ابتلعت إيفون تنهيدة ارتياح ووضعت التطريز الذي كانت تعمل عليه جانبًا.
لحسن الحظ، كانت دروس اليوم تتعلق بتنسيق الزهور والتطريز، لذا لم يكن هناك شيء محرج أو صعب.
إلى أن ألقت كاثرين سؤالاً مفاجئاً.
“اوه هل تتناولين الدواء بانتظام؟”
أدركت إيفون ما تقصده بكلمة “الدواء”، فتوقفت لبرهة مترددة، لكنها سرعان ما أجابت بابتسامة اعتادت رسمها على وجهها.
“نعم. أتناوله بامتنان، سيدتي.”
“سأرسل لك المزيد عندما يوشك على الانتهاء، لذا تناوليه دون تردد.”
عندها فقط، نهضت كاثرين من مكانها بوجه راضٍ. نزلت مع إيفون إلى الطابق الأول لتوديعها.
“بالمناسبة، لم تلتقي بديريك منذ أن عدتِ من الأوبرا، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“على الرغم من أنه يحبكِ كثيراً، إلا أنه لا يجيد التعبير عن مشاعره حقًا. سأطلب من ديريك أن يزوركِ قريباً. الجو جميل هذه الأيام، لذا اذهبا معاً في نزهة أو ما شابه.”
تجنبت إيفون الإجابة بابتسامة غامضة. بدا أنها لا تعلم شيئاً عما حدث في دار الأوبرا. وهذا أمر طبيعي، بالطبع.
عندما تذكرت أحداث ذلك اليوم، أرادت العودة إلى قصر الدوق بسرعة. قبل أن تواجه ديريك غلاستون.
لكن يبدو أن القدر لم يكن في صفها.
فقد كان ديريك، الذي عاد لتوه، يدخل القصر.
“لقد عدت مبكراً يا ديريك.”
توقفت نظرة ديريك، الذي ألقى تحية خفيفة على كاثرين، على إيفون.
عضت إيفون على شفتيها. كان هذا أول لقاء بينهما منذ انفصالهما بتلك الطريقة في دار الأوبرا.
بأي تعابير يجب أن تواجه خطيبها الذي حاول إجبار نفسه عليها؟
بينما كانت تتردد، غير قادرة على إيجاد إجابة، بادر ديريك بالكلام.
“هل تشعرين بتحسن الآن؟”
سأل مبتسماً. وكأن شيئاً لم يحدث.
“قلتِ إنكِ كنتِ تشعرين بتوعك شديد في ذلك اليوم. لقد قلقت عليكِ كثيرًا بعد أن افترقنا هكذا.”
“آه…”
“إذا كان لديكِ وقت، ما رأيكِ أن نتناول العشاء معاً؟ ويمكنكِ أيضاً القاء نظرة على غرفتي التي لم تريها من قبل.”
“أوه، هذا رائع. تناولوا العشاء معاً بعد طول غياب، آنسة إيفون.”
بدا تعبيره الهادئ وكأنه إجابة على السؤال الذي لم تجد إيفون له اجابة، لكن إيفون لم تستطع الموافقة.
خطيبها الذي حاول إجبارها وتهديدها ثم يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، وحماتها التي توافقه الرأي دون أن تعلم شيئاً، وهي نفسها التي لا تستطيع قول أي شيء.
كل شيء في هذا الموقف كان يثير الغثيان.
“…آسفة، لكن لا أستطيع اليوم. لقد وعدت والدي بتناول العشاء معه.”
كان رفضاً مهذباً.
رأت إيفون الشق يتسع في وجه ديريك المبتسم، لكنها تجاهلته وأومأت برأسها بانحناءة.
“إذن، أراكم لاحقاً.”
ودعت كاثرين إيفون بأسف. وبقي ديريك في مكانه أيضاً. لكن نظراته، وهو يرى العربة تبتعد، كانت قد أصبحت باردة تماماً.
