قراءة ممتعة~~~
[مكتب باتيس للتحريات]
انفتح الباب الذي تعلوه لافتة خشبية، وخرجت إيفون وهي تسحب غطاء رأس عباءتها إلى الأسفل ليغطي وجهها.
كانت قلقة من أن يساور المحقق الشك بشأن هويتها، لكن قلقها كان بلا داعٍ؛ فقد اكتفى بالسؤال عن المعلومات الضرورية فقط للبحث عن والدتها.
أخيراً، تنفست إيفون الصعداء وهي تتفحص الأوراق النقدية في يدها. كان ذلك هو المبلغ المتبقي بعد أن دفعت للمحقق عربون بدء التحقيق.
كانت الأوراق النقدية مطوية بعناية، لكنها حملت آثاراً واضحة لمرورها عبر أيدٍ كثيرة.
لم يكن مالًا مأخوذًا من بيت دوقية لوروا، بل كان المال الذي ادخرته أديل لعلاج والدتها.
‘لم أتخيل قط أنني سأستخدمه على هذا النحو…’
لم يكن أحد ليلحظ إن أخذت إحدى قطع مجوهرات إيفون الكثيرة ورحلت، لكنها لم تكن ترغب في استخدام ثروة الدوقية لأمرٍ شخصي.
كان والدها قد مات وهو مديون للدوقية. وبسبب ذلك الدين، زُجَّت في هذه الحياة قسرًا، رغماً عنها.
لو استخدمت مال الدوقية لنفسها، فلن تختلف عن والدها الذي تحتقره.
طوت إيفون ما تبقى من المال بعناية، ودسته في جيبها، ثم بدأت تنزل السلالم التي كانت تصدر صريرًا مع كل خطوة.
حين وصلت إلى مكتب التحريات لأول مرة، كان العالم مصبوغاً بوهج الغسق؛ أما الآن، فقد صار الجو أكثر عتمة بشكل ملحوظ.
‘إن عدت إلى قصر الدوقية وقلت إن السائق أنزلني أمام العقار، فسيكفي ذلك.’
ما دام لوغان خارج المنزل، فلن يلح عليّ الخدم ولا رئيسهم بالسؤال. وحتى إن كان موجودًا، فلن يشك بي خلال يومٍ واحد.
كانت إيفون لا تزال تفكر في العذر الذي ستسخدمه حين خرجت أخيرًا من المبنى.
“مكانٌ كهذا لا يليق بأن تأتي إليه آنسة وحدها.”
تجمّدت إيفون في منتصف خطوتها، وقد أفزعها صوت الرجل المفاجئ الذي انبعث من جانبها.
التفتت نحو مصدر الصوت، لتجد الرجل ذاته الذي لم تكن ترغب برؤيته على الإطلاق.
وكأنها فريسة حوصرت بمخالب صياد، تراجعت إيفون خطوةً إلى الوراء بشكلٍ غريزي.
لكنها لم تتراجع إلا خطوةً واحدة.
وفي لحظة، أنهى الرجل تلك المسافة الضئيلة التي صنعتها. والرائحة الخفيفة التي تفوح منه، والتي كانت تشبه هواء الشتاء فيما مضى، غمرتها الآن بقوة أكبر.
“هل عليّ أن أتظاهر هذه المرة أيضًا بأنني لم أرك؟”
امتدت يدٌ كبيرة ورفعت جانبًا من غطاء رأسها، وفي اللحظة ذاتها تلاقت أعينهما.
“آنسة إيفون.”
ارتبكت عينا إيفون وارتجفتا قليلاً. كانت عينا الرجل الزرقاوان، اللتان ترمقانها من الأعلى، فائقتي الجمال لدرجة تبعث على الخوف.
“هل… كنت تتبعني؟”
“لستُ متفرغًا لهذه الدرجة لأهدر وقتي في أمرٍ كهذا.”
كان محقًا، لم يكن يبدو رجلًا يضيع يومه في مراقبتها. ولم يكن لديه سببٌ ليتبعها من الأساس.
ومع ذلك، لم تستطع إيفون أن تُسقط حذرها.
