لأنه يعرف سرها، ومع ذلك يتظاهر بالجهل ويستر عليها بل ويساعدها.
ولكن….
‘هل حقاً كل هذا بسبب أمي؟’
القلق على والدتها، التي لا يُعرف مكانها ولا حتى ما إذا كانت حية أم ميتة، وذكريات سيدريك تداخلت، وضغطت على صدرها.
حتى في هذه اللحظة، كان قلبها الخافق، متذكراً إياه، يجيب بالفعل على هذا السؤال، لكنها لم ترغب في معرفة الإجابة.
هذا مريع. أنا أكره هذا.
ولأنها لم تكن غير قادرة على تحمل مشاعرها الخاصة، انهارت إيفون في مكانها وكورت جسدها.
كان جسدها يؤلمها ويحترق وكأنها تُعاقب لأنها نسيت أمها للحظة.
في ذلك اليوم، سقطت إيفون طريحة الفراش.
كانت حُمّى.
***
ظلت إيفون مريضة لمدة أسبوع كامل.
حتى وهي نائمة، كانت تخشى أن يأتي سيدريك لزيارتها، لكن ذلك لم يحدث. أما ديريك فقد زارها عدة مرات، وكان من حسن حظها أنها لم تكن في حالة تسمح لها بمقابلته.
“تناولي دواءكِ، يا آنستي.”
ما قدمته سيندي لإيفون التي استعادت قوتها بصعوبة، كان الدواء الذي أعدته لها كاثرين.
كانت سيندي تقدمه لها وهي تظن أنه مجرد مقوٍ لجسد إيفون الضعيف، لكن إيفون التي كانت تدرك وظيفة هذا الدواء، ترددت.
في العادة، كانت تتحمل طعمه المقزز وتتناوله، لكنها اليوم لم تشعر أنها قادرة على ابتلاعه.
“أنا آسفة يا سيندي، لا أستطيع تناوله اليوم أبداً.”
“يجب أن تتناولي الدواء لتستعيدي صحتكِ ولا تسقطي مريضة هكذا مرة أخرى. أغمضي عينيكِ واشربيه، حسناً؟”
“أشعر حقاً أنه لن ينزل في حلقي اليوم. ألا يمكنكِ التظاهر بأنكِ لم تري شيئاً لمرة واحدة فقط؟”
“لهذا عليكِ تناوله جيداً الأن خصيصًا…”
رغم حيرتها، لم تستطع سيندي مقاومة نظرات إيفون الملحة وتراجعت في النهاية.
“إذاً، ماذا سنفعل بشأن ذهابكِ إلى قصر عائلة غلاستون؟”
بسبب مرضها، تغيبت عن جميع دروس “تدريب العروس” في الأسبوع الماضي.
كانت تعلم أنها لا تستطيع الاستمرار في الهروب للأبد، لكنها لم تملك الشجاعة لمواجهة سيدريك ببرود وتظاهر.
“أعتقد أنه من الأفضل أن أرتاح حتى نهاية هذا الأسبوع. هل يمكنكِ إيصال رسالتي إلى قصر غلاستون؟”
كتبت إيفون رسالة اعتذار لكاثرين وسلمتها لسيندي.
بهذا، قد تتمكن من التملص حتى نهاية الأسبوع، لكنها لا تستطيع التغيب عن الدروس للأبد.
ليس فقط بسبب كاثرين، بل لأن لوغان (والدها المزيف) لن يعجبه الأمر.
وفوق كل شيء…………
‘إذا لم أذهب إلى قصر غلاستون، فلن أتمكن من التواصل مع مكتب التحريات.’
شعرت أنها لا يمكنها ترك أمر البحث عن والدتها لسيدريك وحده. كانت تفكر في ذلك من قبل، وبعد ما حدث، تأكدت من هذا الشعور أكثر.
‘من أجل تقديم طلب لمكتب التحريات، يجب أن أذهب إلى قصر غلاستون الأسبوع القادم…’
في تلك اللحظة، خطرت ببالها فكرة طريقة أخرى.
طريقة للتواصل مع مكتب التحريات دون الحاجة للذهاب إلى قصر غلاستون.
نادت إيفون على سيندي التي كانت تهم بمغادرة الغرفة بسرعة.
“لحظة، سيندي!”
