كانت الدوقة إيزابيلا، التي لم تخرج من غرفتها لفترة طويلة، تقترب من الدرج. بدت شاردة الذهن تماماً كما كانت حين وصلت لاول مرة إلى لوسيرن.
إلا أن دمية الأرنب القديمة التي كانت تحتضنها بين ذراعيها كانت تبرز بوضوح بدلاً من صمت الدوقة.
جعل ذلك المشهد الغريب والمريب إيفون تتوقف عن الحركة.
لكنها لم تكن تستطيع معاملتها كشبح إلى الأبد. فمهما كان الأمر، كانت إيزابيلا والدتها أمام الجميع.
بينما كانت إيفون تقترب منها بعد تردد قصير، عادت نظرة غريبة إلى عيني إيزابيلا الفارغتين حين رأت إيفون.
“لماذا أكون أنا أمكِ!”
في اللحظة التالية مباشرة، صفعت يدها الممتدة وجنة إيفون. دار وجهها إلى الجانب مصحوبًا بصوت احتكاك حاد.
“لماذا تدعينني بأمي! لماذا أنتِ!”
أمسكت إيزابيلا بكتفي إيفون بقسوة وأخذت تضربها وهي تنتحب.
تجمّد الخدم أمام الموقف المفاجئ، ولم يفيقوا إلا بعد لحظات، فاندفعوا مذعورين ليُبعدوا إيزابيلا عن إيفون.
ومع ذلك، أفلتت إيزابيلا من الخدم الذين يحاولون كبحها بقوة خارقة، ودفعت إيفون عدة مرات أخرى. وحتى في تلك الأثناء، لم تفلت دمية الأرنب من حضنها.
إيفون، التي كانت تراقب ذلك المشهد بذهول، استعادت وعيها بصعوبة عندما سمعت صوت سيندي.
” آنستي، هل أنتِ بخير؟”
بعد ذلك استمرت سيندي في التحدث بشيء ما وهي تقودها بعيداً،
لكن كلماتها ضاعت ولم تُسمع وسط صراخ بكاء إيزابيلا.
كان بكاؤها يشبه بكاء والدتها التي بكت بحرقة أمامها من قبل.
حينها فقط بدأ وجع وجنتها يشتد.
***
“لنذهب إلى دوقية لوروا.”
في وقت قريب من الظهيرة، توجهت ناديا إلى دوقية لوروا.
كانت الزيارة في وقت أبكر من المعتاد.
ورغم أن الزيارة في وقت مبكر جداً ليست من الآداب إلا أنها لم تستطع الانتظار أكثر.
فقد عرض عليها سيدريك غلاستون الذهاب لمشاهدة الأوبرا.
كان عرضاً حصلت عليه دون مساعدة إيفون، بل بمجهودها الخاص.
أعطت تلك الحقيقة لناديا أملاً وشعوراً ببعض التفوق، لذا أرادت أن تكون إيفون هي أول من يعلم بذلك.
تلك الفتاة التي كانت تملك دائماً ما لم تكن ناديا تملكه.
وصلت العربة إلى قصر دوقية لوروا بعد رحلة بدت أطول من المعتاد. أو ربما كانت تلك مخيلتها فقط .
واجهت ناديا رئيس خدم الدوقية بابتسامة خفيفة، ثم دخلت إلى القصر تتبعها احدى الخادمات لتقودها إلى الداخل.
“لماذا أكون أنا أمكِ!”
تبع ذلك صوت صرخة ممزقة ضربت مسامع ناديا.
“لماذا تدعينني بأمي! لماذا أنتِ!”
كانت الدوقة تضرب إيفون وهي تفرغ غضباً يشبه عويل الوحوش.
وكان منظر أقدام دمية الأرنب التي في حضنها وهي تهتز، غريباً للغاية.
“آ-آنستي….”
لم تكن هي الوحيدة التي ارتبكت من هذا الموقف غير المتوقع، إذ نادتها الخادمة -التي كانت تراقب المشهد بتجمّد- بنبرة حذرة.
أدركت ناديا ما كانت الخادمة ستقوله، فتراجعت خطوة للخلف قبل أن تكمل الأخرى كلامها.
“لقد تذكرت أمراً طارئاً عليّ فعله فجأة لذا عليّ العودة. يبدو أن إيفون تمر بوقت عصيب جداً، أرجو منكِ الاعتناء بها جيداً. أنا أعتمد عليكِ.”
قالت ذلك وهي ترسم ابتسامة توحي بقلقها الشديد على صديقتها.
عادت ناديا من حيث أتت واستقلت العربة التي كانت لا تزال تنتظرها، وقد مَسحت تماماً تلك الابتسامة التي كانت ترسمها أمام رئيس الخدم والخادمة.
أخذت ناديا تتأمل القصر الذي صار بعيداً، وهي تسترجع في ذهنها الموقف الذي شهدته للتو.