أضاف سيدريك بهدوءٍ ثابت، كأنما يقرأ أفكارها دون عناء.
“ألم أخبرك؟ لوسيرن مدينةٌ صغيرة.”
لو كان الأمر مصادفةً بحتة، لكان بإمكانه أن يمر فحسب. فلماذا توقف ليحدثها؟ لم يكن بينهما ودٌ ولا قربٌ من أي نوع.
لم تعرف إيفون ماذا يريد منها، لكنها كانت متيقنة من أمرٍ واحد وهو
أنها يجب ألا تتورط مع هذا الرجل أبدًا.
كان حدسها يحذرها بأعلى صوته.
“يبدو أن كلامك صحيحًا.”
خفضت إيفون رأسها في تحيةٍ مهذبة، وأفلتت طرف غطائها من بين أصابعه، ثم استدارت لتغادر.
رآها تخرج من مكتب تحريات، فلا بد أنه سيتشبث بالأمر. ولهذا، عليها أن تبتعد قبل أن يستغل اللحظة…
“فمي.”
في تلك اللحظة، انقبض قلبها عند سماع صوته المنخفض خلفها.
“ألن ترغبي في إغلاقه؟”
… لقد كُشفت.
في النهاية، التفتت إيفون إلى الوراء.
كانت عيناه الزرقاوان، الغامضتان والهادئتان، تحدقان فيها مباشرةً.
“يبدو من طريقة إخفائك لوجهك، أنك لا تريدين أن يعرف أحد أنك جئتِ إلى هنا اليوم.”
“إذن… ماذا تقصد تحديدًا؟”
حتى مع نظرات إيفون التي لم تعد تخفي حذرها الحاد وأبدته بوضوح، ظل سيدريك مسترخياً تماماً.
ثم قال فقط.
“اصعدي. سأعيدك بنفسي إلى الدوقية.”
وأشار بذقنه نحو عربة عائلة غلاستون.
لم تكن ترغب في ركوب العربة معه، لكن الرفض لم يكن خيار؛ فكلماته لم تكن عرضاً للمساعدة، بل كانت أقرب إلى التهديد.
عجزت إيفون عن رفض ذلك التهديد، فاقتربت من العربة.
لحق بها سيدريك بخطوات واسعة ووقف بجانب العربة وكأنه ينوي مرافقتها للركوب، لكن إيفون تجاهلته وصعدت إلى العربة بمفردها.
كانت تلك هي مقاومتها الوحيدة.
سمعت ضحكته الخفيفة خلفها، لكنها لم تحمل غضبًا.
حين صعد سيدريك خلفها إلى العربة، شعرت بثقل وزنه الكبير. وفي الوقت نفسه، انتابها شعور وكأن العربة الكبيرة والواسعة قد ضاقت فجأة.
ولم يكن ذلك مجرد شعور؛ فحين جلس سيدريك في المقابل، لامست ركبته ركبة إيفون.
كانت ساقا الرجل صلبتين للغاية، لدرجة أنها شعرت ببعض الألم حتى من ذلك التلامس الخاطف.
“…أسفة.”
سحبت إيفون ركبتها العالقة بين ركبتيه بذهول.
في تلك اللحظة، انخفض بصر سيدريك متتبعاً حركتها.
وبينما كان يراقب ذلك المشهد، بدا وكأن طرف شفتيه قد ارتفع قليلاً، لكن إيفون التي أشاحت بنظرها بعيداً كمن يهرب، لم تلاحظ ذلك.
وبعد فترة وجيزة، انطلقت العربة.
كانت إيفون تخشى أن يستجوبها سيدريك عن سبب ذهابها إلى مكتب التحريات، لكنه ظل صامتاً، رغم أنه هو من أرغمها على ركوب العربة بتهديده.
كلما اختلست النظر إليه، كان يكتفي بالنظر من النافذة فحسب.
حتى صار الصمت الآن يثير القلق في نفسها.
في هذه الأثناء، غادرت العربة الساحة ودخلت منطقة سكنية مكتظة بالبيوت الراقية.
في النهاية، كانت إيفون هي من بدأت بالحديث.