“نعم؟”
“قلتِ إن لديكِ عملاً في الخارج اليوم، أليس كذلك؟”
“نعم، صحيح. هل هناك ما تودين مني فعله؟”
“لقد اشتريتُ صحيفة من فتى جرائد بالدين ذات مرة، ولم أسدد له المال. هل يمكنكِ إيصال المال له بدلاً مني؟”
“بالطبع. هل يمكنكِ إخباري باسم ذلك الفتى؟”
عند رد سيندي الإيجابي، عادت الحيوية أخيراً لعينين إيفون.
***
عندما شارف الطعام على الانتهاء، كان كارلايل هو من بدأ بالحديث.
“هناك مأدبة غداء في القصر الملكي اليوم، أليس كذلك؟ ستشمل الوفود الدبلوماسية أيضاً.”
“نعم، يا جدي.”
“لا بد أن بينهم الكثير ممن لديهم بنات في سن الزواج…”
كانت نظرة جده التي صمت بعدها وهو يراقبه صريحة ومكشوفة للغاية، لدرجة أن سيدريك استطاع تخمين ما سيتبعها من كلمات دون أن يسمعها.
تقبل سيدريك نظرات جده باعتياد وهو يمسح فمه، ثم طوى المنديل ووضعه جانباً مجيباً بالرد المعتاد.
“سأحاول بذل جهدي.”
“سيدريك.”
“عليّ معالجة بعض الأمور قبل مأدبة الغداء، لذا سأنهض أولاً.”
نهض سيدريك قبل أن يبدأ جده في إلقاء المواعظ. وبينما كان يغادر غرفة الطعام وخلفه صوت جده الذي يتنهد قائلاً ‘يا له من ثعلب ماكر!’، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف من خلف الردهة.
“تقول إيفون إنها لن تستطيع الحضور اليوم أيضاً لأن حالتها ليست جيدة.”
كانت كاثرين وديريك. وفي يد كاثرين التي كانت تقترب، رسالة مختومة بشعار عائلة لوروا.
“أي نوعٍ من نزلات البرد هذه التي تدوم لأكثر من عشرة أيام…وفي الصيف أيضاً؟ أتساءل إن كانت لم تتعافى من مرضها المزمن التي عانت منه في طفولتها بعد.”
عند سماع ذلك، انطلقت ضحكة ساخرة خافتة من بين أسنان سيدريك. في تلك اللحظة فقط، لاحظت كاثرين وديريك وجوده فالتفتت أنظارهما إليه.
“ربما تشعر الآنسة بالرغبة في التكاسل أحياناً. أو ربما…”
أضاف سيدريك بنبرة خافتة وهو يمر بجانب ديريك الذي كان يرمقه بنظرات تفيض بالعداء.
“هناك سبب يجعلها لا ترغب في المجيء.”
تشوهت تعابير وجه ديريك. لكن نظرة سيدريك، الذي أعطى ظهره لديريك، غارت في برود عميق.
فهو يعلم تماماً أن الشخص الذي تحاول إيفون تجنبه ليس ديريك، بل هو نفسه.
لقد مضت عشرة أيام بالفعل. وكان صبره قد بدأ ينفد.
إذا استمرت إيفون في تجنبه، فلم يتبقَ أمامه سوى خيار واحد.
***
عندما وصل لوغان إلى القصر الملكي، كانت هناك بالفعل طوابير طويلة من العربات تدخل القصر تباعاً.
كانت الأغلبية لعربات العائلات النبيلة التي تحمل شعاراتها العريقة، لكن كان هناك أيضاً الكثير من العربات الفاخرة التي لا تحمل أي شعار، وتعود لرجال أعمال من عامة الشعب.
تمتم لوغان بلسانه استياءً من هذا المشهد الذي يجسد واقع العصر الحالي بوضوح.
‘كيف يتجرأ عامة الشعب على تناول الطعام مع الملك؟ لو كان هذا في الماضي، لكان أمراً لا يمكن تصوره.’
يبدو أن الملك روبرت الخامس قد أصبح أكثر ذعراً مع تقدمه في السن، حيث أصبح يردد كلمات مثل “السلام” و”التعاون” في كل مناسبة. كانت تلك العقلية لا تليق أبداً بمكانة الملك.
على النقيض تماماً، كان ولي العهد آرثر يمتلك طموحاً لفرض السلطة والهيبة بما يليق بحماسة الشباب؛ وهذا هو السبب الذي جعل لوغان يختاره ليخدمه.
توقفت العربة أخيراً أمام المبنى.
