكي سيصلان إلى جدّي.
لم أرد أن أخيّب ظنه و لو قليلًا.
سقط ظلّ طويل فوقي. فقمت بإلقاء تحية تلقائيًا.
“مرحبًا! سأرشدك إلى قاعة كينيث حيث سيقام الحفل!”
تحدثتُ كثيرًا من دون أن يتم سؤالي. نظرة الرجل الصامتة جعلت ذهني يفرغ.
“تابع السير من هنا ثم انعطف يمينًا….”
و عندما انتهيت من الشرح، رأيته بوضوح.
بالدوين كونستانتين.
أحد أشهر شخصيات إمبراطورية إِستوس. السيد التعيس الذي أصبح سيّد عائلة كونستانتين في سنٍ مبكرة… و الذي لا يسمع.
جـفّ فمي من التوتر.
ماذا أفعل؟
يجب أن أكون مهذبة قدر الإمكان.
“أنا أتحدث بسرعة قليلًا… أحاول إصلاح ذلك لكنني لا أنجح. إذا احتجتَ إلى الشرح مجددًا… أو يمكنني مرافقتك بنفسي، فالطريق معقد قليلًا.”
أومأ بالدوين.
في ذلك الوقت، لم أفكر إلا بضرورة أداء المهمة جيدًا. ظللتُ أركّز على الرجل الذي يمشي خلفي.
هل خطواتي مناسبة؟ هل هو مرتاح؟ هل يظنّني غريبة؟
“هذه قاعة كينيث! تهانينا على التخرج!”
انحنت زاوية عينيه قليلًا. قيل إنه لا يبتسم، لكن نسيمًا دافئًا مرّ في قلبي.
لقد نجحت! شعرتُ بارتياحٍ عظيم___
“آه…”
تسرّب أنين من شفتيّ.
فالخريج الذي درس في الأكاديمية لن يجهل موقع قاعة كينيث أصلًا___
يا لي من غبية!
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"