“أليس من المفترض ألّا تكون ابنتك؟”
كادت تلك الكلمات تخرج من فمي لا إراديًّا حين رأيت نظرة كاين غير المطمئنّة، لكنّي تماسكت بصعوبة.
“…نعم، ولكن ما الأمر؟”
والآن بعد أن فكّرت في الأمر، فقد انشغلتُ كثيرًا بإتمام العقد لدرجة أنّني لَمْ أشرح لكاين بعد العلاقة بيني وبين ميلودي.
يبدو أنّ كاين افترض بطبيعة الحال أنَّ مرشَّحة القدّيسة هي أختي الصغرى.
‘حسنًا… هذا مفهوم.’
فأنا لستُ كبيرة في السنّ أصلًا.
وفي الحقيقة هذا سوء فهمٍ يحدث كثيرًا.
أنا وميلودي متشابهتان للغاية، لذلك يظنّ الجميع تلقائيًّا أنّنا من العائلة، لكنهم يخطئون فيظنّونها أختي.
ومع ذلك لَمْ يكن هذا الأمر مشكلةً من قبل.
إذ كان يكفي أنْ أصحّح لهم فورًا وأقول إنّها ابنتي…
‘لكن لماذا الآن…؟’
لَمْ تخرج الكلمات من فمي بسهولة.
مع أنّ وجه كاين كان خاليًا من التعبير، فإنّ نظراته لم تكن عاديّة.
ذلك البريق الوقور في عينيه بدا وكأنّه تلقّى ضربةً على رأسه.
‘ربّما أنا أتوهّم…؟’
فالشخص الذي أمامي هو دوق التنانين البارد الذي لا يملك عواطف.
ربّما لو كان هذا في أواخر القصة الأصلية حين يصبح أبًا مغرمًا بابنته لكان الأمر مختلفًا، لكن الآن لابُدَّ أنّه مجرّد شعورٍ منّي.
لهذا قرّرتُ أنْ أشرح الأمر بوضوح.
“ميلودي ابنتي. وأنا أربيها وحدي.”
“وحدكِ؟”
“نعم.”
“وأين زوجكِ إذًا؟”
“أمم… في الواقع أنا غير متزوّجة…”
“هاه؟ غير متزوّجة؟”
كنتُ أحاول تبديد حيرته، لكن يبدو أنّني زدتُها بدلًا من ذلك.
فقد اهتزّت نظراته بطريقة يصعب وصفها.
“أمّاه؟”
حتى ميلودي شعرت بالجوّ الغريب، فشدّت طرف ثوبي.
“مم. لا شيء. مجرّد حديثٍ بين الكبار.”
“أوو!”
أومأت ميلودي برأسها كما لو أنّها فهمت، لكن رأسي أنا كان في حالة طوارئ.
آه، لقد وقعتُ في ورطة.
أنا أعرف هذا النمط جيّدًا.
بعد لحظة سيأتي السؤال الغاضب عمّا يفعله والد الطفل حتّى أضطرّ لتربيته وحدي.
‘ماذا أقول؟ هذا السؤال يضعني دائمًا في موقفٍ صعب.’
لقد مرّ عامٌ كامل منذ بدأتُ أتظاهر بأنّني أمٌّ عزباء، ومع ذلك لم أعتد مثل هذه المواقف أبدًا.
‘آه… يجب أنْ أقول شيئًا.’
يمكنني ببساطة أنْ أقول إنّ زوجي تخلّى عنّي أو إنّه توفّي، لكن الكلمات لم تخرج.
لأنّني لستُ بارعةً في اختلاق قصصٍ من العدم.
‘كما أنّني أشعر بالذنب كأنّني أجعل والد ميلودي الحقيقي رجلًا حقيرًا…’
مع أنّ الرواية الأصلية لم تذكره أبدًا، ولا أعرف أيَّ نوعٍ من الناس كان، إلا أنّ قلبي انقبض قليلًا.
هل أخبر كاين بالحقيقة إذًا؟
راودتني تلك الفكرة للحظة، لكنّي هززت رأسي.
كون ميلودي ليست ابنتي البيولوجية بل ابنةً بالتبنّي كان سرًّا بيني وبينها فقط.
ولَمْ أرد أنْ أكسر وعدي لها لأيِّ سببٍ كان.
