كان هذا هو الوقت الذي وصلت فيه العربة التي تقل بلين إلى قصر غلاستون.
تحقق بلين من ساعة جيبه قبل النزول من العربة مباشرة؛ وهي عادة اكتسبها منذ بدأ العمل تحت إمرة سيدريك.
فرئيسه لم يكن يتسامح مع أدنى خطأ فيما يتعلق بالمواعيد أو العمل.
ورغم أنه كان يشعر أحياناً بالاختناق من تلك المعايير الصارمة، إلا أن هناك سبباً واحداً فقط جعل بلين لا يترك العمل مع سيدريك.
إنه المال.
والكثير منه!
كان رئيسه متطلباً بقدر سعيه للكمال في كل شيء، لكنه كان صاحب عمل يمتلك فلسفة رائعة مفادها أنه لا يوجد شيء أفضل من المال لرفع كفاءة الموظفين.
وبفضل تلك الفلسفة، جاء بلين اليوم أيضاً بنشاط لخدمة رئيسه.
“صباح الخير.”
بينما كان يسير في الردهات المألوفة ويتبادل التحايا مع الخدم، وجد نفسه أمام غرفة سيدريك.
“سيدي، سأدخل.”
بعد أن طرق الباب ودخل الغرفة، رأى سيدريك واقفاً أمام المرآة نصف عاري، مرتدياً بنطاله فقط.
توقف بلين مكانه للحظة.
رغم أنه رأى هذا المنظر مئات المرات، إلا أن جسد سيدريك كان يثير الإعجاب في كل مرة يراه فيها.
وبينما كان يندب حظه من قسمة الإله في توزيع الجمال، انطلق صوت سيدريك فجأة من خلف المرآة.
“ماذا تفعل؟ ألن تبلغني بجدول الأعمال؟”
“آه، نعم!”
استفاق بلين من شروده وأخرج دفتر ملاحظاته من جيبه على عجل وفتحه.
“في الصباح، هناك الاجتماع الشهري الدوري في المقر الرئيسي. وفي وقت الغداء، لديك مأدبة مع شركة ليندمان. وفي فترة بعد الظهر، سننتقل إلى الميناء لتفقد حالة بناء سفينة ‘فالنتين’.”
بينما كان سيدريك يغلق أزرار قميصه وهو يفكر في جدول اليوم، تحدث سكرتيره النبيه.
“هذه هي الصحيفة، لم تقرأها بعد، أليس كذلك؟ هل أقرأها لك؟”
أومأ سيدريك برأسه وهو يربط ربطة عنقه بعد أن رأى بلين يلوح بالصحيفة عبر المرآة. وسرعان ما سُمع صوت فتح الورق.
“دعنا نرى، الصفحة الأولى تتحدث عن… أعمال الشغب في مملكة روكس. بعد فترة من الهدوء، يبدو أن الأمور عادت للاشتعال. لقد لجأ ملك روكس إلى الحصن الشمالي. إذا سارت الأمور على هذا النحو، فقد يتحول الأمر إلى حرب أهلية، أليس كذلك؟”
توقف سيدريك، الذي كان يغلق أزرار أكمامه، عند سماع تلك الأخبار.
كانت رياح التغيير تهب على القارة بأكملها مع تحول الثراء إلى مكانة اجتماعية جديدة.
لقد ظهر عدد لا يحصى من الأشخاص الذين لم يعودوا يطيقون المظالم الناتجة عن الطبقية التقليدية، وبدأوا في إظهار معارضتهم.
وكانت مملكة روكس المجاورة هي أول من واجه رياح التغيير هذه.
فقد قام شعب روكس، الذي لم يعد يحتمل حكم ملكهم العاجز، بإثارة أعمال شغب. ورغم أن الموالين للملك قمعوا تلك الاضطرابات بسرعة، إلا أنها كانت مجرد البداية.
منذ ذلك الحين، كانت روكس تشهد مواجهات دورية بين الثوار والموالين للملك، مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب متكررة. والآن، بدأت التوقعات تشير إلى احتمال اندلاع حرب أهلية.
رغم أنها كانت أخباراً لدولة أخرى، إلا أن سيدريك لم يستطع اعتبارها مجرد شأن خارجي لا يخصه.
السبب الأول هو أن ذلك سيحدث تغييرات -جيدة وسيئة- في أعماله على الفور، والسبب الثاني هو……
قطب حاجبيه الجميلين وغمغم وهو يكمل إغلاق أزرار أكمامه:
“لدي حدس سيء حيال هذا الأمر.”
