على الرغم من وجود العديد من الأشخاص حولها، لم ترَ إيفون سوى سيدريك.
لقد كُشفت أمامه بالفعل العديد من تصرفاتها المثيرة للريبة. زيارتها لمكتب التحريات، ومعرفتها الجيدة بالنباتات السامة في الغابة.
تقلصت المسافة بينهما لتصبح ثلاث خطوات فقط. الهروب الآن سيجذب انتباهه أكثر.
قررت إيفون أن تبقى في مكانها بهدوء.
في تلك اللحظة، سمعت صوت رجل من داخل غرفة المرضى.
“يا فتى الجرائد!”
اتجهت أنظار الجميع نحو الرجل، ثم تجمعت على إيفون التي كان ينظر إليها. حتى نظرة سيدريك الذي كان يمر من أمامها.
في تلك اللحظة، التقت عيناهما.
خفضت رأسها على عجل، لكنها شعرت بقلق شديد وكأن دقات قلبها العنيفة ستُكشف.
أرجوك.
أبقت إيفون عينيها منخفضتين، وهي تنظر إلى يده وحذائه اللذين كانا يمران من أمامها.
شعرت وكأن هذا الحذاء سيتوقف. وكأن هذه اليد ستمسك بها في أي لحظة. وكأنه سيسألها ماذا تفعل هنا، وما هي هويتها.
… قلبها يكاد ينفجر من شدة الخفقان.
لحسن الحظ، مر سيدريك من جانبها.
لا، هكذا ظنت.
“أرغب في شراء بعض الصحف.”
قبل أن يمسك بمعصمها.
رفعت إيفون رأسها بشكل غريزي، والتقت عيناها بعيني سيدريك.
كانت عيناه الزرقاوان تنظران إليها بعمق وكأنهما تخترقانها.
دون أدنى تردد، وكأنه كان متأكداً من هويتها منذ البداية.
حاولت خفض رأسها متأخرة، لكن صوته كان أسرع وهو يهمس في أذنها.
“يا آنسة إيفون.”
بصوت خافت يكاد لا يسمعه أحد سواها.
***
“هنا تتجمع معدات الجراحة، يا صاحب السمو.”
بعد أن اشترى سيدريك الصحيفة، استمرت جولة تفقد المستشفى برفقة الأمير آرثر.
لكن فكر سيدريك توقف عند اللحظة التي أمسك فيها بإيفون قبل قليل.
ما الذي كانت تخطط له بالضبط؟
على الرغم من أنها ترتجف خوفاً بمجرد أن تلتقي عيناهما، إلا أنها كانت تقوم بتصرفات لا يمكن لأي سيدة نبيلة جبانة أن تفعلها.
لذلك كانت امرأة مزعجة ومثيرة للاهتمام.
إيفون لوروا.
“سيدي.”
بينما كان يتذكر عيني الفتاة الخضراوين اللتين كانتا تنظران إليه بخوف، سمع صوت بلين يهمس من خلفه.
كان قد عاد للتو من التحقيق في غرفة المرضى التي كانت فيها إيفون.
شاهد سيدريك مسؤولي المستشفى وهم يشرحون بحماس للأمير آرثر، فمال قليلاً نحو بلين.
بلين، الذي فهم الوضع بسرعة، بدأ تقريره بصوت خافت يكاد لا يسمعه أحد سواه.
“لقد تحققت مما ذكرته سابقاً، وسمعت من المرضى الذين تحدثوا مع ذلك الفتى أنه جاء للبحث عن والدته.”
“…والدته؟”
“نعم. لكن المرأة التي يُفترض أنها والدته قد خرجت من المستشفى بالأمس. يقول المرضى إنها كانت تتحدث فقط عن ابنتها، لذلك اعتقدوا أنها ليس لديها سوى ابنة، لكن بما أن ابنها ظهر للبحث عن والدته، فإنهم يتوقعون أن هناك قصة عائلية لا يمكن البوح بها.”
تعمقت نظرة سيدريك المنخفضة. عند سماع تلك القصة، أدرك تقريباً سبب آثار البكاء المتبقية في عيني المرأة.
“هذا كل شيء؟”
“نعم. …آه! كان هناك تعليق بأن الفتى جميل ويشبه والدته.”
“آه.”
“ولكن، هل تعرف ذلك الفتى؟”
بدلاً من الإجابة، نظر سيدريك إلى بلين. كان سؤالاً صامتاً عما يعنيه.
“فتى الجرائد. ألم تتعرف عليه لأنكما تعرفان بعضكما البعض؟”
“هل بدت لك أيضاً كفتى جرائد؟”
فتى الجرائد هو فتى جرائد، فماذا يمكن أن يكون غير ذلك؟
نظر سيدريك إلى نظرة بلين التي بدت وكأنها تقول ذلك، ثم ابتسم بتهكم وتذكر مظهر إيفون الذي رآه قبل قليل.
قوامها الصغير والنحيل، بشرتها البيضاء النقية، شفتاها الوردية، كلها كانت أنثوية للغاية، وكان من الغريب ألا يشك أحد في ذلك.
قاطع حديثهما ولي العهد.
“يبدو أنك تركت الأمور المزعجة لي، بينما كنت تستمتع بمحادثة ممتعة بمفردك.”
في تلك الأثناء، كان آرثر قد انتهى من تفقد معدات الجراحة وعاد.
عند رؤيته، استقام سيدريك وتقدم نحو آرثر.
“كيف لي أن أجرؤ على إلقاء العمل على سموك؟ هذا سوء فهم. أنا مجرد رجل أعمال يسعى لتحقيق أقصى ربح بأقل استثمار، وبما أن سموك تهتم بشعبك، فقد افترضت أن وجهات نظرنا قد تختلف قليلاً، لذلك تراجعت.”
