5
### الفصل الخامس: شذىً وجمال
على جانبٍ آخر، كانَ هناكَ مَن تلقَّى حديثَ ريدنبرغ وهيروند بصدمةٍ زلزلتْ كيانَه.
إنها لوسي، خادمةُ قلعةِ ملكِ الشياطينِ؛ كانت تقفُ في زاويةٍ من القاعةِ بصمتٍ مطبق، بينما عيناها البنيتانِ الفاتحتانِ ترتعدانِ ذهولاً وهي تراقبُ الرجلينِ.
حدَّثتْ نفسَها قائلةً:
‘أجنَّ كلاهما؟’
إنَّ تقديمَ تنينٍ كهديةٍ لن يجلبَ لهُ الودَّ أبداً، بل سيجعلُ الطرفَ الآخرَ يعاملهُ كمجنونٍ لا محالة، حتى وإن لم تكن تلكَ المرأةُ بشريةً، بل من بني الشياطينِ أنفسِهم.
حاولتْ لوسي كبحَ جماحِ لسانِها والبقاءَ هادئةً، لكنها لم تستطعِ الصمودَ أكثرَ من ذلك، فانبرتْ تخاطبُ سيدَها بحذر:
“عذراً.. يا مولاي، ما رأيُكَ لو تهديها زهوراً عوضاً عن التنين؟”
“زهور؟ الزهورُ تملأُ الأرجاءَ بمجردِ الخروجِ من هنا، فما الداعي لتقديمِها كهدية؟”
“لأنَّ شذاها فواحٌ ومظهرَها جميل.”
“شذىً وجمال؟”
أمالَ ريدنبرغ رأسَه بتعجب.
“أليسَ التنينُ كذلكَ أيضاً؟”
“…… عفواً؟”
“حراشفُ التنينِ الأسودِ فاتنةٌ للغاية، أليسَ كذلك؟ فضلاً عن أنَّ دمَه يفوحُ بعطرٍ أخاذ.”
أومأَ هيروند برأسِه موافقاً بحماس:
“بالتأكيد! كما أنهُ أضخمُ بكثيرٍ من مجردِ زهرة!”
‘أيُّ منطقٍ أعوجَ هذا الذي يجعلُ أحدهم يضعُ الزهورَ والتنانينَ في كفةٍ واحدة؟’
لجمتِ الدهشةُ لسانَ لوسي، فخانتها الكلماتُ. تمنتْ لو تجادلُهما في تلكَ اللحظة، لكن هيهات؛ فمرتبةُ هيروند تفوقُها بمراحل، ناهيكَ عن وجودِ ملكِ الشياطينِ نفسِه.
لذا، حاولتْ إقناعَهما بمنتهى الرقةِ واللين:
“ومع ذلك، ألا تظنُّ أنَّ تلقيَ هديةٍ ضخمةٍ كالتنينِ فجأةً قد يشكلُ عبئاً عليها؟”
لم يكن ريدنبرغ ولا هيروند يمتلكانِ ذرةً من المنطقِ البشريِّ الذي يُدركُ أنَّ المرأةَ لن تسعدَ بتلقي تنينٍ كهديةٍ. كانَ من الأفضلِ إقناعَهما بحجةٍ تبدو منطقيةً لديهما بدلاً من محاولةِ شرحِ طبائعِ البشر.
“همم، كلامُكِ معقول.”
هل نجحتِ المحاولة؟
“إذاً، عليَّ تقطيعُه قبلَ أخذِه إليها.”
“ماذا……؟”
“بما أنَّ الحجمَ هو العائق، فالحلُّ هو تجزئتُه، أليسَ كذلك؟”
لم يخطرْ ببالِ لوسي قط أنَّ ريدنبرغ سيفهمُ عبارةَ “هدية ضخمة” بمعناها الحرفيِّ الماديِّ؛ أي كِبَرِ الحجم!
“حقاً يا سموَّكَ، أنتَ حكيمٌ كالعادة!”
ابتسمَ ريدنبرغ برضا حين أيدَه هيروند بلهفةٍ، بينما شعرتْ لوسي بدوارٍ يكادُ يفقدُها الوعي.
—
دوووم-!
دوى صوتٌ صاخبٌ خارجَ منزلِ إيهيلي. اهتزتِ الأرضُ كأنَّ شيئاً ثقيلاً قد سقطَ عليها بعنف.
دوووم-!
