28 - الفصل الثامن والعشرين: تبعثر فيها تحت ضوء القمر
قراءة ممتعة~~~
“لماذا يتواجد هذا الرجل هنا تحديداً؟”
بينما كانت إيفون متجمدة من هذا الموقف غير المتوقع، خطا سيدريك خطوات واسعة مقترباً منها.
وعندما رأت إيفون أن نظراته استقرت على حذائها الملقى عند قدميه، استعادت وعيها فجأة وهمست بارتباك.
“ابتـ.. ابتعد من فضلك.”
لكن سيدريك، بدلاً من أن يبتعد، خطا خطوة أخرى ليصبح أقرب. ثم نظر إلى إيفون للأعلى.
“اقفزي. سأمسك بكِ.”
شحب وجه إيفون تماماً.
شحب وجه إيفون تماماً حتى صار كالجثث.
لقد تجاوزت السور بشكل اندفاعي متهور هرباً من ديريك حين علمت أنه يطاردها، لكنها لم تكن ترغب أبداً في أن يراها أحد بهذا المنظر المزري.. وخاصةً هذا الرجل.
بمجرد أن اصطدمت عيناها بعينيه الزرقاوين الصافيتين، طار عنها سكر الخمر الذي كان يغمر ذهنها واستعادت رشدها بالكامل. أدركت متأخرة أنها ارتكبت حماقة كبرى بدافع الثمالة، لكن الندم الآن لم يعد ينفع.
قالت إيفون بملامح باكية وصوت خافت يكاد يختفي.
“أنا.. أنا ثقيلة…”
لكن سيدريك، وكأنه لم يسمع كلماتها، كان يتبع ديريك الذي كان يقترب بعينيه.
“…إنه قادم.”
فُتح باب الشرفة المجاورة.
إذا استمر الوضع هكذا، فلن يتم الإمساك بها من قبل ديريك في هذا المظهر السخيف فحسب، بل سيكشف أيضاً حقيقة وجودها مع سيدريك.
بعد ترددها، غير قادرة على فعل أي شيء، قفزت إيفون أخيراً إلى أحضانه.
‘حتى لو تأذى فلن يكون ذنبي.’
لأن هذا الرجل هو من تجاهل تحذيرها بالابتعاد.
جذبتها الجاذبية نحو سيدريك.
في اللحظة التي وصلت فيها إلى أحضانه، أحاطت بها يداه الضخمتان، محتضناً إياها من رأسها بينما ارتدّ هو وسقط إلى الخلف.
لم يكن هناك أي صدمة أو ألم كان من المفترض أن تشعر به.
فقط دفء جسده الصلب الذي يحيط بها.
‘يجب أن أبتعد بسرعة…’
استعادت إيفون وعيها متأخرة للحظة، وحاولت الابتعاد عن أحضانه.
لكن حركتها توقفت بفعل يده التي سحبت مؤخرة رأسها نحوه. وفي نفس اللحظة، سُمع صوت فتح باب الشرفة التي كانت إيفون معلقة بها قبل قليل.
حبست إيفون أنفاسها. ثم سمعت بوضوح أخيراً.
صوت أنفاس الرجل الخافت الذي كان يحتضنها.
وصوت خفقان القلب الذي يتردد عبر صدريهما المتلاصقين.
بل ربما كان ذلك صوت خفقان قلبها هي.
“أين ذهبتْ بحق الجحيم…”
لحسن الحظ، لم ينظر ديريك إلى أسفل الشرفة. وسرعان ما سُمع صوت إغلاق الباب مرة أخرى. تلاه صوت فتح باب آخر وإغلاقه في مكان ليس ببعيد، ثم ساد السكون التام أخيراً.
حينها فقط رفعت إيفون -التي كانت تحبس أنفاسها حتى تلك اللحظة- جسدها ببطء وحذر.
وفي تلك اللحظة، تلاقت أعينهما.
تلك العينين الزرقاوين اللتين لم تعكسا سوى صورتها هي وحدها.
كانت عيناه ترقبانها دون أدنى اهتزاز، وكأنها سُجنت داخل تلك النظرات.