في الحقيقة كان هناك سببٌ طويل جعلني أتظاهر بأنّني والدتها الحقيقية.
فأنا الآن عامّةٌ من الشعب، لكنّي في الأصل كنتُ ابنةً بالتبنّي في بيت مركيز دوبوروا.
وكما يحدث غالبًا مع البنات المتبنّيات في الروايات، كانت عائلتي تكرهني.
كانوا يحبسونني ويجوّعونني ويضربونني.
‘وفي النهاية حاولوا بلا خجل أنْ يبيعوني زوجةً خامسةً لسيّدٍ عجوز في الريف.’
لقد التقيتُ ميلودي في اليوم نفسه الذي أُبلغتُ فيه بذلك الزواج.
طفلةٌ ذات شعرٍ ورديّ كانت تبكي وترتجف تحت المطر.
وفي اللحظة التي رأيت فيها آثار التعذيب المنتشرة على جسدها الصغير، شعرتُ وكأنّني أنظر إلى نفسي في طفولتي.
لماذا؟ لا أعرف.
لكنّ الأمر بدا لي كأنّه قدر.
‘حين أفكّر الآن، ربّما كان السبب أنّني أعرف القصة الأصلية… لكن على أيّ حال أنا سعيدة أنّنا التقينا في ذلك اليوم.’
لقد عالجتُها فورًا وقرّرتُ أنْ نصبح عائلة.
لكن المشكلة كانت في قانون الإمبراطورية.
فهو غير منصفٍ كثيرًا للبنات المتبنّيات.
فلو ظهر شخصٌ ما وادّعى أنّه والد ميلودي الحقيقي، فسأُجبر على تسليمها.
حتى لو كانوا أشخاصًا قد أساؤوا معاملتها.
‘إذًا لماذا لا أصبح أنا أمّها الحقيقية ببساطة؟’
الآن أعرف من القصة الأصلية أنّ آثار التعذيب كانت بسبب المعبد.
لكن في ذلك الوقت كنتُ أظنّ أنّ والديها الحقيقيين أشخاصٌ مريبون.
لهذا اتّخذتُ قراري دون تردّد.
ولحسن الحظ كنّا متشابهتين بشكلٍ مدهش.
لذلك لم يكن الأمر صعبًا.
وبالفعل لم يشكّ أحد في علاقتنا.
حتى عائلتي نفسها.
صحيح أنّهم تساءلوا متى أنجبتُ طفلًا، لكن بما أنّهم لَمْ يروا وجهي كثيرًا لأكثر من عامٍ في بعض الفترات، فقد تجاوزوا الأمر بسهولة.
ومنذ ذلك الحين سارت الأمور بسلاسةٍ مدهشة.
فبمجرد انتشار خبر أنّني أمٌّ عزباء، أُلغي الزواج الذي كان مقرّرًا لي فورًا.
‘كنتُ أخطّط للهرب أصلًا… يا سلام!’
بل إنّ أفراد عائلة المركيز الذين كنتُ أكرههم طردوني من العائلة.
ودون أيّ معركةٍ قانونيّة معقّدة، شُطِب اسمي من سجلّ العائلة.
‘كلُّ ذلك بفضل هذه الصغيرة اللطيفة.’
نظرتُ إلى ميلودي.
كنتُ فقط أريد أنْ نصبح عائلة، لكنّ مشاكلي التي أقلقتني طوال حياتي اختفت فجأة.
ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش متظاهرةً بأنّني أمّها الحقيقية.
إذًا الخلاصة هي…
أنا أتظاهر بأنّني أمٌّ عزباء، وفعليًّا أنا كذلك قانونيًّا…
لكن في الأصل لا يوجد أيُّ رجلٍ حقيرٍ تركني.
ما إنْ انتهت ذكرياتي حتى خرجت منّي تنهيدة.
هاه…
‘إذًا ماذا أقول له…؟’
مهما فكّرت لم أجد جوابًا.
وفي النهاية كما أفعل دائمًا، أطبقتُ شفتيّ بإحكام.
ثمّ نظرتُ إليه بأكثر تعبيرٍ حزينٍ أستطيع إظهاره.
لم يكن تمثيلًا.
لأنّ…
‘آه… أنا حزينة حقًّا.’
فمجرّد التفكير في أنّني سأواجه مواقف مشابهة كثيرًا في هذا القصر جعل عينيّ تمتلئان بالدموع.