لم يتوقفِ الأمرُ عند المرةِ الأولى.
دوووم! دوووم!
“ماذا يحدث؟”
كانَ الصوتُ قادماً من جهةِ الغابةِ القريبة. فتحتْ إيهيلي البابَ بحذرٍ وخرجت، وما إن وطئتْ قدماها الخارجَ حتى انقطعَ ذاك الرنينُ المجهول.
“خُيلَ إليَّ أنَّ الصوتَ من ذاك الاتجاه……”
سارتْ إيهيلي بخطىً وئيدةٍ نحو مصدرِ الصوت، لكنها تجمدتْ في مكانها فورَ رؤيتها لذاك الشيءِ العملاقِ الذي استقرَّ أمامَ ناظريها.
فوقَ أرضٍ غارقةٍ في الدماء، رقدَ تنينٌ هائلٌ تغطي الحراشفُ السوداءُ كاملَ جسدِه.
أو بدقةٍ أكثر، كانت هناك جثةُ تنينٍ قُطعتْ أوصالُها من الرأسِ والقوائمِ إلى الأجنحةِ والذيل.
وإلى جانبِ تلك الجثة، وقفَ رجلٌ تلطخَ بالدماءِ من أخمصِ قدميهِ حتى رأسِه.
إنهُ ريك.
“إيهيلي، إليكِ…… الهدية……”
كانَ ريك يتحدث، لكنَّ كلماتِه لم تجدْ طريقاً لأذني إيهيلي؛ لم تكن في حالةٍ تسمحُ لها باستيعابِ حديثِه.
فالمشهدُ الذي كان من المستحيلِ تحملُه، صدمَ عينيها دونَ سابقِ إنذار، فلم تقوَّ حتى على الصراخِ قبلَ أن تغيبَ عن الوعيِ وتسقطَ مغشياً عليها.
—
“إيهيلي!”
أسرعَ ريدنبرغ لاحتضانِها قبلَ أن يرتطمَ جسدُها بالأرض.
في تلك اللحظةِ الخاطفة، رأى الرعبَ الكامنَ في عينيها الزرقاوين.
لحسنِ الحظ، لم يكن ريدنبرغ شيطاناً عديمَ الملاحظة، رغمَ كونِه جاهلاً بأمورِ الحب.
فبمجردِ رؤيةِ وجهِ إيهيلي، أدركَ بسرعةٍ فائقةٍ أنها لم تُعجبْ أبداً بتلك القطعِ الفاخرةِ من التنينِ التي قطعَها لها بعناية.
ومن زاويةٍ أخرى، كانَ فقدانُها للوعيِ أمراً جيداً؛ لأنهُ لم يمنحْها فرصةً لاستيعابِ فظاعةِ الموقف.
‘ماذا أفعلُ الآن؟’
لقد رأتْ إيهيلي بالفعلِ تلك الهديةَ الشنيعة.
هل يقومُ بإزالتِها بسرعةٍ ويتظاهرُ وكأنَّ شيئاً لم يكن؟
لكنَّ إيهيلي كانت تمتلكُ حساً ثاقباً بشكلٍ غريب؛ ومحاولةُ الإنكارِ قد تجلبُ لهُ مزيداً من الشكوك.
“سحقاً.”
ما كانَ عليهِ أن ينقادَ وراءَ نصائحِ ذاك الأحمقِ هيروند، الذي لم يذقْ طعمَ الحبِّ طوالَ حياتِه.
مررَ ريدنبرغ يدَه عبرَ شعرِه بعنفٍ وهو يُعملُ عقلَه بسرعة.
‘لا مفرَّ إذاً.’
فكرَ في نفسه؛ تباً لـ “سحر التناقض” ولكلِّ شيء.
بدلاً من التذبذبِ والوقوعِ في الخطأ، فمن الأفضلِ الحفاظُ على اتساقِ شخصيتِه تماماً.
—
“هل استعدتِ وعيَكِ؟”
بمجردِ أن فتحتْ عينيها، رأت ريك بهيئتِه المهندمة.
‘أينَ أنا……’
كانت إيهيلي مستلقيةً على سريرِ غرفتِها. يبدو أنَّ ريك هو مَن نقلَها إلى هنا أثناءَ غيابِها عن الوعي.
رمشتْ بعينيها بذهولٍ قبلَ أن تتصلبَ مكانَها.
