“بالفعل. من بين كل هذه المقاعد، أن ينتهي بنا الأمر في مقعدين متجاورين.. يا لها من مصادفة.”
رد على كلمات سيدريك بهدوء، لكنه شدد بنبرته عند ذكره لكلمة “مصادفة”.
ما كسر التيار الخفي المتوتر بين الأخوين كان صوت الجرس الذي رنّ تِباعاً، معلناً عن بدء الأوبرا.
كان سيدريك هو أول من استدار للمغادرة.
“إذاً، أتمنى لكم مشاهدة ممتعة.”
أومأ برأسه قليلاً تجاه إيفون، ثم دخل المقصورة برفقة ناديا.
راقب ديريك ظهرهما بنظرات باردة للحظة، ثم طلب من إيفون مرافقته.
دخلت إيفون معه، وهي الأخرى كانت تراقب ظهر سيدريك وناديا وهما يبتعدان.
كانت مقصورة الجلوس، بجدرانها الفاصلة، تبدو كأنها مساحة معزولة تماماً عن المقاعد المجاورة.
لو رأت هذا التصميم فجأة لربما شعرت بالرعب، لكن مجرد التفكير في وجود أشخاص تعرفهم في المقعد المجاور جعلها تشعر ببعض الارتياح.
رغم أنها لم تكن متأكدة مما إن كان هؤلاء الأشخاص يحملون لها مشاعر طيبة أم لا.
بمجرد جلوسهما، ارتفعت الستارة التي كانت تغطي المسرح. وسرعان ما اختفت الأضواء المحيطة، ليصبح المسرح وحده مضيئاً بوهج ساطع وسط الظلام.
تقدم المايسترو إلى مركز ذلك الضوء المنهمر وألقى تحية مهذبة على الجمهور. وبعد ذلك مباشرة، بدأت الأوبرا وسط تصفيق الحاضرين.
كانت الأوبرا تدور حول قصة حب مصيرية، حيث تقع بطلة من عامة الشعب، ذهبت لمشاهدة مهرجان القرية، في حب رجل مجهول الهوية.
سحرت الموسيقى التي ترددت أصداؤها في القاعة الضخمة وأغنية الحب التي غنتها البطلة قلوب الجمهور.
إيفون، التي كانت تشاهد الأوبرا لأول مرة في حياتها، انغمست هي الأخرى في العرض في لحظات، لدرجة أنها لم تلاحظ حتى نظرات ديريك التي كانت تتأملها.
وبفضل ذلك، تمكن ديريك من تأمل خطيبته دون أي مقاومة تذكر.
جميلة.
كما كان أصدقاؤه يرددون دائماً، كانت إيفون لوروا جميلة. كان وجهاً لا يمكن لأي شخص يملك عينين إلا أن يعترف بجماله.
وكذلك جسدها الذي يمتد أسفل ذلك الوجه.
كلما نظر إلى صدرها المستدير، كان يتخيل نفسه يدفن وجهه فيه. وحينها، تلك المرأة الخائفة والمتصلبة ستنفجر بالبكاء بالتأكيد.
مجرد تخيل إيفون وهي على وشك البكاء جعل أسفل بطنه يتصلب ويشعر برغبة جامحة، لكن ديريك كان يكبح تلك الرغبة في كل مرة.
لو كانت عاهرة، لكان قد اتبع رغبته كما يفعل دائماً، لكن الطرف الآخر كان خطيبته؛ الابنة الوحيدة لعائلة دوق لوروا النبيلة.
“إذًا يا ديريك، متى ستنام مع الآنسة الشابة؟ الاحتفاظ بها لليلة الزفاف لا يناسب شخصيتك، أليس كذلك؟”
لكن صبره بدأ يصل إلى حدوده تدريجياً.
وكما قال أصدقاؤه، راودته الرغبة في الاستيلاء على هذه الآنسة المتعالية والتباهي بانطباعاته عنها.
قصص عن الرائحة التي تفوح من عنق إيفون، وعن مدى حرارة جسدها من الداخل، وما إلى ذلك. وأيضًا…
انتقلت نظرات ديريك، التي كانت تتأمل صدر إيفون، إلى الجدار الفاصل بجانبها.
تحديداً، نحو أخيه غير الشقيق الذي يفترض أنه خلف ذلك الجدار.
فجأة، تملكه الفضول.
أي تعبير سيرتسم على وجه سيدريك إذا سمع أنفاس هذه المرأة اللاهثة وصوت بكائها؟
بالطبع، كان يشعر بأسف شديد لأنه لن يتمكن من رؤية وجهه خلف الجدار.
أمسك ديريك بيد إيفون خلسة وأحاطها بكفه.
عندها، التفتت المرأة التي كانت منغمسة في الأوبرا لدرجة نسيان وجوده، وفتحت عينيها على وسعهما بذهول. كان وجهها يثير فيه نزعة سادية غريبة.
