39 - الفصل التاسع والثلاثون: حتى لا تتمكن من الهرب
قراءة ممتعة~~~
“لا. أنا لا أزال أشعر بعدم الارتياح تجاهه.”
عندها قطبت ناديا ما بين حاجبيها.
“ألم تتصالحا؟ ظننتكما تصالحتما في اليوم الذي أقيمت فيه مأدبتنا.”
“لا أعلم من أخطأ في الرؤية ونشر تلك الأخبار، لكني لم ألتقِ به في ذلك اليوم أصلاً.”
“لا تفعلي ذلك، ما رأيكِ أن تتصالحا الآن؟ أنتِ تعلمين أن سير ديريك يحبكِ كثيراً. كما أنكما ستستمران في مقابلة بعضكما مستقبلاً… بل ليس مجرد مقابلة، بل ستتزوجان أيضاً، وسيكون الأمر مزعجاً لكِ إن استمر الوضع هكذا.”
ابتسمت إيفون بمرارة وهي تستمع لحديث ناديا بصمت.
كانت تعلم منذ البداية أن ناديا لم تتقرب منها بقلب صافٍ أو بنية صداقة حقيقية.
ومع ذلك، لم يكن الأمر يهمها، لأنها كإيفون “المزيفة” لم تعتبر ناديا صديقة حقيقية أبداً.
لكن، رغم توضيحها لعدة مرات عما فعله ديريك بها وعن حقيقة مشاعرها تجاهه، إلا أن إصرار ناديا على مصالحتها معه جعل صبرها ينفد.
لم يكن خذلاناً بصديقة، بل كان خيبة أمل من شخص تجاه شخص آخر.
“أنتِ حقاً لا تعتبريني صديقة لكِ ولو بقدر بسيط، يا ناديا.”
“…ماذا؟”
“أعتقد أنكِ لا تعتبرينني حتى امرأة مثلكِ.”
“ماذا تقصدين فجأة بـ—”
“لو كنتُ مكانكِ، لما دافعتُ عن رجل أهان صديقتي قبل الزواج.”
“انتظري يا إيفون.”
ظهر الارتباك على وجه ناديا لأول مرة. يبدو أنها لم تتخيل أبداً أن إيفون ستواجهها بهذا الشكل المباشر.
لكن ذلك لم يدم طويلاً، فسرعان ما استعادت ناديا هدوءها وقالت بنظرة مليئة بالحزن المصطنع.
“لقد أخبرتكِ، أنا أقول كل هذا من أجلكِ أنتِ، لماذا تفهمين صدق مشاعري بشكل خاطئ؟”
“هل هو حقاً من أجلي؟”
سكتت ناديا وقد أُلجم لسانها بعد أن كشفت إيفون نقطة ضعفها. كانت نظرة إيفون الحازمة تقول كل شيء.
“لا أفهم كيف يكون الشيء ‘من أجلي’ بينما أنا لا أريده.”
بمعنى أن هذه الأكاذيب لم تعد تنطلي عليها بعد الآن.
“لذا……”
رغم أن صوت إيفون كان يرتجف قليلاً وهي تكمل حديثها، إلا أنها لم تتردد.
“أعتقد أنني أنا أيضاً لن أستطيع اعتباركِ صديقة لي بعد الآن.”
كانت عينا إيفون وهي تقول ذلك مليئة بالإصرار.
خرجت من بين أسنان ناديا ضحكة ساخرة وكأنها غير مصدقة لما تسمعه. واختفى تعبير الحزن المصطنع ليحل محله نظرة باردة.
نظرت إيفون بهدوء إلى وجه ناديا الحقيقي الذي انكشف أخيراً، ثم استدارت وغادرت.
ورغم أن قلبها كان ينبض بقلق بسبب التوتر، إلا أنها شعرت بالراحة، وكأن حجراً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها.
***
وصلت إيفون إلى القصر الفرعي بعد أن انفصلت عن ناديا.
