وبينما كانت تعود أدراجها إلى قاعة المأدبة، لم تستطع إخفاء ابتسامة الرضا التي ارتسمت على شفتيها.
اتجهت ناديا نحو المكان الذي كان يجلس فيه رفاقها. في تلك اللحظة، رأت إبنة عائلة سومرست تغادر المكان.
“إلى أين أنتِ ذاهبة يا إليانور؟”
“آه، سأذهب لاستنشاق بعض الهواء لبرهة.”
عندما كانت إليانور على وشك المرور، استدارت ناديا نحوها وكأنها تذكرت شيئاً وأضافت:
“إذن، أعتقد أنه من الأفضل ألا تذهبي نحو الشرفات.”
“همم؟ لماذا؟”
“آه، حسناً…”
أنهت ناديا كلامها بتردد وكأنها في حيرة. لكن ابتسامة رضا مرت على شفتيها ثم اختفت.
حفز تصرف ناديا المتردد فضول إليانور، فحثتها بعينيها. عندها فقط، فتحت ناديا فمها وكأنها لا تستطيع المقاومة.
“السير ديريك وإيفون كانا هناك. ألا يبدوان رائعين معاً؟”
“يا الهي. حقاً؟”
شهقت إلينور بدهشة وقد اتسعت عيناها، بعد أن أدركت المعنى الخفي الكامن وراء تلك الكلمات.
رغم أن الحديث قد يبدو عشوائياً أو مفاجئاً للوهلة الأولى، إلا أنه كان إجابة كافية جداً لإرواء عطش فضولها.
وعلاوة على ذلك، كان وقوداً كافياً لتأجيج نار الإشاعات.
***
“…آه.”
في صباح اليوم التالي، استيقظت إيفون وأطلقت تنهيدة. كان ذلك لأن ذكريات الليلة الماضية كانت حية بشكل مفرط.
محاولتها القفز من الشرفة وهي مخمورة لتجنب ديريك، اكتشاف سيدريك لها بالصدفة في تلك الحالة، وحتى ذكرى قفزها وتدحرجها معه على العشب.
رغم أنها عادت إلى قاعة المأدبة بهيئة طبيعية بعد تنزهها مع سيدريك، إلا أنه يبدو أنها لم تكن قد استعادت وعيها بالكامل حينها، بالنظر إلى أن موجة الندم والذهول لم تجتحها إلا الآن.
‘لا بد أنني كنتُ مجنونة حقاً…’
دفنت إيفون وجهها في الوسادة وهي تطلق صرخات صامتة من شدة الإحراج. ظل وجه سيدريك وهو يضحك عليها بينما ترتكب تلك الفوضى يراود خيالها، مما جعل وجنتيها تشتعلان خجلاً.
ولحسن حظها، فإن حقيقة أنها لن تضطر لمواجهته لفترة من الوقت ساعدت في استعادة سلامها النفسي بسرعة.
بعد فترة وجيزة، تمكنت أخيراً من استجماع شتات نفسها، فجرعت كوباً من الماء البارد محاولةً طرد ذكريات الليلة الماضية مع كل رشفة، ثم سحبت حبل الجرس لاستدعاء الخادمة.
“هل استيقظتِ يا آنستي؟”
بعد قليل، دخلت سيندي حاملةً ماء الغسل. وبما أن إيفون كانت قد عادت إلى القصر وهي تمشي على قدميها بثبات الليلة الماضية، بدا أن سيندي لم تلاحظ حتى أنها كانت ثملة. كان ذلك بمثابة بصيص أمل وسط سوء حظها.
بعد الانتهاء من غسل وجهها، جلست إيفون أمام طاولة الزينة وبحثت عن الصحيفة كجزء من روتينها المعتاد.
لكن لسبب ما اليوم، كان الدواء الذي ترسله كاثرين موضوعاً وحيداً على طرف الطاولة، حيث اعتادت سيندي وضعه بجانب الصحيفة دائماً.
ابتلعت إيفون الدواء الذي لا تطيق تناوله بدافع العادة ثم سألت.
“سيندي، أين الصحيفة؟”
“آه، في الحقيقة…”
توقفت يد سيندي التي كانت تصفف شعر إيفون فجأة. بدت في غاية الارتباك وهي تتهرب من الإجابة وتدحرج عينيها بقلق.
وبينما كانت إيفون ترمش بذهول مستغربة رد فعلها، سُمع صوت طرقات على الباب تلاها صوت خادمة تقول:
“آنستي، سمو الدوق يطلب رؤيتكِ.”