في تلك اللحظة التي كانت فيها متصلبة وكأنها أسيرة له، حذرها حدسها.
ألا تقع في أسر تلك العينين.
خفضت إيفون عينيها وتجنبت نظراته، ثم خرجت من أحضانه بسرعة وارتباك.
عندها فقط، نهض سيدريك ببطء.
بعد أن استعادت إيفون وعيها المشوش قليلاً، تفقدت حالته متأخرة.
“هل أنت بخير…؟”
“لستُ أدري، يبدو أن هناك عظماً قد كُسر…”
عند تلك الكلمات، ارتعشت نظرات إيفون بشدة.
وبارتباك وقلق، بدأت تتحسس خصره وجسده بيديها. شعرت بوضوح بصلابة جسده الذي شعرت به عندما كانت بين ذراعيه. لكن لم يكن هناك أي شيء غريب.
هل من الغريب ألا تشعر بكسر العظم تحت الجلد؟ أم أن…
عندما أدركت إيفون أن هناك شيئاً غريباً، سمعت ضحكة خافتة فوق رأسها.
عندها فقط أدركت، أنه كان يمزح معها.
رفعت إيفون رأسها بانزعاج. في تلك اللحظة، اقترب وجه سيدريك. حبست إيفون أنفاسها لا إرادياً.
كان ينظر في أعماق عينيها من مسافة قريبة جداً لدرجة تلامس أنفاسهما؛ بتلك العينين ذاتهما اللتين قيدتاها قبل قليل.
“هل أنتِ مخمورة؟”
شعرت بدغدغة على شفتيها من أثر أنفاسه التي لامستها.
زمّت إيفون شفتيها وهي تشعر برغبة في البكاء من شدة الحرج، وبدأت تبتعد عنه ببطء وتؤدة.
رغم أنها كانت محاولة متأخرة بلا جدوى بما أنه قد شمّ رائحة الخمر بالفعل.
لكن جهودها ذهبت سدى، فقد خرجت فواق من بين شفتيها المنفرجتين.
ساد صمت قصير.. ثم:
“ها…”
انفجر سيدريك ضاحكاً. لم تكن هذه المرة ضحكة ساخرة عابرة، بل كانت ضحكة صريحة تدل على أنه لم يستطع تمالك نفسه.
في تلك اللحظة، اشتعل وجه إيفون خجلاً وصار أحمر كالجمرة.
ومع ذلك، لم تستطع أن تطلب منه التوقف عن الضحك؛ ليس فقط لإدراكها بأن تصرفها كان محرجاً، بل والأهم من ذلك…
لأنها كانت المرة الأولى التي تراه فيها يضحك بهذا الشكل.
كانت ضحكته مختلفة عن ابتسامته المعتادة الرزينة والمنضبطة؛ لقد كان يضحك من قلبه.
الرجل الذي كان يتألق دائماً، كان جميلاً حتى في هذه اللحظة التي تبعثر فيها تحت ضوء القمر.
حدقت إيفون به بذهول. حتى أنها نسيت تماماً أنها هي من تسببت في هذه الضحكة.
عاد إليها الإحراج المنسي في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه بعد أن توقف عن الضحك.
حاولت إيفون النهوض بسرعة من مكانها، لكن يبدو أن حرارة جسدها قد ارتفعت بسبب الفوضى التي حدثت قبل قليل، مما جعل مفعول الخمر يسري في عروقها، فاهتزت رؤيتها بوضوح.
وفي تلك اللحظة، امتدت يدٌ أمام عينيها.
“سأرافقك.”
لقد عاد إلى هيئة السيد الأنيق الذي لا تشوبه شائبة. كان من الصعب تصديق أنه نفس الشخص الذي تدحرج معها على العشب قبل قليل.
شعرت إيفون بوطأة الخجل تمنعها من الرغبة في الإمساك بيده، لكنها قررت أن التخلي عن عنادها أفضل من الظهور بمظهر أكثر إثارة للسخرية.
أمسكت إيفون بيده ونهضت.
التقط سيدريك الحذاء الذي ألقته إيفون ووضعه أمامها. ثم قدم لها ذراعه لتستند عليها.