كانت هناك غرف استراحة مخصصة للضيوف المشاركين في الحفلة.
في العادة، كان من المفترض وجود نساء يصلحن مكياجهن أو سادة يتحدثون بهدوء، ولكن لأن الحفل كان في ذروته، كان المكان هادئاً تماماً.
وبسبب الأشجار الكبيرة التي تفصل بين الحديقة التي يقام فيها الحفل والقصر، ساد هدوء أكبر، مما جعل المكان مناسباً جداً للراحة.
دخلت إيفون إلى غرفة استراحة خالية.
بمجرد أن اختفت رائحة النبيذ والعطور، شعرت معدتها التي كانت مضطربة طوال اليوم ببعض التحسن.
لكن الكورسيه لا يزال يضغط على أنفاسها. كما شعرت لسبب ما أن صدرها أصبح أكثر حساسية من المعتاد.
‘هل سيكون الأمر بأس لا بأس به إذا أرخيته قليلاً؟ لا يوجد أحد يراقبني هنا على أي حال…’
نظرت إيفون مرة أخرى حول الغرفة للتأكد من خلوها، ثم مدت يدها إلى ظهرها. لكن يبدو أن سيندي ربطته بإحكام شديد، فلم يكن من السهل إرخاء الخيوط دون رؤيتها.
وبينما كانت تعاني مع الأربطة، فُتح باب الغرفة فجأة. تجمدت إيفون في مكانها من شدة المفاجأة.
الشخص الذي دخل إلى الغرفة كان سيدريك.
ولم يبدُ عليه أي ارتباك، بل بدا وكأنه دخل وهو يعلم منذ البداية أنها موجودة هنا.
تماماً كصياد يطارد فريسته.
لم يلقِ حتى تلك التحية الرسمية والوقحة التي كان يلقيها أمام الآخرين، بل اكتفى بالنظر إليها بهدوء.
كان صمته يخنقها.
‘لا أريد أن أتورط مع هذا الرجل أكثر من ذلك.’
تراجعت إيفون دون وعي إلى الخلف، لكنها لم تكمل خطوة واحدة حتى اصطدمت خلفية ركبتيها بالطاولة. لقد وصلت إلى طريق مسدود.
أخذ سيدريك خطوة باتجاهها بينما كان يراقبها. لم تكن تعلم إن كان ينوي الجلوس على الأريكة أم الإمساك بها، لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً.
كانت هي هدفه.
حاولت إيفون المرور بجانبه لتخرج من الغرفة تماماً. وفي تلك اللحظة، امتدت ذراع سيدريك لتمسك بخصرها وتجذبها نحوه.
“ماذا تفعل الآن…!”
حاولت إيفون الإفلات وهي في حالة من الذعر، ولكن كلما قاومت، زادت قوة الذراع التي تحتضنها.
شعرت بيده الكبيرة تتسلل بين طيات فستانها وتبدأ بإرخاء خيوط الكورسيه ببطء. وعندما لمست أصابعه الطويلة قماش قميصها الداخلي الرقيق، تذكرت فجأة ما حدث في الفندق، فارتجف جسدها كرد فعل تلقائي.
بذلت إيفون قصارى جهدها للإفلات من حضنه، مما أدى إلى ارتخاء حبال الكورسيه التي كانت عالقة بين أصابعه تماماً، حتى صار الفستان فضفاضاً بشكل ملحوظ.
أمسكت إيفون بفستانها الذي كاد ينزلق ثم نظرت إلى سيدريك.
“أرجوك، اخرج من هنا.”
نظر سيدريك بنظرات باردة إلى إيفون التي ابتعدت عنه.
كانت عينا المرأة الخضراوان مليئتين بالخوف والحذر فقط.
لقد اختفت تلك الصورة البريئة لها وهي تقول إنها تصدقه، دون أن تدرك الأفكار القذرة التي تدور في ذهن الرجل الذي أمامها.
“ولماذا عليّ فعل ذلك؟ هذا المكان مخصص لراحة جميع الضيوف.”
