ناديا، التي قالت إنه يجب عليها العودة لدورها كضيفة، توجهت إلى قاعة المأدبة أولاً، تاركةً إيفون وحدها في الغرفة.
بعد أن تفحصت سيندي كل تفصيلة في عملها بعناية، تحدثت بثقة تامة.
“من بين جميع الحاضرين في مأدبة الليلة، ستكونين أنتِ الأجمل يا آنستي.”
“حقاً؟”
“بل أراهن أنكِ ستكونين الأجمل بين جميع الفتيات اللواتي يظهرن لأول مرة هذا العام.”
اكتفت إيفون بابتسامة هادئة رداً على مبالغة سيندي المرحة.
وفسرت سيندي تلك الابتسامة الغامضة بشكل مختلف، فسألت بحذر.
“هل هناك شيء… لم يعجبكِ؟ إذا كان الأمر كذلك، فأخبريني من فضلكِ، سأصلح كل شيء وفقاً لرغبتكِ.”
“آه، لا. لقد أعجبني. أنا فقط… لستُ معتادة على رؤية نفسي هكذا. شكراً لكِ يا سيندي.”
حينها فقط استرخت سيندي وابتسمت.
“ستعتادين على الأمر كلما رأيتِ نفسكِ أكثر.”
من السخرية أن تلك الابتسامة المشرقة جعلت إيفون تشعر بالقلق الذي انتاب الخادمة قبل قليل وهي تنتظر بتوتر نيل رضا سيدتها.
كان أمراً مزعجاً، ولكن طالما أنها تعيش كـ “إيفون” وليس كـ “أديل”، فذلك واقع لا يمكنها تغييره أبداً.
أشاحت إيفون بنظرها عن الواقع الذي لا تستطيع تغييره، وتتبعت نظرات سيندي نحو المرآة.
هناك، رأت نفسها في فستان باهظ الثمن لدرجة تظهر قيمته من النظرة الأولى، مرصعاً بمجوهرات تتلألأ بوضوح.
طوال فترة الاستعدادات، كانت الخادمات يعلقن بحماس على مدى غلاء الفستان والمجوهرات، ومدى الجهد الذي بذله لوغان في حفل ظهور ابنته الوحيدة.
لكن الحياة التي يحسدنها عليها لم تكن أكثر من مسرحية محكمة البناء.
بالنسبة لإيفون، كان الثوب الفاخر والمجوهرات مجرد غلاف باذخ يُقصد به إخفاء الجوهر الفارغ والزائف في الداخل.
هي لن تعتاد أبداًعلى الإطلاق على مثل هذه الحياة.
في اللحظة التي شعرت فيها باليقين من ذلك، سُمع طرق على باب الغرفة الهادئة.
“ربما هو كبير الخدم؟ فقد حان وقت النزول واستقبال الضيوف تقريباً.”
“سأخرج حالاً.”
نهضت إيفون عن طاولة الزينة، وخطت نحو الباب وفتحته.
لكن الشخص الذي كان ينتظرها لم تكن تتوقعه على الإطلاق.
“… السير ديريك؟”
“طاب مساؤكِ يا آنسة إيفون. آمل ألا أكون قد فاجأتك بمجيئي دون سابق إنذار.”
رمشت إيفون بذهول للحظة، ثم أجابت بحذر.
“سيكون كذباً لو قلتُ إنني لم اتفاجىء.”
عند سماع ردها المهذب والصادق في آن واحد، انفرجت أسارير ديريك عن ابتسامة مريحة، مما خفف من تعابير وجهه الحادة.
“أعلم أنه من غير اللائق المجيء هكذا، لكنني اعتقدتُ أنكِ قد تكونين متوترة ومرتبكة بما أنها مأدبتكِ الأولى. أردتُ مساعدتكِ في استقبال الضيوف ولو قليلاً. وبالطبع، سأكون كاذباً لو قلتُ إنني لم أرغب أيضاً في رؤية جمال الآنسة قبل أي شخص آخر.”
بكلماته الناعمة، لم يترك خطيبها لها مجالاً لرفض لطفه.
لم تكن تعرفه جيداً بعد فهذه هي المرة الثانية فقط التي يلتقيان فيها لكنه بدا رجلاً مراعياً.
المشكلة كانت… من مكانة إيفون، حيث لا خيار أمامها سوى خداعه، لذا لم تستطع الترحيب بهذا اللطف بشكل كامل.
“هل ننزل معاً؟”
مدّ ديريك يده.
تحركت إيفون غريزيًا لتأخذها ثم تجمدت فجأة عندما طرأت كلمات ناديا على ذهنها مجدداً.
‘إذن، السير سيدريك سيحضر اليوم، أليس كذلك؟ فخطيبة شقيقه الأصغر تظهر لأول مرة، بعد كل شيء.’