وفي اللحظة التي انتهيتُ فيها من ترتيب أفكاري…
فتح كاين فمه كما لو أنّه على وشك طرح السؤال المتوقّع.
“إذًا ماذا يفعل والد الطفلة أصلًا—”
خشيتُ أنْ تسمع ميلودي الحديث، فسددتُ أذنيها بيدي.
ثم نظرتُ إلى كاين بعينين دامعتين.
“ذلك…”
“نعم؟”
“لا شيء.”
ماذا؟
كان هذا أوّل مرّة يحدث فيها ذلك.
شخصٌ لا يسأل عن والد الطفلة!
لا أعرف السبب، لكنّي كنتُ ممتنّةً لذلك.
واختفت دموعي فورًا.
“لقد تأخّر الوقت. سأطلب من الخدم أنْ يرشدوكِ، فاذهبي لترتاحي.”
“شكرًا على اهتمامك!”
أومأ كاين برأسه قليلًا، ثم غادر الغرفة.
‘هل كانت خطواته دائمًا بهذه السرعة؟’
كانت خطواته السريعة تبدو كأنّه يحاول كبح غضبه بصعوبة.
—
في تلك الليلة، داخل مكتب دوق آشِلن.
“لقد انتهينا من التحقيق الذي أمرت به بشأن الآنسة فيولا.”
توقّف القلم الذي كان يتحرّك بلا توقّف أخيرًا عند تقرير كونراد.
أمر كاين بصوتٍ بارد.
“تكلّم.”
“وفق نتائج التحقيق، لا يبدو أنّها جاسوسة. لكن… يبدو أنّ حياتها كانت قاسية إلى حدٍّ ما.”
“ماذا تقصد؟”
“هي الآن من العامّة فعلًا، لكنّها كانت في الأصل ابنةً بالتبنّي لعائلةٍ نبيلة. يُقال إنّ المركيز الراحل دوبوروا تبنّى يتيمةً من الشارع.”
كان كاين يعرف من يكون ذلك المركيز.
فقد كان الحارس القديم للأميرة الإمبراطورية الراحلة.
وعندما أصبح مركيزًا ترك منصبه وعاد إلى إقطاعيته، لكنّه اشتهر بطيبته وسمعته الحسنة.
“المشكلة أنّ العائلة التي بقيت بعد وفاته أظهرت حقيقتها. ومنذ ذلك الحين تعرّضت لسوء معاملةٍ شديد.”
ارتجف جسد كاين قليلًا.
ودون أن يشعر شدّ قبضته.
لكن كونراد تابع تقريره غير مدركٍ لذلك.
“يبدو أنّها تعلّمت الصيدلة بنفسها بسبب تلك الظروف. إذ كانت الإساءة إليها شديدة لدرجة أنّ بعض الخادمات لم يستطعن تحمّل الأمر، فكنّ يهرّبن لها الأعشاب الطبيّة…”
وبقيّة القصة كانت هكذا.
فقد مُنعت فيولا الصغيرة، التي دمّرها التعذيب، حتى من رؤية طبيب العائلة.
والخادمات اللواتي أشفقن عليها كنّ يستطعن إعطاءها الأعشاب فقط، لكنّهن لم يعرفن شيئًا عن الصيدلة.
لذلك اضطرت فيولا منذ صغرها إلى دراسة الأعشاب سرًّا بمفردها.
وفي البداية كانت سيئةً في ذلك، لكن مع الوقت أصبحت ماهرةً لدرجة أنّها صارت تعالج الخادمات أيضًا.
“وكيف طُردت من العائلة؟”
“يبدو أنّ عائلة الماركيز حاولت بيعها محظيّةً لشخصٍ ما. وعندما وصلت إلى حدّها كشفت أنّها أنجبت طفلًا سرًّا. وبسبب ذلك طُردت من العائلة.”
هاه.
خرجت من فم كاين ضحكةٌ ساخرة بدل الكلام.
“وأين كان والد الطفل في تلك اللحظة المهمّة؟”
تردّد كونراد قليلًا قبل أن يجيب بصوتٍ حذر.
“في الواقع… لقد اختفى تمامًا.
ولم يظهر في أيّ مكان.”
طَقّ.
انكسر القلم الذي كان كاين يمسكه نصفين داخل يده.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"