كان الطعم مراً أكثر مما توقعت. لكن الغريب أنها انجذبت إلى هذا الطعم المر.
“أنا لا أعرف الكثير عن النبيذ، لكنه نبيذ ذو رائحة عميقة وغنية. أعتقد أنني أدرك مدى تفكير السيدة في اختياره.”
“يا إلهي. يسعدني أن الآنسة إيفون قيمته هكذا.”
عندما أومأت السيدات والآنسات النبيلات المحيطات برؤوسهن موافقات على كلام إيفون، وامتدحن الكونتيسة لوبيز، عندها فقط ابتسمت الكونتيسة ابتسامة راضية.
أدت إيفون واجبها كضيفة وكانت ترغب في وضع النبيذ جانباً، لكنها شعرت أنها ستفسد الجو مرة أخرى إذا وضعت الكأس على الفور. في النهاية، قررت أن تشرب هذا الكأس.
لكن ذلك كان بداية المشكلة.
كان النبيذ أقوى مما توقعت. على الرغم من أنها شربته ببطء عمداً، إلا أنها شعرت بالدوار عندما انتهت من الكأس.
“…قد أرتكب خطأً ما هكذا.’
عندما أدركت إيفون أن حالتها ليست جيدة، انسحبت بهدوء من المكان. اعتقدت أنها انسحبت بأقصى قدر من الهدوء، لكن ناديا لحقت بها.
“إيفون، هل أنتِ بخير؟”
“أنا بخير. سأحتاج فقط إلى قليل من الراحة.”
“إذن، سأصطحبكِ أنا.”
أمسكت ناديا بذراعها بشكل طبيعي. كانت لمستها مخيفة نوعاً ما.
سحبت إيفون ذراعها من يدها غريزياً. على الرغم من أن عقلها كان مشوشاً بسبب تأثير الكحول، إلا أنها لم تستطع تجاهل حدسها الغريزي الذي حماها طوال حياتها.
“ما بكِ؟”
ابتسمت إيفون متظاهرة بأنها بخير.
“أنا بخير، لذا اذهبي. أنتِ مضيفة هذا الحفل. لذا يجب أن تلتزمي بمكانكِ.”
بدا أن تعابير وجه ناديا قد بردت للحظة، لكنها كانت لحظة قصيرة جداً لا يمكن الانتباه إليها.
“لم تعودي فتاة ريفية، بل أصبحتِ إبنة دوق حقيقية. حسناً. اذهبي وخذي قسطاً من الراحة.”
تركتها ناديا تذهب بسهولة.
ابتعدت إيفون تاركة ناديا خلفها. ناديا، التي كانت تراقب الاتجاه الذي اختفت فيه إيفون، أوقفت خادمة كانت تمر.
“أنتِ هناك. اذهبي واحضرِي السير ديريك غلاستون.”
مع بقاء عينيها مثبتتين على الاتجاه الذي اختفت فيه إيفون.
***
بعد أن عرف ديريك بمكان تواجد إيفون من الخادمة، غادر قاعة المأدبة على الفور.
الشرفة في الطابق الثاني من الملحق الغربي.
كانت خطواته المتجهة نحو المكان الذي يُفترض أن تنتظر فيه إيفون بهدوء وثقة، كصيادٍ ذاهبٍ لاستلام فريسته التي وقعت في الفخ.
تذكر رسالة المساعدة التي ساعدته في هذا الأمر.
[أعتقد أن ما حدث في دار الأوبرا كان زلة منك. الحب أحياناً يجعل المرء يتصرف بحماقة، لكنني لا أرى أن ذلك الشعور خاطئ.
ورغم أن إيفون تتجنبك، إلا أن الهروب ليس حلاً دائماً. فأنتما من المفترض أن تقضيا حياتكما معاً، أليس كذلك؟
سأقوم بتهيئة الأجواء لك في المأدبة، وأرجو أن تتحدث مع إيفون وتصفي الأمور بينكما.]
الرسالة التي وصلت في الوقت الذي كان يفكر فيه ديريك كيف يستميل إيفون، خففت عنه عناءه.
فكر في نفسه أنه بمجرد أن ينتهي هذا الأمر على خير، سيتوجب عليه رد الجميل لهذه المساعدة.. وربما يكون ذلك بمساعدتها في علاقتها مع سيدريك.
كان الملحق الغربي قليل الزوار.
فقد كان مكاناً مناسباً للضيوف المتعبين من جو الحفل الصاخب للراحة، ومكان أنسب لمصالحة خطيبة غاضبة.
وصل ديريك إلى الشرفة التي أخبرته عنها الخادمة، وطرق الباب الزجاجي.
لكن، لم يأتهِ رد من الداخل. طرق مرة أخرى ظناً منه أنها لم تسمع، لكن النتيجة كانت ذاتها.