كانت تعلم أنه أمل أحمق، لكنها تمنت ألا يأتي. تمنت لو يُدفن السر هكذا تماماً. تمنت، كما قال الدوق، ألا تكون هناك حاجة أخرى للتورط معه.
“آنستي؟”
عندها فقط أخذت إيفون يد ديريك.
نزل الاثنان إلى قاعة المأدبة واستقبلا الضيوف معاً.
لكن سيدريك لم يأتِ. ولا حتى بحلول وقت بدء المأدبة.
بدأت المأدبة بشكل جدي.
بينما كان أحد الرجال من دائرة ديريك الاجتماعية يراقب إيفون وديريك وهما يرقصان، قال فجأة.
“إذن، لماذا لم يحضر سيدريك بعد؟”
“ربما هو مشغول. إنه مهووس بالمال.”
“أظن أن الزواج أهم من المال الآن.”
“بالضبط. ماذا لو كان منشغل بإحضار أميرة أجنبية إلى الوطن أو شيء من هذا القبيل؟”
كانت دعابة، ولكن لم يضحك أحد. ولا حتى الرجل الذي قالها.
لأنهم بمعرفتهم بسيدريك غلاستون، لم يكن الأمر مستحيلاً.
أوراق اللعب، الفروسية، الشطرنج، الصيد.
في العمل، وفي كل لعبة أو منافسة، كان منتصراً ساحقاً ولا يرحم. لم يكن بإمكان أي منهم تخيل خسارة سيدريك في أي شيء.
بينما استمروا في الحديث عن صديقهم الغائب، ضج المدخل فجأة بالضوضاء.
وبتتبع مصدر الانتباه، رأوا سيدريك يخطو داخل قاعة المأدبة. وجه مألوف عرفوه لسنوات ومع ذلك لم يستطيعوا الاعتياد عليه تماماً بطريقة ما.
ربما كان ذلك بسبب طوله فهو أطول من معظمهم برأس كامل، أو شعره المصفف بدقة إلى الخلف، لكن ملامحه الحادة والبارزة أصلاً برزت بشكل أكبر.
بمجرد ظهوره، تحولت النظرات التي كانت تتبع رقصة إيفون وديريك نحوه بشكل طبيعي.
بالنسبة لشخص وصل متأخراً، كان دخوله لافتاً جداً للانتباه ولكن بذاك الوجه وذلك الجسد، كان من المستحيل عليه الدخول بهدوء مهما حاول.
لم يسع أصدقاؤه، كالعادة، إلا التنهد عند رؤية رفيقهم المثير للإعجاب بشكل مزعج.
“يبدو أنه هنا الليلة لسحق الخاسرين بذاك الوجه مجدداً.”
“لكن لا أرى أي أميرة أجنبية بجانبه؟”
“الهواة فقط هم من يتباهون بأوراقهم المخفية بصوت عالٍ. مثلك تماماً يا هنري.”
انتظروا قليلاً حتى تخف الضجة حول سيدريك، ثم أخذوا كؤوس الشمبانيا من خادم مار واقتربوا منه.
“منذ أن دخل السير سيدريك خاصتنا القاعة، أصبح نجم الحفلة. الجميع يحدق به.”
“بهذا الوجه، كان بإمكانه جني ثروة كممثل بدلاً من رجل أعمال. ألا تعتقد ذلك؟”
تجاهل سيدريك مزاح أصدقائه الذي أصبح مألوفاً ومملاً، وهو يبلل حلقه بالشراب الذي قدموه له.
نظراته الباردة، التي انعكست فوق حافة الكأس، استقرت في وسط قاعة المأدبة على نجمة حدث الليلة، وهي ترقص بين ذراعي أخيه غير الشقيق.
كانت تبقي نظرها للأسفل، مركزة تماماً على الرقصة. بدت وكأنه ليس لديها مجال للانتباه لأي شيء آخر. شعر سيدريك بلسعة المشروب في حلقه وهو يبتلعه.
“بالمناسبة يا سيدريك، ألا تزال في فترة حداد؟ هل من المقبول أن تأتي إلى مأدبة بالفعل؟”
“حسناً، لقد أعلن شقيقه عن خطوبة خلال فترة الحداد، فكيف لا يأتي؟ على الأقل، يجب أن يظهر وجهه من أجل والدته التي لا تزال حية وتراقب بعينين مفتوحتين على وسعهما.”
انتقلت نظرات الجميع بشكل غريزي نحو كاثرين ثم بعدها تجنبوا النظر بسرعة، وقد كانت وجوههم قد شحبت بعد رؤية نظرتها القاسية الموجهة نحو سيدريك.
تحول موضوع الحديث بشكل طبيعي من سيدريك الذي دخل كالشخصية الرئيسية إلى النجمة الحقيقية لهذه الليلة.