“يداكِ صغيرتان حقاً.”
قلب ديريك يد إيفون التي كان يداعبها، وبدأ يخدش وسط كفها ببطء بإصبعه.
“وناعمتان أيضاً.”
ارتجف جسد إيفون دون إرادة منها بسبب تلك الحركة التي بدت وكأنها تستفز مركز كفها.
لم تستطع فهم مغزى تصرفه، لكن قشعريرة سرت في جسدها من انزعاج غريزي.
خاصة تلك النظرة في عينيه التي بدت وكأنها تنتظر رد فعل منها.
حاولت إيفون سحب يدها المقبوض عليها، لكن ديريك أحكم قبضته عليها بقوة أكبر.
“اترك يدي…من فضلك.”
استمر في فعلته الغامضة تلك وكأنه لا يسمع كلماتها.
وبسبب ذلك التصرف الغريب والمزعج، أفلتت من إيفون أنة صغيرة دون قصد.
“آه…”
عندها فقط، تسللت ضحكة منخفضة من بين أسنان ديريك.
“وحساسة أيضاً.”
“تـ.. توقف عن هذا.”
“لماذا؟ إنه شعور جيد، أليس كذلك؟”
“لا. أنا أكره هذا النوع من الأشياء.”
“النساء دائماً ما يقلن لا وهنّ يقصدن نعم.”
في اللحظة التي أرادت فيها إيفون الرد عليه، جذب ديريك ذراعها.
وبسبب ذلك، انحنى جسد إيفون نحوه، لتتقلص المسافة بينهما فجأة وبشكل كبير.
ضيق ديريك المسافة بينهما في لمح البصر.
قبل أن تلمس شفتاه شفتيها، تمكنت إيفون بصعوبة من خفض رأسها لتتجنبه. كان قلبها يخفق بشدة وجسدها يرتجف بالكامل بسبب هذا الموقف المفاجئ.
“سير ديريك، أرجوك…”
“إيفون.”
تنهد ديريك بضيق وأمسك بذقن إيفون ليرفع وجهها. وعلى عكس توسلاتها، فإن عينيها الدامعتين لم تفعلا شيئاً سوى تأجيج رغبته أكثر.
لم يكن ينوي التهامها، ومع ذلك كانت تظهر ذلك الوجه لمجرد قبلة. برؤية ذلك الوجه، هدأ انزعاجه الذي تصاعد بسبب مقاومتها العنيفة.
استخدم ما تبقى له من صبر ليعطي خطيبته الساذجة درساً.
“هذا المكان مخصص لمثل هذه الأمور. من المحرج لي أن تتصرفي هكذا وأنتِ تعلمين جيداً سبب مجيئنا إلى هنا.”
أمسك ديريك بإيفون بحيث لم تعد قادرة على الحراك، واقترب منها ببطء.
حاولت إيفون جاهدة أن تلتوي بجسدها للهرب، لكنها لم تجرؤ على إصدار أي صوت. تمنت لو أن أحداً ما يساعدها، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد لأي شخص أن يكتشف هذا الموقف.
في تلك اللحظة، وبينما كانت تغمض عينيها بشدة لعجزها عن الهروب من هذا الموقف المروع، جاء صوت.
“ديريك غلاستون.”
من خلف ظهرها، ومن وراء الجدار الفاصل، تردد صوت حاد كالشفرة.
“يبدو أنك قلق للغاية، لدرجة أنك ترمي بجسدك على ابنة الدوق هكذا.”
“……ماذا؟”
“لا يهمني كيف تعبث بجسدك هذا، ولكن ألا يجدر بك التركيز على الأوبرا وأنت في المسرح؟”
كان ذلك كأنه خلاص.
رغم أنه لم يكن سوى صوت مسموع، إلا أن تلك النبرة اللاذعة كانت كافية لإيقاف ديريك عند حده.
أطلق ديريك ضحكة ساخرة وتمتم ببعض الشتائم، لكنه لم يعد يجرؤ على التمادي أكثر.
بعد أن تحررت أخيراً من بين ذراعي ديريك، أخذت إيفون تلتقط أنفاسها وهي تحدق بذهول في الجدار الفاصل.
لم يعد صوت سيدريك مسموعاً بعد ذلك.
ومع ذلك، فإن مجرد حقيقة وجوده خلف هذا الجدار جعلت جسدها المرتجف يستعيد هدوءه تدريجياً.
عندها فقط، بدأت تسمع صوت غناء البطلة مرة أخرى.
آه، لو عاد بي الزمن،
هل كان هذا الحب ليمحى؟
لو كنتُ أعلم الحقيقة التي أخفيتها،
هل كنتُ لأحبك؟
كانت الأوبرا قد وصلت بالفعل إلى ذروتها.
***
انتهت الأوبرا وأُسدلت الستارة.