وما إن ترجل لوغان منها، حتى تنحى المحيطون به جانباً وهم يراقبون ردود أفعاله بحذر. كانت هذه الحياة هي المعتادة بالنسبة له.
في وسط تلك الأجواء، كان ديريك الوحيد الذي تقدم نحوه محيياً بتكلف.
“لقد مر وقت طويل منذ أن التقينا يا سمو الدوق.”
“يبدو أن سيد غلاستون لم يأتِ معك.”
“جدي يتجنب مثل هذه المناسبات. وبما أنني نشأت تحت رعايته، أليس من واجبي الآن أن أقوم بدور الحفيد البار؟”
دخل الاثنان معاً إلى داخل القصر الملكي.
“صحيح، كيف حال صحة الآنسة؟ والدتي قلقة جداً عليها، وأنا كذلك بالطبع.”
ظاهرياً كان الأمر يبدو قلقاً، لكن لوغان أدرك المعنى الضمني المختبئ خلف هذا التساؤل.
كانوا يتساءلون عما إذا كانت إيفون قادرة على إنجاب طفل يحمل دماء عائلة الدوق، أو ما إذا كان هناك “عيب” ما في صحتها.
“لقد تعافت تماماً تقريباً، لذا ستزور القصر كما هو مخطط لها بدءاً من الأسبوع القادم. أخبر والدتك ألا تقلق.”
وصل الاثنان إلى القاعة التي تقام فيها المأدبة، وفي تلك اللحظة، تيبست تعابير وجهيهما ببرود.
كانت أنظارهما مصوبة نحو الطرف الآخر، حيث كان سيدريك يتبادل الحديث مع الملك. الرجل الذي يمثل وحده وجه هذا العصر الجديد الذي يمقتانه.
نظر لوغان إليه باستياء، ثم تلاقت عيناه مع ولي العهد آرثر، فأومأ برأسه محيياً وجلس في مقعده.
بدأت المأدبة بعد وقت قصير.
ورغم تخلل الجلسة أحاديث عن الأوضاع الدولية وشؤون الأعمال، إلا أنها كانت في جوهرها ساحة اجتماعية لتوطيد العلاقات بين القوى المتنفذة من مختلف الدول، لذا سادها جو من المرح والود، بغض النظر عن الحسابات والمصالح التي كانت تُحاك في الخفاء.
في تلك اللحظة، طرح الملك موضوعاً مفاجئاً.
“بالمناسبة يا سيدريك، ألا توجد امرأة وعدتها بالزواج بعد؟”
جالت نظرات الملك بين الوفود الدبلوماسية ورجال الأعمال من دولتي ديوسين وريببيرا، ثم عادت لتستقر على سيدريك مجدداً.
“سمعت أن الجميلات يكثرن في ديوسين وريببيرا. ألا تفكر في اتخاذ عروس أجنبية هذه المرة؟”
تصلبت تعابير وجه لوغان عند سماع ذلك.
فإذا حصل سيدريك على عائلة زوجة ذات نفوذ، فسيصبح وضع ديريك في المنافسة على خلافة العائلة ضعيفاً، وبالتالي ستكون هناك حدود للأموال التي يمكن لـ لوغان سحبها واستخدامها من عائلة غلاستون.
‘منذ متى والملك يلعب دور الخاطبة؟’
تدخل آرثر لمحاولة السيطرة على الموقف.
“سمعت أن ابنة السيد لورانس تُعد من أجمل الجميلات في مملكة ريببيرا. ما رأيك يا سيدريك؟”
كان ماديسون لورانس رجل أعمال من عامة الشعب في مملكة ريببيرا.
لقد تعمد آرثر طرح اسم ابنة رجل أعمال عادي ليوقف الملك روبرت الخامس قبل أن يزوج سيدريك من نبيلة أجنبية ذات نفوذ.
لكن الرد جاء بالرفض المهذب.
“يبدو أنني تسببتُ دون قصد في قلقكما بشأن مسألة زواجي. أشكركما على اهتمامكما، لكني أظن أنها مرشحة تفوق استحقاقي.”
“هل هناك امرأة في قلبك بالفعل؟”
ألقى الملك روبرت الخامس سؤاله بعفوية، لكن سيدريك لم يرد سوى بابتسامة غامضة.
“سأبذل جهدي لأسمعكم أخباراً طيبة في أقرب وقت ممكن.”
وفي تلك اللحظة، تلاقت عينا لوغان مع عينيّ سيدريك الذي نظر بإتجاهه.
التعليقات لهذا الفصل " 35"