“حدس سيء؟”
“على سبيل المثال…”
قاطع كلامه صوت طرق الباب من قبل رئيس الخدم.
“سيد سيدريك، لقد جاء استدعاء من القصر الملكي.”
لم يخطئ حدسه.
تنهد سيدريك بضيق وأنهى كلامه.
“نعم، مثل هذا الأمر تماماً.”
***
في وقت الغداء، غادرت العربة التي تقل إيفون قصر دوق لوروا. كانت وجهتها، كالعادة، قصر غلاستون.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تذهب فيها إلى قصر غلاستون منذ أحداث دار الأوبرا.
’ديريك غلاستون…هل سأقابله اليوم؟‘
شعرت بعدم الارتياح عند التفكير في احتمال مواجهة ديريك، لكنها عندما تذكرت كلمات سيدريك بأن ديريك هو من رُفض من قبلها، أصبح أمرًا تستطيع تحمله نوعاً ما.
بل شعرت ببعض الارتياح؛ فبما أن ديريك ارتكب خطأً كشف فيه عن طبيعته الحقيقية، فلن يبدو تجنبها له أمراً غريباً.
وبينما كانت ترتب أفكارها، دخلت العربة إلى الساحة كالعادة.
طرقت إيفون جدار العربة ليتوقف السائق، فاقترب صبية بيع الصحف كالعادة، وكان من بينهم ذلك الصبي الذي يعمل مرسالاً لمكتب التحريات.
“شكراً لك.”
بمجرد أن استلمت الصحيفة من الصبي بشكل طبيعي، عاد بقية الصبية الذين فشلوا في جذب زبون إلى أماكنهم.
فتحت إيفون الصحيفة.
كان الخبر الذي تصدر الصفحة الأولى هو اندلاع أعمال شغب من قبل الثوار في مملكة روكس المجاورة.
لكن بالنسبة لإيفون، كانت هذه مجرد قصة من بلد بعيد؛ فقد كانت مهتمة بصفحة أخرى تماماً.
بعد تقليب عدة أقسام، توقفت نظرات إيفون عند صفحة الحوادث والجرائم. ورغم أنه كان روتيناً يومياً، إلا أن قلبها كان يخفق بقلق في كل مرة تصل فيها إلى هذه اللحظة.
خوفاً من أن تجد خبراً يتعلق بوالدتها هنا.
التقطت أنفاسها للحظة، ثم بدأت تقرأ المقالات بحذر.
لحسن الحظ، لم يكن هناك اليوم أيضاً أي خبر عن حادثة تورطت فيها امرأة في عمر والدتها.
لكن هذا الارتياح كان مؤقتاً، إذ سرعان ما عاد القلق الذي لم يجد حلاً ليتملكها من جديد.
’أمي…‘
بعد أن قرأت إيفون صفحة الجرائم مرة أخرى بعناية، تنهدت بعمق وطوت الصحيفة.
في تلك اللحظة، سقط شيء كان محشوراً بين صفحات الصحيفة على ساقيها.
كانت قصاصة ورق صغيرة.
فتحت إيفون الورقة بحذر، فرأت مكتوباً بخط يبدو وكأنه كُتب على عجلة. “المستشفى الملكي، غرفة 203B”.
اتسعت عينا إيفون من الدهشة عندما أدركت ما يعنيه ذلك.
“لقد وجد المحقق أمي.”
شعرت بقلبها ينقبض خوفاً من أن صحتها تدهورت لدرجة استدعت دخولها المستشفى، لكن سرعان ما شعرت بالارتياح لأنها قريبة.
كان المستشفى الملكي قريباً جداً، حيث يمكن الوصول إليه في غضون ساعة. كانت مسافة يمكن قطعها بسهولة بعد مغادرة قصر غلاستون اليوم.
لكن المشكلة تكمن في أنها لا تستطيع زيارة المستشفى بصفتها إيفون؛ فلو فعلت ذلك، سيصل الخبر إلى مسامع لوغان.
بينما كانت تفكر في طريقة لدخول المستشفى، ألقت بنظرها دون قصد خارج النافذة، فرأت صبية بيع الصحف وهم يبيعون الصحف بنشاط.
وبينما كانت تراقبهم بتمعن، خطرت لها فكرة فجأة.
“هذه الطريقة…”
طريقة تمكنها من دخول المستشفى دون أن يكتشفها لوغان.
***
صدق حدس سيدريك تماماً.