“هل تريد شيئًا مني؟”
وعندها فقط، التفت إليها سيدريك.
“هل بدا لكِ أنني أملك نية كهذه؟”
قطبت إيفون حاجبيها لسؤاله.
فكيف له أن يسأل بوجه وقح متظاهراً بالجهل الآن، بعد أن كان هو من أشار بوضوح إلى إسكاتها وأرغمها على ركوب العربة.
كان يبدو وكأنه يستمتع برد فعلها وهو يمسك بنقطة ضعفها.
“إذن ألست كذلك؟”
ارتبكت إيفون بعد أن خرجت منها نبرة حادة دون قصد، وتفحصت رد فعل سيدريك متأخرة.
ولكن على عكس مخاوفها، استقرت في عينيه مسحة غريبة من الاهتمام.
“وإذا قلتُ إن هناك شيئاً أريده، فهل بمقدوركِ تلبِيته؟”
“… إذا أبقيتَ على ما حدث اليوم سراً.”
“وماذا لو طلبتُ شيئاً هائلاً؟”
لم تكن تعرف عن هذا الرجل شيئاً، لكنها أدركت أمراً واحداً بيقين: وهو أنه يملك أموالاً طائلة جداً.
لدرجة أن الدوق لوروا نفسه يطمع بها.
لذا، على الأقل، لن يطلب شيئاً مادياً.
بالطبع، لم تكن تعلم إن كان بمقدورها تلبية طلبه لو أراد شيئاً غير المال، لكن كان عليها إسكاته بأي ثمن.
نظرت إيفون مباشرة في عيني سيدريك.
لابد أنه كان ينتظر رد فعلها؛ أن تتوسل إليه متشبثة به، أو أن تخرّ ساجدة أمامه.
لذا، تملكتها رغبة عارمة في كسر توقعات هذا الرجل المتغطرس بأي ثمن.
وبينما كانت إيفون تضم أطراف أصابعها من شدة القلق، أجابت بوقار وثبات.
“سيتعين علينا التفاوض إذن. إلى أقصى حد ممكن.”
“تفاوض.. تفاوض، ها؟”
لكن الرجل ضحك مرة أخرى.
“هذا جيد.”
رسمت شفتاه منحنىً ناعماً بكل أريحية.
إلا أن عينيه اللتين بدا وكأنهما تبتسمان بشكل غريب، هدأتا فجأة؛ ليبدو وكأنه رجل أعمال يجلس على طاولة المفاوضات.
“بالطبع لن يكون الأمر سهلاً.”
لقد سمعت إيفون أن سيدريك غلاستون قد طوّر ووسع أعماله الخاصة بشكل مستقل عن أعمال جده.
وبما أنه دعم الحرب بين “هيرينغتون” و”فيرانتس” بالأموال التي جناها، ونال رتبة الفارس تقديراً لجهوده، فلا بد أن مهاراته كرجل أعمال بارعة للغاية.
شعرتْ مجدداً بواقعية أن الرجل الذي أمامها هو رجل أعمال.
“إذن، ما الذي سأحصل عليه كعوض…؟”
تمتم سيدريك بذلك وهو يحدق في إيفون بتمعن، وكأن هناك شيئاً ما في وجهها يود انتزاعه.
واجهت إيفون نظراته دون أن تزيح عينيها.
تسلل ضوء الغسق ليخلق مزيجاً من الضوء والظلال في عيني سيدريك الزرقاوين الباردتين.
وفي ذلك الصمت الذي بدا وكأن الزمن قد توقف فيه، جعل الضوء المتناثر على وجه الرجل إيفون تشعر بالارتباك والتشويش.
هل أبدو هكذا في عيني هذا الرجل أيضاً؟
وفي اللحظة التي راودها فيها هذا التساؤل، فتح الرجل فمه قائلاً.
“هذه العينان.. أريدهما.”
لسبب ما، شعرت بأن هذه اللحظة غريبة وغير مألوفة، بشكل يختلف تماماً عن كل ما عاشته في حياتها حتى الآن.
يتبع^^
ترجمة نينا @justninaae
التعليقات لهذا الفصل " 7"