هبط قلب إيفون في جوفها عند سماع هذا الخبر غير المتوقع؛ فـ لوغان لم يسبق له قط أن استدعاها لأمر سار.
بعد أن انتهت من زينتها، غادرت إيفون الغرفة ووصلت إلى مكتب لوغان.
“…إنها أنا، يا أبي.”
قالتها وهي تلفظ ذلك اللقب الذي لا يزال يشعرها بخشونة الرمل في فمها.
“ادخلي.”
بمجرد دخولها المكتب، انقض عليها صوته الحاد كأنه ضربة عنيفة.
“أيتها السافلة. ألم تستطيعي التخلص من خصالكِ الدنيئة تلك حتى لوثتِ سمعة العائلة؟”
“…لا أفهم عما تتحدث فجأة.”
وبدلاً من التوضيح، ألقى بصحيفة في وجهها. وعندما التقطتها، وقعت عيناها على عنوان مقال في أسفل الصفحة.
[عفة ابنة الدوق بيعت للرأسمالية الدنيئة]
كان محتوى المقال الذي تلا العنوان لاذعاً؛ حيث زعم أن عائلة الدوق لوروا عقدت الخطوبة طمعاً في ثروة عائلة غلاستون، وأن ابنة الدوق – التي كان يُفترض بها الحفاظ على عفتها حتى الزواج، قد أعماها الطمع في الثروة لدرجة تخلت فيها عن واجباتها كآنسة، وانخرطت في لقاءات سرية مع خطيبها.
طبعاً، كانت قصة لا أساس لها من الصحة.
“لم ألتقِ بالسير ديريك حتى، في مأدبة الأمس.”
“وهل لديكِ من يثبت ذلك؟”
“هذا…”
تذكرت إيفون سيدريك، الرجل الذي قضت معه الوقت بعيداً عن القاعة بالأمس. لكن ذكر اسمه في هذا الموقف سيكون حماقة محضة.
عضت إيفون على شفتيها بقوة.
“من سيصدق كلامكِ في حال عدم وجود شاهد؟ خاصة وأن هناك شهادات تؤكد رؤيتكِ مع ديريك غلاستون.”
“…….”
“المهم هنا ليس الحقيقة، بل ما يؤمن به الناس.”
كيف لها أن تواجه أناساً يصدقون ما يريدون تصديقه بدلاً من الحقيقة؟
في تلك اللحظة، خطر ببالها فجأة.
أنها لن تتمكن أبداً من أن تصبح “نبيلة مثالية” طوال حياتها.
“مهما كان ماضيكِ، أنتِ الآن إيفون لوروا.”
“…….”
“لا يهمني ما تفعلينه في الخفاء لإغواء ديريك غلاستون، لكن أحسني التصرف حتى لا يتكرر صدور مثل هذه المقالات الوضيعة مرة أخرى.”
إيفون لوروا..
ذلك الاسم الذي لم تطلبه قط، جثم على صدرها مرة أخرى ليخنقها. ابتلعت إيفون ريقها لتهدئة الغثيان الذي اجتاح جوفها، لكن كلمات لوغان لم تنتهِ عند هذا الحد.
“وبسبب هذه الحادثة، اقترحت عائلة غلاستون إقامة حفل الزفاف قبل نهاية الصيف.”
“…عذرًا؟”
“بما أنكِ مستعجلة هكذا، فهذا جيد لكِ.”
ارتعشت عينا إيفون بعنف. استمر لوغان في إضافة المزيد من الكلمات، لكن عقلهما لم يعد يستوعب شيئاً مما يقال.
نظرت إيفون بجمود نحو بتلات الزهور التي كانت تتطاير خلف النافذة.
كانت بتلات أزهار الليلك، التي تفتحت في أواخر الربيع، تتناثر مع الرياح. وشعرت بضيق في صدرها بسبب رائحتها القوية التي تكاد تخنقها.
***
بعد ذلك، تقدمت الاستعدادات للزفاف بسرعة من كلا العائلتين.
على سبيل المثال، بينما كانت تتعلم إيفون آداب شرب الشاي كجزء من دروس العروس، فجأة زارتها خياطة من دار أزياء.
تماماً كما هو الحال الآن.
“سيدتي، مدام لورانس وصلت.”
أبلغت الخادمة التي اقتربت بهدوء بالخبر.
أرسلت إيفون نظرة حائرة إلى كاثرين التي كانت ترحب بالخبر بفرح وكأنها كانت تنتظره. فأجابت كاثرين بابتسامة فخورة.
“أنا من دعوتها. أردت أن أقدم هدية لا تُنسى للآنسة العزيزة التي ستصبح جزءاً من عائلتنا.”