هذا الرجل، ألم يكن غارقاً في الدماءِ قبلَ قليل؟
“ريك، أنت…… ألم تكن ملطخاً بالدماءِ منذُ قليل؟”
ترددَ ريك للحظةٍ قبلَ أن يجيب:
“لقد بدا لي أنكِ صُدمتِ بشدةٍ من منظري؛ لذا، ورغمَ علمي بأنني أتجاوزُ حدودي، استعرتُ الحمامَ لأغسلَ تلك الدماء. أنا آسف.”
آه، هكذا إذاً.
أومأتْ إيهيلي برأسِها، لكنها سرعان ما تذكرتْ أمراً أكثرَ أهمية.
“صحيح، لقد رأيتُ تنيناً بجانبِكَ قبلَ قليل……”
نهضتْ إيهيلي فجأةً وهرعتْ خارجَ المنزلِ لتتأكدَ إن كانَ ما رأتْه حقيقةً أم خيالاً.
“انتظري لحظة، إيهيلي……!”
ورغمَ محاولاتِ ريك لمنعِها، اصطدمتْ عيناها مجدداً بذلكَ المشهدِ المروع.
لم تكن واهمة؛ فالتنينُ المقطعُ لا يزالُ رابضاً في مكانِه القريب.
“أووووه!”
“إيهيلي، هل أنتِ بخير؟”
“أنا بخيرٍ.. لا تقلق. لكن…”
حاولتْ إيهيلي تهدئةَ اضطرابِ معدتِها وهي تسألُ بجهدٍ جهيد:
“ما هذا.. بحقِّ الخالق؟”
“إنهُ تنين.”
ومن ذا الذي قد يجهلُ أنهُ تنين؟!
“لا، ليسَ هذا قصدي.. ما أعنيهِ هو، لماذا التنينُ في هذهِ الحالةِ المزرية؟ وماذا كنتَ تفعلُ أنتَ هناك؟”
“في الحقيقةِ…”
بدأ ريك يخرجُ شيئاً ما من بينِ طياتِ ثيابِه ببطء.
كانت باقةً من الزهورِ البريةِ التي قُطفتْ بعناية.
“لقد رغبتُ في تقديمِ هديةٍ لكِ، تعبيراً عن امتناني لإنقاذِكِ حياتي.”
“هل صنعتَها بنفسِك؟”
تحركتْ عيناهُ الحمراوانِ باضطرابٍ كأنما يترقبُ ردَّ فعلِها.
ثم أردفَ بصوتٍ ينمُّ عن انكسارٍ وخيبةِ أمل:
“أجل، هذا صحيح.. إن لم تنلْ إعجابَكِ، فسأقومُ بالتخلصِ منها فوراً.”
“كلا! بل أعجبتْني كثيراً!”
رجلٌ من النبلاءِ يصنعُ باقةَ زهورٍ بيديهِ ليقدمَها كهدية؟
كانَ أمراً غيرَ متوقعٍ على الإطلاق.
“لقد بدوتِ وكأنكِ لستِ راضيةً تماماً، لذا ظننتُ…”
“آه، لا.. لقد كنتُ مذهولةً فحسب. فهذهِ هي المرةُ الأولى التي أتلقى فيها زهوراً.”
“حقاً؟ لقد اعتقدتُ أنكِ تتلقينَ الكثيرَ منها.”
“ماذا؟ ولماذا ظننتَ ذلك؟”
ارتسمتْ على ثغرِه ابتسامةٌ عذبة.
وانسابَ صوتُه رخيماً كوقعِ السكرِ في الآذان:
“لأنكِ إنسانةٌ رقيقة، يفوحُ منها الشذى والجمالُ تماماً كطبيعةِ هذهِ الزهور.”
صرختْ إيهيلي في أعماقِها من فرطِ الخجل.
‘يا إلهي! كيفَ يمكنُه فوهُ مثلِ هذهِ الكلماتِ دونَ أن يرمشَ لهُ جفنٌ أو يتغيرَ لونُ وجهِه؟ ألا يشعرُ بالحرجِ أبداً؟’
لا شكَّ عندي الآن، ريك هو أحدُ الشخصياتِ الرئيسيةِ في هذا العالمِ بكلِّ تأكيد.
فلا يمكنُ لغيرِهم نطقُ هذهِ العباراتِ المبتذلةِ بمنتهى الثباتِ والهدوء.
“هـ، هذا.. وعلاوةً على ذلك.”
حاولتْ إيهيلي استجماعَ شتاتِ عقلِها المذهول.