“على أي حال، كلامك لا يخلو من المكر.”
تنهد آرثر، لكنه لم يبدُ مستاءً. ابتسم سيدريك له ببطء وغير الموضوع.
عندما انتهت المناقشة حول المجالات التي تحتاج إلى دعم إضافي، دخل سيدريك وآرثر الممر.
تطايرت أزهار الكرز خارج نافذة الممر. كان الربيع يوشك على الانتهاء.
آرثر هو من كسر صمت هذا المشهد الهادئ أولاً.
“أزهار الكرز تتساقط بالفعل. من المحزن والجميل حقاً أن فترة تفتح الأزهار الجميلة لا تتجاوز شهراً واحداً في السنة… أليس كذلك؟”
تجاهل سيدريك ملاحظة آرثر ونظر إلى شجرة الكرز خارج النافذة.
كانت الأوراق الخضراء الفاتحة قد بدأت تنمو بالفعل على شجرة الكرز.
ستعيش الأشهر الإحدى عشر المتبقية بقوة وثبات، وتنمو أوراقاً بدلاً من الزهور.
لكن هل هذا أمر محزن؟
بالنسبة له، كان هذا شعوراً لا يمكن فهمه.
“رافقتك السلامة، يا صاحب السمو.”
بعد أن غادر المستشفى مع آرثر، ودع سيدريك ولي العهد باحترام وهو يصعد إلى عربته أولاً. بدا أن بلين قد ذهب لاستدعاء السائق.
مرت نسمة ربيع تحمل أوراق الكرز المتساقطة به. رفرفت الصحيفة التي كانت في يده.
في تلك اللحظة، تذكر وجه فتى الجرائد الذي باعه هذه الصحيفة.
‘هل ستهرب مرة أخرى؟’
لكنه لم يعد ينوي الانتظار بهدوء. انتهت المراقبة. وحان الوقت لبدء اللعبة بجدية.
رفع سيدريك رأسه، ووقعت عيناه على صبي، لا بل امرأة، تقترب منه.
إيفون لوروا.
تلك المرأة كانت تقترب. دون أن تهرب مني.
بينما ضيق سيدريك حاجبيه من الدهشة، فتحت المرأة التي اقتربت فمها.
“أرغب في التفاوض.”
لا تزال تبدو خائفة للغاية، لكنها كانت تنظر إلي بعينيها الخضراوين بثبات.
أدرك سيدريك فقط عندما رأى تلك العيون.
لماذا تشبه عينا هذه المرأة أوراق الشجر.
***
داخل العربة التي يسودها الصمت.
ابتلعت إيفون ريقها وهي تواجه الرجل الجالس قبالتها، والذي كان يحدق بها بتمعن.
لم ترغب في الهرب هكذا، لذا بادرت باقتراح التفاوض، لكن بمجرد مواجهة سيدريك الذي لا تعرف ما يفكر فيه، أصبح عقلها فارغاً وتجمد فمها.
‘مع ذلك…يجب أن أتحدث.’
فكرت في ذلك فور انكشاف أمرها أمامه.
إذا هربت هكذا، فلن تستطيع فعل شيء سوى الارتجاف خوفاً من متى سيكشف هذا الرجل قصتها.
بدلاً من ذلك، الأفضل أن تقترح هي التفاوض أولاً.
كانت مقامرة على سلامة أمها وسلامتها. وقد ألقيت النرد بالفعل.
لم يعد بإمكانها الهرب.
أخذت إيفون نفساً عميقاً وجمعت أفكارها، ثم فتحت فمها أخيراً بتصميم. لكن الصوت الذي خرج أولاً كان من سيدريك.
“من أين حصلت على هذه الملابس بحق الجحيم؟”
“…استعرتها. من مكتب التحقيقات.”
“ظننت أن وضع الدوقية أصبح صعباً لدرجة أنك أصبحت تبيعين الصحف.”
أجابت إيفون عليه دون تفكير، ثم رمشت بعينيها وهي تشعر بالارتباك، قبل أن تعقد حاجبيها قليلاً.
لم تستطع فهم غايته من طرح موضوع غير مهم في توقيت كهذا.
تجاهلت إيفون حديثه التافه ودخلت في صلب الموضوع مباشرة.
“تسللت إلى المستشفى متخفية لأن لدي مشكلة عليّ حلها.”
“وهل تم حل تلك المشكلة بنجاح؟”
“…ليس بعد. لكنني سأتمكن من حلها قريباً.”
أخفت كلًا من كونها إبنة الدوق المزيفة، وعن بحثها عن والدتها.
كان ذلك حكماً غريزياً بأن كشف نقاط ضعف غير ضرورية أمام هذا الرجل البارع في الحسابات والمصالح هو حماقة.
“بمجرد حل تلك المشكلة، سأغادر لوسيرن دون تأخير. قبل أن يتم الزواج.”
“…ستغادرين؟”
تعمقت عينا الرجل الشبيهة بالبحر، وهو يحدق بها.
“نعم. لذا، هل يمكنك التظاهر بأنك لم ترى ما حدث اليوم؟”
“لا أعرف ما الفائدة التي ستعود عليّ من ذلك.”
“إذا تزوجت من السير ديريك على هذا النحو، فسيؤثر ذلك سلباً على فرصتك في أن تصبح وريث غلاستون”
“يبدو أن وضعي بدا هشاً في عينيكِ لدرجة أن زواجاً بسيطاً يمكن أن يهزه.”
ارتعشت إيفون من ملاحظته الحادة.
كان ذلك لأنها لم تفكر في أن كلامها قد يبدو مسيئاً من وجهة نظره.
“لم أقصد ذلك—”
“تلك ‘المشكلة’ التي تحدثتي عنها، هل هي البحث عن والدتك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 23"