سارعت إيفون بالخروج من المقصورة قبل أن يطلب ديريك مرافقتها. حتى مع قدرتها على التمثيل، شعرت أنها اليوم تحديداً لن تستطيع التظاهر بأن كل شيء على ما يرام أمام ديريك.
لكن قبل أن تخطو بضع خطوات، أمسك ديريك بيدها بعد أن تبعها للخارج.
“هل استمتعتِ بالأوبرا؟”
سأل بنبرة هادئة وطبيعية.
وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه خطيب ودود.
جعلها هذا المنظر تشعر بالغثيان.
حاولت إيفون سحب يدها المقبوض عليها، لكن ديريك لم يتركها.
وبينما كان الاثنان في خضم مشادة صامتة، فُتح باب المقصورة المجاورة وخرج سيدريك وناديا. وفي تلك اللحظة، تلاقت أعين الثلاثة.
انتقلت نظرات سيدريك، التي كانت موجهة نحو ديريك وإيفون، إلى يد إيفون التي كان ديريك يمسك بها. وخيّم برود شديد على عينيه.
لكن ذلك الصمت البارد لم يدم سوى لحظة، حيث بدأ بقية الجمهور بالخروج إلى الردهة.
وبما أن إيفون لم تكن ترغب في إثارة أي ضجة، فقد انتهى بها الأمر باتباع ديريك بهدوء.
نادى سيدريك إيفون عندما كان الأربعة قد خرجوا للتو من مدخل دار الأوبرا.
“آنسة إيفون.”
أشار بعينيه نحو عربة عائلة غلاستون التي كانت تنتظر عند مدخل دار الأوبرا.
“تفضلي بالعودة في عربتي أولاً.”
عندها، تشوهت ملامح ديريك، الذي كان يحافظ على هدوئه طوال الوقت، فجأة من الغضب.
“ماذا تفعل الآن؟ إيفون هي خطيبتي. لماذا لخطيبتي—”
تجاهل سيدريك كلمات ديريك وتابع حديثه.
“وذلك من أجل الحفاظ على ماء وجه أخي الأصغر الذي رفضتِ مرافقته.”
سكت ديريك عندما أشار سيدريك إلى ما حدث في المقصورة، لكن عينيه اللتين كانتا تحدقان في سيدريك كانتا تفيضان بنية قتل واضحة.
نظرت إيفون إلى كليهما بالتناوب، ثم طلبت من ديريك الذي كان لا يزال يمسك بيدها:
“اتركني، يا سير ديريك.”
كانت نظرة إيفون إليه حازمة؛ لم تكن ترغب في رؤية وجهه أكثر من ذلك اليوم على الأقل.
أغمض ديريك عينيه محاولاً كبح مشاعره للحظة، ثم تنهد بعمق وأفلت يد إيفون.
أومأت إيفون برأسها بخفة لكل من سيدريك وناديا، ثم صعدت إلى العربة التي غادرت دار الأوبرا على الفور.
لم ينظر سيدريك إلى ديريك إلا بعد أن ابتعدت العربة التي تقل إيفون.
“ستعود إلى المنزل مباشرة، أليس كذلك؟ إذاً، يمكننا العودة معاً في عربتك.”
قالها وهو يضع يديه في جيوبه، ناظراً إليه بمنتهى الهدوء.
“هاا، ماذا؟”
“منذ وقت طويل لم نظهر مودة الأخوة هكذا. ألم تكن والدتنا تقول ذلك دائماً؟”
“أيها.. اللعين المجنون…!”
“احتفظ بتذمرك حتى نصل إلى المنزل. هناك الكثير من العيون التي تراقبنا.”
كانت اللحظة التي ظهرت فيها الحدة في عيني سيدريك الزرقاوين، وهو يوبخ أخاه بدهاء، خاطفة.
عندها فقط لاحظ ديريك الأنظار من حوله.
كان الناس الخارجون للتو من دار الأوبرا يختلسون النظر إليه، وحتى ناديا الواقفة بجانب سيدريك كانت تفعل ذلك.
رفع صوته أكثر من ذلك كان سيعني خدش كرامته كنبيل.
في النهاية، تمتم ديريك بشتيمة وصعد إلى العربة أولاً.
بعد أن رتب سيدريك الموقف، التفت أخيراً إلى ناديا ليلقي عليها التحية.
“آمل أن تكون أوبرا اليوم قد نالت إعجاب الآنسة لوبيز أيضاً.”
ثم حياها واتجه للعربة.
في اللحظة التي كان فيها سيدريك يهم بالصعود إلى العربة بعد إنهاء تحيته، استوقفه صوت ناديا الملحّ.
“عذراً، سير سيدريك!”
التفت سيدريك نحوها، لكن نظرته إليها كانت جافة تماماً.
التعليقات لهذا الفصل " 19"