“هدية؟”
“فكرتُ في تفصيل فستان زفاف يليق بكِ يا آنسة إيفون. لذا طلبتُ منها إحضار بعض النماذج الأولية للفساتين اليوم.”
فستان الزفاف.
لسببٍ ما، شعرت إيفون بضيقٍ يعتصر صدرها عند سماع تلك الكلمة.
“لو رُزقتُ بابنة، لكنتُ تمنيتُ فعل هذا لأجلها، لكن يبدو أن الإله لن يمنّ عليّ بمثل هذه النعمة.”
“…”
“لذا، طلبتُ من سمو الدوق أن يسمح لي بتفصيل فستان زفافكِ معتبرةً إياكِ ابنةً لي، وقد وافق بكل سرور. لا بأس بهذا، أليس كذلك؟”
إن الإجبار المغلف باللطف هو أكثر ما يصعب رفضه.
رسمت إيفون ابتسامة غامضة على وجهها ورفعت فنجان الشاي.
هذه المرة أيضاً، لم يكن هناك سوى إجابة واحدة يمكنها تقديمها.
“شكرًا لاهتمامكِ البالغ بكل هذه التفاصيل يا سيدتي.”
اقترحت كاثرين أن ينهيا شرب الشاي ثم يدخلا إلى القصر.
رفعت إيفون الفنجان الموضوع أمامها؛ ورغم أن الشاي قد برد بالفعل إلى درجة مناسبة، لكنها تعمدت أن تتريث قليلًا.
متجاهلةً تلك البتلة التي سقطت في فنجانها دون أن تشعر.
***
عاد سيدريك إلى قصر غلاستون بعد أن أنهى جدول أعماله المسائي في وقت أبكر من المتوقع. كان لا يزال هناك متسع من الوقت حتى موعد المأدبة المسائية.
وكالعادة، كان الخادم في استقباله.
“السيدة موجودة في الحديقة برفقة ضيفة.”
كان قصد الخادم واضحاً بإخباره بمكان كاثرين دون أن يسأل؛ وهو ألا يتفاجأ بوجود ضيفة هناك. وعلاوة على ذلك، ألا يزعجهما.
لكن ذلك كان أمراً يعرفه سيدريك بالفعل.
بمجرد أن صعد إلى غرفته وفتح الباب، هاجمته رائحة الليلك القوية التي كانت تملأ المكان. قطب حاجبيه ليرى النافذة مفتوحة؛ يبدو أن الخادمة التي انتهت من التنظيف قد نسيت إغلاقها.
وضع سيدريك سترته على الأريكة واقترب من النافذة. وبينما كان يهمّ بإغلاقها، وقع بصره على منظر الحديقة.
وعلى تلك المرأة الضئيلة الجالسة بهدوء وسط الزهور المتفتحة.
كانت تحتسي الشاي بابتسامة هادئة، وكأنها بطلة لوحة فنية تمثل الربيع. بدت في هيئة تختلف تماماً عن تلك المرأة الجريئة التي قفزت من الشرفة للهرب من خطيبها.
تذكر ذلك الجسد الخفيف الذي حملته ذراعاه رغم إخبارها له بأنها ثقيلة، ورائحة النبيذ الخفيفة التي كانت تنبعث منها، ووجنتيها اللتين اصبغتا باللون الأحمر بفعل الخمر.
أطلق سيدريك ضحكة خافتة لا إرادية بينما كان يتذكر مشهد “الهروب الكوميدي” في تلك الليلة الربيعية، اقتحمت خادمة خرجت من القصر ذلك المشهد.
قالت كاثرين شيئاً ما بعد سماع كلمات الخادمة، وفجأة، تلاشت تلك الابتسامة المرسومة على وجه إيفون وحلّ مكانها الانزعاج.
وبعد برهة، أفرغت المرأة فنجانها وتبعت كاثرين لتختفي داخل القصر.
راقب سيدريك المكان الذي فرغ منهما للحظة، ثم أغلق النافذة ودخل إلى غرفة الملابس.
رغم أن أحد أسباب حضوره للمآدب قد زال بعد تفاوضه مع إيفون، إلا أن الزواج أصبح أمراً لا يمكن تأجيله أكثر حتى لو رحلت هي. لذا، كان عليه الاستمرار في حضور الحفلات بجدية في الوقت الحالي.
بعد أن ارتدى ملابسه الرسمية، قام سيدريك بربط ربطة عنقه للمرة الأخيرة. وبدت تلك الربطة الأنيقة والمحكمة خانقة على غير العادة في هذا اليوم.
التعليقات لهذا الفصل " 29"