“هل سمعت أنت أيضاً أخبار أعمال الشغب في روكس؟”
بدأ روبرت الخامس، ملك هيرينغتون، الحديث بالموضوع المتوقع تماماً. ولم يخرج ما تلا ذلك من حديث عن التوقعات قيد أنملة.
“رغم أن علاقتنا مع روكس لم تكن جيدة في الآونة الأخيرة، إلا أننا لو عدنا للماضي، سنجد أننا كنا حلفاء نقاتل معاً يداً بيد. ربما لهذا السبب لا أشعر بالارتياح تجاه ما يحدث، رغم أنني لا أنوي الدفاع عن تصرفات العائلة المالكة في روكس.”
“إنها أخبار مؤسفة للغاية بالنسبة لي أيضاً؛ فقد كان ملك روكس زبوناً رائعاً يمتلك ذوقاً رفيعاً في تقدير قيمة الأشياء.”
وضع سيدريك فنجان الشاي الذي كان يمسكه وأضاف.
“اتساءل كيف تدهورت مشاعر الشعب إلى هذا الحد… رغم أنها في النهاية شؤون دولة أخرى.”
رغم نبرته المهذبة، إلا أن روبرت الخامس لم يفتته التهكم المبطن في كلامه.
هذا التاجر من عامة الشعب، الذي هو في عمر ابنه، لم يكتفِ باعتبار ملك الدولة المجاورة مجرد “زبون” أمامه، بل تجرأ على لمس نقطة “مشاعر الشعب” التي كان الملك نفسه قلقاً بشأنها.
حاول روبرت الخامس اختراق دفاعات هذا التاجر المتغطرس.
“إذاً، يبدو أن أفكارك تختلف عن أفكار المتطرفين في روكس؟”
“أنا رجل سلام، يا صاحب الجلالة.”
رجل سلام.
كتم روبرت الخامس ضحكة ساخرة.
سيدريك غلاستون لم يكن قائداً في ساحة المعركة، لكن بالنظر إلى طريقته المرعبة في توسيع أعماله وابتلاع المنافسين، لم تكن كلمة “رجل سلام” تناسبه على الإطلاق.
لكن مهما كانت حقيقته، كان الوضع الحالي يتطلب من الملك أن يتمنى أن يكون سيدريك “رجل سلام” حقاً.
تنهد روبرت الخامس بضيق، لكنه وافق على كلامه وتابع.
“أنا أيضاً لا أختلف عنك. لا أريد توجيه البنادق والسيوف نحو شعبي. لذا، يجب أن أمارس سياسة حكيمة لمنع حدوث ذلك.”
“إنه قرار حكيم.”
“وبهذا المعنى، أنوي توسيع الإمدادات والمرافق الطبية في المستشفى الملكي…وكما تعلم، في كل عام مع تغير الفصول، تنتشر الحمى كمرض معدٍ.”
أعطني المال.
هذه هي الخلاصة التي كان يمكن قولها في كلمتين، لكن الملك كان يتحدث بإسهاب ممل؛ بسبب كبريائه كملك لا يستطيع التسول علانية من شخص من عامة الشعب.
لو كان في العائلة المالكة أميرة، لكان الملك قد باعها له.
كان عدم ولادة أميرة في هذا الجيل مأساة للعائلة المالكة، وحسن حظ لسيدريك.
فلو ولدت أميرة، لكان ذلك الزواج سيصبح بالتأكيد قيداً في عنقه.
رغم أن استدعاء العائلة المالكة له في كل مرة يحتاجون فيها للمال أو لكسب ود الشعب كان أمراً مزعجاً، إلا أن سيدريك لم يرفض طلبهم أبداً.
فالطرف الآخر كان زبوناً ثميناً يمكنه أن يضع في كفة الميزان أشياء لا يمكن لأي شخص آخر تقديمها.
بالطبع، فكر أحياناً في الانحياز للجانب المعارض للنظام الحالي مثل المتطرفين في روكس.
لكن سيدريك سرعان ما صرف النظر عن تلك الفكرة.
فالتاجر هو من يسعى لتحقيق أقصى ربح بأقل استثمار.
كان الملك روبرت الخامس، حاكم هيرينغتون، ملكاً محارباً وصدامياً لا يهاب خوض الحروب في أوج عطائه، إلا أنه أصبح الآن ملكاً معتدلاً يتجنب الصراعات غير الضرورية.
في ظل هذه الظروف، لم تكن الثورة سوى مشروع تجاري تتضاءل أرباحه بشكل ملحوظ. فما الحاجة لزعزعة سلامٍ يمكن شراؤه ببضع عملات ذهبية؟
التعليقات لهذا الفصل " 21"