“سيفهم الناس الأمر بشكل خاطئ إذا رأونا.”
“سوء فهم؟ هل تقصدين مثلاً أننا على علاقة غير لائقة في الخفاء؟”
رد سيدريك بسؤال وهو يتقدم نحوها بخطوات واسعة.
ثلاث خطوات.
كانت تلك هي المسافة التي حاولت إيفون جاهدة الهرب بها منه.
والآن، لم يتبقَّ سوى نصف خطوة.
مسافة قصيرة جداً، تمكنه من الإمساك بها أو ضمها بمجرد مد ذراعه، لذا لم يكن هناك داعٍ للاستعجال أبداً.
ولكن، لماذا؟
لماذا كانت هذه المسافة التافهة تثير أعصابه إلى هذا الحد؟
بل ربما لم تكن المسافة هي ما يزعجه، بل هذه المرأة نفسها التي تحاول دفعه بكل قوتها.
“ولكن، هل سيكون ذلك مجرد سوء فهم حقًا؟”
اهتزت عينا إيفون وهي تنظر إليه بضياع.
“…لماذا تفعل هذا بي؟”
“أنا أكره الخسارة، سواء كانت في المال، أو الأشياء، أو البشر.”
مال سيدريك نحوها وأمسك بطرف فستانها الفضفاض الذي كانت تتشبث به، وهمس بصوت منخفض جداً.
شعر برعشة خفيفة في يدها التي تمسك الفستان. وفي الوقت نفسه، ارتعشت رموشها الطويلة من شدة الشعور بالإهانة.
في الحقيقة، لم يكن ينوي فعل ذلك حين تبعها إلى غرفة الاستراحة. كان يريد فقط التأكد من حالها لأنها بدت أنحف من المعتاد.
لكن رؤيتها وهي تفكر فقط في كيفية الهروب منه ومن ذكرى ذلك اليوم، جعلت مزاجه ينقلب تماماً.
إذن، سيجبرها على مواجهته.
حتى لا تتمكن من الهرب بعد الآن.
“لذا، أريدكِ أن تدفعي بقية الثمن الناقص.”
عضت إيفون شفتيها المرتجفتين بقوة.
كانت عينا سيدريك الزرقاوان تلمعان مثل أمواج هائجة، وكأنهما ستجرفانها وتبتلعانها في أي لحظة.
وبعد تردد قصير، تركت إيفون الفستان أخيراً واستسلمت.
أدرك سيدريك معنى حركتها، فنظر ببرود إلى المرأة التي لم تعد تتجنب عينيه، ثم رفع ذقنها وابتلع شفتيها في قبلة.
‘الثمن’.
ظلت إيفون تردد هذه الكلمة التي نطقها وكأنها تعويذة، بينما كانت تستقبل اقتحامه لها.
***
“ديريك، أين ذهبت خطيبتك؟”
لم يلاحظ ديريك غياب إيفون إلا بعد أن بدأت أجواء الحفلة الصاخبة تهدأ قليلاً.
“صحيح. الآنسة لا تظهر كثيراً في الحفلات، يجب أن تستغل هذه الفرصة لتجعلها تختلط بالناس وتكوّن صداقات. أحضرها لنسلم عليها.”
“وماذا ستفعلون إذا تعرفتم عليها؟ هي لي على أي حال.”
رغم قوله ذلك، لم يكن مزاج ديريك سيئاً. فكرة أن المرأة التي يطمع بها الجميع هي خطيبته كانت تعطيه شعوراً كبيراً بالرضا.
وبسبب هذا الشعور، قرر أنه يمكنه عرضها قليلاً أمام هؤلاء الشباب المساكين الذين يحسدونه عليها.
“انتظروا هنا، سأذهب لإحضارها.”
دار ديريك في الحديقة بحثاً عن إيفون، وكان يلقي التحية على الآنسات اللاتي يصادفهن في طريقه.
التعليقات لهذا الفصل " 39"