نقرَت كاثرين بلسانها مستاءةً، وكأنها لم تكن تتودد إليها قبل قليل.
“يا لها من فتاة باردة وفظة. إنها حقاً فتاة ريفية.”
“لهذا السبب هي لطيفة، سيكون من الممتع ترويضها.”
“يا إلهي؟ أنت تنحاز لجانب خطيبتك بالفعل؟”
“أنتِ تعلمين جيداً من أقف إلى جانبه.”
ابتسم ديريك لوالدته التي كانت تحدق به بضيق، ثم صعد الدرج. لكن نظراته كانت مليئة بالانزعاج.
كانت امرأة مزعجة.
اعتقد أنها لا تستطيع فعل شيء سوى الارتعاش والبكاء، لكنها كانت عنيدة جداً. ومع ذلك، ستتزوجه في النهاية.
لعل نفاذ صبره تجاه هذه النهاية المحتومة يعود إلى رد الفعل الغريب الذي أبداه أخيه غير الشقيق تجاه هذه المرأة.
قلق غريب من أن سيدريك قد يأخذ إيفون منه، وفضول لمعرفة تعابير وجه سيدريك عندما تصبح هذه المرأة ملكه أخيراً.
كان يتوق لامتلاكها في أقرب وقت، لكن تهربها المستمر جعل من الصعب استدراجها.
ما الذي عليّ فعله؟
بينما كان يفكر في الأمر وهو يدخل غرفته، وقعت عيناه على بطاقة دعوة موضوعة فوق الطاولة. كانت دعوة من عائلة الكونت لوبيز.
وعندما همّ ديريك بتجاهلها، اكتشف رسالة أخرى موضوعة بجانبها، قادمة أيضاً من عائلة الكونت لوبيز.
‘…ناديا لوبيز؟’
ضاقت عينا ديريك وهو يتفحص اسم المرسل المكتوب على الرسالة.
“ما الذي يدفع هذه المرأة لإرسال رسالة لي؟”
فتح الرسالة وهو يتساءل. وبينما كان يقرأ أسطرها بتمعن، ارتفعت زاوية فمه في ابتسامة ملتوية.
***
في مساء يوم المأدبة، كان قصر الكونت لوبيز يعج بالضيوف.
جلست إيفون في العربة تنتظر السماح لها بالدخول بينما تتأمل حديقة القصر.
كان قصر الكونت مزيناً ببراعة بمختلف زهور الربيع، ربما ليعكس ذوق ناديا.
عند رؤية الزهور والأصص الموضوعة في كل مكان، تذكرت فجأة الأصيص الذي أرسلته كهدية. وتذكرت سيدريك الذي استلم الأصيص.
‘هل يعتني بالأصيص جيداً؟’
هو بالفعل يملك كل شيء يفيض عن حاجته، لذا فكرت ان من الافضل إرسال شيءٍ تعرفه جيداً.
لكن، راودها شعورٌ متأخر بأنها لم تأخذ رغبة المتلقي بعين الاعتبار.
ارتبكت إيفون من هذا الموضوع الذي طُرح فجأة؛ فهي تعلم أن لوغان هو الشخص الذي يدرك تماماً أن إيزابيلا لم تفقد عقلها.
لو علم بأنها وعدتها بأنها ستغادر، فلن يقف مكتوف الأيدي بالتأكيد.
“من الأفضل ألا تقومي بأي حماقة. فكري في والدتك.”
داهمها الخوف من أن ترتجف يدها التي يمسك بها، أو أن يُكشف ما تخفيه عنه.
تظاهرت إيفون بالاهتمام بنظرات من حولها، وأطرقت بصرها متجنبةً الرد. ولحسن الحظ، دُفن ذلك الحديث بمجرد دخولهما إلى القصر.
كان القصر يعجّ بالفعل بالكثير من الناس.
ولأنها كانت المرة الأولى التي تحضر فيها إيفون كضيفة، لم تستطع تمالك نفسها أو التركيز وسط الحشود الهائلة والأجواء الصاخبة.