فلا تزالُ هناكَ أسئلةٌ عالقةٌ تحتاجُ إلى إجابة.
“ذلكَ التنين، ما الذي حلَّ به؟”
“في الحقيقةِ…”
خيمَ الحزنُ فجأةً على وجهِه الذي كانَ منذُ لحظاتٍ مشرقاً كشمسِ الصباح.
“بينما كنتُ في طريقي إلى هنا، ظهرَ تنينٌ فجأةً.. ولذلك…”
انقبضتْ ملامحُ ريك بشدة.
وشحبَ وجهُه الأبيضُ أكثرَ مما كانَ عليه، حتى بدا كأنهُ سيفقدُ الوعي.
ارتجفتْ شفتاهُ وهو يلهثُ بضيق، مما دفعَ إيهيلي لمواساتِه بلهفة:
“أنا آسفة، لا بدَّ أنكَ مررتَ بلحظاتٍ مرعبة. لقد ضغطتُ عليكَ بالأسئلةِ أكثرَ من اللازم.”
“لا بأس، أنا بخير.”
تابعَ ريك حديثَه بصعوبةٍ بالغة.
قال إنهُ بينما كانَ يقفُ متجمداً من الرعبِ أمامَ التنينِ الذي ظهرَ بغتةً، انشقَّتِ الأرضُ عن رجلٍ غامض.
رجلٌ قطعَ أوصالَ التنينِ بلمحِ البصرِ كأنهُ يقطعُ ثمرةَ فجل، ثم اختفى وكأنهُ سراب.
بمجردِ سماعِ هذهِ القصة، رُسمتْ في مخيلةِ إيهيلي هويةُ ذلكَ الرجلِ بوضوح.
“ذلكَ الرجل، هل كانَ شعرُه ذهبيَّ اللون؟”
قطبَ ريك جبينَه كأنما يسترجعُ ذكرى بعيدة، ثم أومأَ برأسِه:
“أجل، أعتقدُ ذلك.”
“وهل رأيتَ وجهَه؟”
“لم أتمكنْ من رؤيتِه بوضوح.”
“وماذا عن لونِ عينيه؟ هل كانت زرقاءَ مثلَ عينيَّ؟”
“على الأرجحِ.. كانت كذلك.”
إنهُ هو! لا مجالَ للشك.
الرجلُ الغامضُ الذي فتكَ بالتنينِ بتلكَ الوحشيةِ ليس سوى البطلِ الأصليِّ للرواية.. “البطلُ المغوار”.
“هل تعرفينَ مَن يكون؟”
“…… كلا، أبداً. لا أعرفُه على الإطلاق.”
يجبُ ألا أعرفَه.. هكذا ينبغي أن يكونَ الأمر.
ففي اللحظةِ التي ألتقي فيها به، ستبدأُ أحداثُ تلكَ الروايةِ الأصليةِ المرعبةِ بالدوران.
—
كانَ عقلُها يضجُّ بالأفكارِ المشوشةِ بسببِ الظهورِ المفاجئِ للتنينِ والبطلِ المغوار.
‘لقد جئتُ إلى هنا لأهربَ من قدري في الروايةِ الأصلية.’
فهل يعني هذا أنَّ مسارَ القصةِ سيجرفُني مهما حاولتُ الهروب؟
‘لو كنتُ أنا مَن واجهتُ البطلَ بدلاً من ريك……’
ارتعشَ جسدُ إيهيلي بعنفٍ من جراءِ القلقِ الذي بدأ يتسللُ إلى أعماقِها.
“هل أنتِ بخير؟ يبدو وجهُكِ شاحباً.”
“آه، أنا بخير، لقد ذُهلتُ قليلاً فحسب. لكن قُل لي يا ريك، ذلكَ الرجلُ الذي قابلتَه.. ألم يقلْ شيئاً آخر؟”
“شيئاً آخر؟ ماذا تقصدين؟”
“كأن يبحثَ عن شخصٍ ما، أو…”
“إيهيلي.”
خيمَ ظلٌّ طويلٌ فوقَ رأسِ إيهيلي.
اقتربَ ريك منها حتى صارَ قبالتَها تماماً، ثم سألَ بنبرةٍ منخفضةٍ وهادئةٍ بشكلٍ مريب:
“هل تثيرُ اهتمامَكِ أخبارُ ذلكَ الرجلِ إلى هذا الحد؟”
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 5"