“على أي حال، كم هو محظوظ ذلك اللعين ديريك؟”
“لماذا؟”
“أتحدث عن الآنسة لوروا بوضوح. حتى بعد أن عاش كحثالة تماماً، لا يزال ذلك الوغد يحظى بالزواج من امرأة جميلة. وابنة دوق فوق ذلك! أظن أن المال هو كل شيء، ها؟”
“همم، لا أظن أن الأمر كذلك. عندما يتعلق الأمر بالمال، فإن السير سيدريك يتفوق على الجميع.”
“إذن لماذا اختار دوق لوروا ديريك بدلاً من سيدريك؟ من حيث المهارة أو المظهر، سيدريك لا ينقصه شيء على الإطلاق”
الرجل، الذي كان يهز رأسه غير مصدق، توقف فجأة عن الكلام. تبادل أصدقاؤه النظرات عندما أدركوا الشيء نفسه في الوقت ذاته.
كان لسيدريك نقطة ضعف قاتلة واحدة.
لقد كان “عامياً”.
رغم أنه أتقن آداب النبلاء وأصبح الرجل المثالي، ورغم أنه نال لقب “فارس” بفوزه برضا الملك، إلا أن أصل ولادته كان وصمة لا يمكنه التخلص منها أبداً.
بتذكر نقطة الضعف التي نسوها مؤقتاً، سعل أصدقاؤه بارتباك وغيروا الموضوع.
“على أي حال يا سيدريك، يجب أن تسرع وتتزوج. صراحةً، بالنسبة لك، جعل امرأة تقع في حبك لن يكون شيئاً.”
“صحيح. وتحتاج إلى وراثة أعمال العائلة والشركة. وبطبيعة الحال، نحن البقية الذين استثمرنا في شركتك نود البقاء على قيد الحياة أيضاً.”
ذلك الزواج اللعين.
عند هذه النقطة، تساءل سيدريك عما إذا كان جده قد رشا أصدقاءه جميعاً معاً.
برؤية سيدريك لا يزال غير مهتم، نظر أحد الأصدقاء القلقين حوله، ثم همس بهدوء.
“هيا، أخبرنا فقط بما أننا فتحنا الموضوع. لديك خطة، أليس كذلك؟”
رفع سيدريك كأسه بدلاً من الإجابة ولكن في تلك اللحظة، انتهت الموسيقى.
في الوقت ذاته، لمح ديريك لابد أنه لاحظ وصول سيدريك قبل وقت طويل من انتهاء الأغنية.
مع مثل هذا الدخول الصاخب، كان من الغريب ألا يلاحظ. ربما علم الجميع في القاعة بوصوله الجميع باستثناء المرأة التي كانت مستغرقة تماماً في الرقصة.
التقت المرأة بنظرات سيدريك وأشاحت بوجهها فوراً، مجفلة مثل طائر خائف.
للأسف، لم يلاحظ ديريك رغبتها اليائسة في تجنب الانتباه وقادها نحو سيدريك.
بتحرك نجمة المساء، تبعتها جميع العيون في قاعة المأدبة بشكل طبيعي.
“خطة هاه؟”
أنزل سيدريك الكأس عن شفتيه وأجاب أخيراً.
“لدي خطة.”
ظلت نظراته مثبتة على الشخصين القادمين نحوه.
“ظننتُ أنك لن تأتي يا أخي.”
ديريك، الذي قاد إيفون الآن لتقف أمام سيدريك، بدا وكأنه في منزله تماماً وكأنه كان ينتمي دائماً لعائلة الدوق.
من الواضح أن هذا المشهد الصغير كان جزءاً من مخطط الأخ الأصغر.
“حتى لو كنتُ مشغولاً، يجب أن آتي في يوم إعلان خطوبتك.”
أجاب سيدريك ببرود، وانخفضت عيناه إلى الخطيبة الواقفة بجانب ديريك.
كانت تتجنب نظراته بيأس.
كانت متلهفة جداً للتظاهر بأنها لا تعرفه في الجنازة حتى أنها أعادت سترته دون أن يرف لها جفن.
وجريئة جداً قبل أيام فقط، وهي تسأله عما إذا كان هناك شيء يريده مقابل صمته.
حيّاها سيدريك أولاً.
“مبارك خطوبتكِ يا آنسة إيفون.”
عندها فقط ردت عليه التحية بتردد.
“… شكراً لحضورك يا سير سيدريك. أتمنى أن تستمتع بالمأدبة.”
“بالتفكير بالأمر، أليست هذه هي المرة الثانية التي تلتقيان فيها اليوم؟ لا بد أن الأمر لا يزال غريباً بعض الشيء.”
المرة الثانية.
أطلق سيدريك ضحكة قصيرة وأجاب.
“سنعتاد على بعضنا تدريجيًا. بما أننا سنصبح عائلة قريباً.”
كانت العينان الزرقاوان اللتان تنظران إلى شقيقه وخطيبة شقيقه مسترخيتين كالعادة.
التعليقات لهذا الفصل " 9"