هل نامت بسبب تأثير الكحول؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن وجهة نظره، كان ذلك أفضل.
رفع ديريك زاوية فمه في ابتسامة ناعمة.
“آنسة إيفون، سأدخل لبرهة.”
فتح الباب الزجاجي للشرفة وخطا إلى الداخل.
“…إيفون؟”
لكن الشرفة لم يكن فيها سوى ريح الليل الباردة.
***
ربما لأنه كان أول حفل يحضره سيدريك بعد اختياره ممثلاً لرجال الأعمال في المعرض العالمي، كان هناك عدد كبير بشكل خاص من الأشخاص يتجمعون حوله اليوم.
“إذن، استأذنكم لبرهة.”
قرر سيدريك أن هذا القدر من المجاملات كافٍ، فاستأذن من الضيوف المحيطين به وانسحب من المكان. فهو يؤمن بأن ترك القليل من “عدم الرضا” لدى الناس هو ما يجعلهم أكثر تهافتاً عليه لاحقاً.
خرج من قاعة الحفل وهو يتفحص وجوه الناس لا شعورياً. لم تكن إيفون بينهم.
توقف سيدريك فجأة عندما أدرك ذلك.
‘حسناً، لم يعد هذا يخصني الآن.’
فإيفون لوروا لم تعد فريسته، بل أصبحت شريكة له.
ستغادر إيفون بهدوء بمجرد أن يجد والدتها. أي تواصل إضافي معها هو أمر غير ضروري، ولن يتسبب إلا في إثارة ريبة لا داعي لها لدى أولئك الذين يطمعون بها.
بعد إحباط زواج ديريك، يختار امرأة مناسبة ويتزوجها.
كانت خطته المستقبلية واضحة. وبقدر وضوح هذه الخطة، بدا انتصاره أيضاً أمراً بديهياً.
سحب سيدريك ربطة عنقه التي كانت مشدودة بإحكام لدرجة الخنق، وأرخاها قليلاً.
شعر أنه يجب أن يعود اليوم.
فالبحث عن شريكة زواج لم يعد أمراً عاجلاً.
بينما كان يستدير للعودة إلى قصر غلاستون، رأى شخص مألوف في نهاية الرواق.
‘…ديريك؟’
رآه يطرق الباب الزجاجي لأحد الشرفات، ثم يدخل إليها، ليخرج منها فوراً وينتقل إلى الشرفة المجاورة، ثم التي تليها.
راقب سيدريك أخيه غير الشقيق بعينين يملأهما الإحتقار وهو يفتش الشرفات واحدة تلو الأخرى.
كان ديريك يغير النساء كما يغير وجباته. أحياناً كان يواعد امرأتين في نفس الوقت.
يبدو أن عادات الكلب لا تتغير حتى لو ارتبط.
استدار سيدريك مبتعداً عن ديريك.
كان يكره طبيعته التي تشبه والده، لكن بغض النظر عن مشاعره، فإن حياة أخيه غير الشقيق الخاصة لم تكن من شأنه.
“هاي أنت، هل رأيت الآنسة إيفون؟”
حتى سمع صوت ديريك يسأل خادماً عابراً عن مكان إيفون.
تذكر صورة المرأة التي كانت تكافح بيأس لكي لا تبقى وحدها مع ديريك. وفي الوقت نفسه، تذكر عينيها الخضراوين اللتين كانتا ترتجفان خوفاً، ومع ذلك اقتربت منه لتعرض عليه التفاوض أولاً.
…امرأة مزعجة من نواحٍ عديدة.
استدار سيدريك على الفور وخرج من القصر.
بما أن ديريك يفتش بجنون قرب الشرفات، فهذا يعني أن إيفون كان من المفترض أن تكون هناك حسب توقعاته. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أنها لم تذهب بعيداً.
لكن، إذا قام بتفقد الشرفات الآن، فسيواجه ديريك حتماً، وهو وضع لن يكون ساراً بالنسبة لإيفون على الإطلاق.
خرج سيدريك إلى الخارج وسار باتجاه الشرفات. حينها وقعت عيناه على جميع شرفات القصر المطلة من ذلك الاتجاه.
وكما توقع، كانت إيفون هناك. وإن كانت حالتها تختلف قليلاً عما تصوره.
عندما وجد سيدريك إيفون، انفجر في ضحكة مكتومة لا إرادية.
لقد كانت متشبثة بحافة شرفة الطابق الثاني.
“…السير سيدريك؟”
لمعت عيناها الخضراوان اللتان بدا عليهما الذهول بوضوح تحت ضوء القمر. وفي تلك اللحظة، هبت نسمة ريح.
وسط مشهد ليلة ربيعية مزهرة، بدت تلك المرأة وكأنها تتطاير مع النسمات. وكأنها حلم.
التعليقات لهذا الفصل " 27"