أمسكت إيفون بذراعه وارتدت حذاءها.
على الرغم من أن جسدها كان يترنح بسبب رؤيتها المهتزة، إلا أن ذراعه القوية كانت بمثابة دعامة لها.
قال سيدريك وهو يسندها:
“عودي إلى قاعة المأدبة فوراً ولا تخرجي منها ثانية.”
لكن إيفون هزت رأسها رفضاً.
“لا يمكنني العودة الآن.”
لم يسأل سيدريك عن السبب، بل اكتفى بالنظر إليها بانتظار التوضيح.
“لأنني إذا عدتُ في هذه الحالة، قد أرتكب خطأً أمام الجميع……..”
تنهدت بعمق بعينين نصف مغمضتين، ففاحت منها رائحة النبيذ الخفيفة.
بالفعل، بدت في وضع خطر.. بتلك الهيئة العفوية الخالية من أي دفاعات.
“آه، مثلما قفزتِ من هناك؟”
أشار سيدريك بطرفه نحو سور الشرفة، فنفخت إيفون وجنتيها بضيق وحنق وقد اشتعل وجهها خجلاً. بدا واضحاً أنها تريد الرد عليه ومجادلته في سخريته، لكنها لم تجد حجة، فبدت مستاءة للغاية.
أطلق سيدريك ضحكة خفيفة وسألها.
“إذن، هل الأمر على ما يرام أمامي أنا؟”
“لأنك..شريكٌ لي في نفس القارب.”
بينما كانت تقول ذلك، فاضت عيناها بلمحة من الثقة تجاهه. كانت هيئة مختلفة تماماً عن حالها السابق، حين كانت دائماً ما تلتزم الحذر وتنشغل بالاختباء منه.
“إنه لشرفٌ عظيم لي أن أشارك الآنسة أسرارها الخفية.”
قرر سيدريك أن يمنح “شريكته في نفس القارب” ذراعه بكل سرور، حتى يزول عنها أثر الخمر تماماً.
وبينما كان يرافقها في نزهتها، فتح سيدريك موضوعاً للنقاش عندما وصلا أمام أحواض الزهور.
“هل فكرتِ فيما ستفعلينه بمجرد العثور على والدتكِ؟”
“سأرحل أولًا. إلى أبعد مكان ممكن.. إلى مكان لا يعرفني فيه أحد.”
“وماذا بعد ذلك؟”
غرقت إيفون في التفكير.
وفي تلك الأثناء، بدأ البريق الصافي يعود إلى عينيها، وكانت قد أفلتت ذراعه التي كانت تتشبث بها دون أن تشعر.
توقفت نظرات سيدريك عند يدها التي ابتعدت عنه.
“لقد عملتُ سابقاً في دكان للأعشاب. وبما أنني أعرف الكثير عن النباتات الطبية، فأعتقد أنني سأتمكن من العثور على وظيفة في محل أعشاب في المكان الذي سأستقر فيه.”
كانت عيناها الخضراوان تلمعان بحيوية وهي ترسم مستقبلها بعد مغادرة هذا المكان.
تعمقت نظرات سيدريك وهو يراقبها بصمت.
“ولكن، أيها السير.. هل تعتقد أننا سنجد أمي قريباً؟”
اعتاد سيدريك دائماً أن يعطي إجابات غامضة عندما يريد كسب المزيد من الفوائد من الطرف الآخر، وإجابات واثقة عندما يريد فرض سيطرته. لكن المرأة التي تقف أمامه لم تكن تنتمي لأي من الحالتين.
ومع ذلك، اختار سيدريك أن يعطيها إجابة غامضة.
“بافتراض أن الدوق لم يخفها بإحكام شديد، فربما.”
فالإجابة الواثقة ستجعلكِ تستمرين في الحلم بمستقبلكِ.
سقطت رموش إيفون بخيبة أمل إثر رده غير الحاسم. راقبها سيدريك للحظة، ثم حول نظره إلى الزهور المتفتحة في الحديقة.
التعليقات لهذا الفصل " 28"