وفي غمرة ذلك التشتت، لفت نظرها شخص واحد.
سيدريك غلاستون، ذلك الرجل.
وما جعله بارزاً بشكل استثنائي، بالإضافة إلى قامته الفارهة ووسامته الطاغية التي تبدو كأنها من عالم آخر، هي وقفته المستقيمة والمثالية التي لا تشوبها شائبة.
لكن لديه، بالإضافة إلى مظهره الخارجي هالة غريبة تجذب الأنظار.
وبينما كانت تحدق فيه تائهةً، منساقة وراء تلك الهالة، التقت أعينهما فجأة.
تلاقت نظراتهما بدقة متناهية وسط الزحام وصخب العيون التي تروح وتجيء.
بينما كانت إيفون ترمش بعينيها بذهول من هذا الموقف غير المتوقع، اقتحم صوتٌ مفاجئ هدوء تفكيرها وسرق انتباهها.
“لقد جئتِ يا إيفون! شكراً جزيلاً لتلبية الدعوة.”
كان صوت ناديا يبدو منتشياً ومتحمساً للغاية اليوم، على غير العادة.
أجابتها إيفون بابتسامة رقيقة.
“بل أنا من أشكركِ على دعوتي لهذه المأدبة الرائعة. التنسيق الطبيعي للحديقة كان جميلاً حقاً.”
لكن ما إن أتمت جملتها حتى تدفق ضيوف آخرون نحوهم.
همست ناديا وهي تتبع والديها لاستقبال الضيوف الجدد.
“استمتعي بوقتكِ قليلاً، ستبدأ المأدبة قريباً.”
بعد أن تبادل لوغان تحية قصيرة مع الكونت والكونتيسة لوبيز، ترك إيفون ومضى ليتحدث مع النبلاء، لكنه لم يذهب قبل أن يترك لها تحذيراً أخيراً بألا تتصرف بتهور.
في لحظة، وجدت إيفون نفسها وحيدةً تماماً وسط الحشود، فانتقلت إلى طاولة لم يكن حولها الكثير من الناس، وبدأت تتناول بعض المقبلات.
لم تكن تشعر بالجوع حقاً، لكنها شعرت بالحرج من الوقوف وحيدة هكذا دون حراك.
كان أول ما التقطته هو قطعة شوكولاتة مرشوشة بمسحوق أبيض. وبمجرد أن قضمتها، سال منها سائل بنكهة الفانيليا غمر فمها بحلاوته.
وبينما كانت تتلذذ بتلك الحلاوة، خطرت ببالها نبرة شخص ما.
‘أمي أيضاً كانت تحب الأشياء الحلوة.’
تذكرت حين أعطت والدتها قطعة حلوى حصلت عليها من دكان الأعشاب، إشفاقاً عليها لأنها كانت تتناول أدوية مُرّة كل يوم.
حينها، وضعت أمها الحلوى في فمها وابتسمت كطفلة صغيرة.
وعند رؤيتها لأمها بتلك الحالة، أدركت فجأة…
أن والدتها التي كانت تبدو كشخصٍ بالغ جدًا، تمتلك أيضاً براءةً طفولية تجعلها تسعد بقطعة حلوى واحدة.
‘وعدتها بأنني سأشتري لها الشوكولاتة عندما أكبر.’
أين هي أمي الآن؟
تلاشت حلاوة الشوكولاتة التي كانت تشبه الحلم، ولم يتبقَّ في فمها سوى طعمٍ جاف ومرير. وفي تلك اللحظة، شعرت فجأة بنظرة تخترقها.
التفتت إيفون بعفوية نحو ذلك الاتجاه، فتصلبت مكانها. كان ديريك يحدق بها.
سارعت إيفون بإشاحة بصرها متظاهرةً بأنها لم تره، وفي الوقت نفسه، رأت أبواب القصر تُغلق.
التعليقات لهذا الفصل " 26"