“لماذا تدعينني بأمي! لماذا أنتِ!”
سمعت أن الدوقة كانت تعاني من حمى شديدة وأصبح عقلها غير مستقر.
لكن، وبدلاً من اعتبار الموقف الذي حدث قبل قليل مجرد تصرف من شخص مختل عقلياً، كان هناك شيء آخر يشغل بالها.
‘بالتفكير في الأمر، لقد كان الوضع غريباً في موقع الصيد أيضاً.’
إيفون التي لم تكن صحتها جيدة منذ الطفولة، والندبة التي اختفت، ومعرفتها بالنباتات السامة.
القطع التي لم تكن تعرف ماهيتها حين كانت متفرقة بدأت تجتمع واحدة تلو الأخرى لتُشكل شكاً واضحاً.
إذًا هل يعقل…
مرّ احتمال واحد في ذهن ناديا بعد أن جمعت كل القطع.
فرضية غير معقولة حقاً.
***
في ذلك المساء، سمع لوغان الذي عاد من القصر عما حدث في فترة بعد الظهر.
“إيزابيلا أثارت جلبة؟”
قطب حاجبيه ووضع السيجارة جانباً.
لم يكن أمراً غير متوقع؛ فإيزابيلا أظهرت عداءً تجاه تلك الفتاة العامية التي تتظاهر بأنها إيفون منذ البداية.
لذلك، كان يبقيها حبيسة غرفتها قدر الإمكان لتجنب مواجهة إيفون طوال تلك الفترة.
حتى إنه فكر في أنه قد يكون من الأفضل جعلها تقيم في القصر الرئيسي للإقليم، لكنه اختار إبقاءها بجانبه لمراقبتها، خوفاً مما قد تفعله إيزابيلا لإثبات وفاة إيفون.
كان لوغان يؤمن بأن الوقت كفيل بحل مشكلة إيزابيلا.
سواء قلبها الذي لا يستطيع ترك ابنتها ترحل، أو مشاعر الضغينة وعدم فهمها له.
ولحسن الحظ، بدا أن إيزابيلا هي الأخرى لا تملك رغبة في الخروج من غرفتها، فمرت الأيام دون حوادث.
اعتقد لوغان أن الوقت قد حان لكي تتقبل هي أيضاً هذا الواقع بهدوء.
بناءً على هذا الحكم، منح إيزابيلا حرية أكبر مما كانت عليه من قبل.
ولم يمر وقت طويل حتى وقعت هذه الكارثة.
’إلى متى تنوي البقاء متمسكة بالماضي؟‘
إيفون ماتت.
تلك الطفلة المحبوبة تُركت في الماضي، لكن كان عليه هو وإيزابيلا أن يعيشا في الحقبة القادمة.
حقبة مضطربة حيث تنهار الطبقات الاجتماعية، وتظهر سلطة جديدة تسمى رأس المال.
عندما يحدث ذلك، سيتعين على إيزابيلا التي نشأت معززة كابنة وحيدة للدوق والأميرة، التخلي عن الكثير.
وهو أيضاً، الذي نال السلطة بزواجه منها سيكون حاله مماثلاً.
لذلك قرر لوغان أن يخالف التيار السائد.
إذا عاد العصر الذي كانت فيه السلطة الملكية مطلقة، فإن إيزابيلا ابنة الأميرة سيُضمن لها حياة هادئة ومستقرة.
كما أنه كان هناك الكثير من النبلاء الذين يحملون نفس هذه الرغبة. لكن مجرد الرغبة وحدها لا تغير شيئاً.
كان لوغان بحاجة إلى التمويل لدعم تلك الرغبة.
وللحصول على ذلك التمويل بشكل قانوني كان بحاجة إلى ابنته.
لكن يبدو أن إيزابيلا لم تفهم الأمر بعد.
“ما رأيك في استدعاء السيد فينسنت لفحصها مجدداً وطلب وصف دواء جديد؟”
سأل رئيس الخدم بحذر وهو يراقب تعبيرات لوغان.
أما لوغان، الذي غرق في التفكير لفترة والسيجارة في فمه، فقد نفث الدخان كأنه يتنهد ثم فتح فمه.
“افعل ذلك، واحرص على مراقبتها جيداً لكي لا تخرج من غرفتها في الوقت الحالي.”
***
“ومع ذلك، من حسن الحظ أنها انتهت عند هذا الحد.”
قالت سيندي وهي تتنهد بعد أن انتهت من وضع المكياج لإيفون.
الخد الذي صفعته إيزابيلا كان قد تورم وازرقّ في اليوم الأول، لكن مع مرور بضعة أيام، خفّ التورم كثيراً.
لدرجة أنه أصبح من الممكن إخفاؤه بالمكياج.
تمنت إيفون لو أن الكدمة بقيت لفترة أطول حتى تتمكن من إلغاء موعدها مع ديريك، ولكن لسوء الحظ، لم يبدُ أن السماء كانت في صفها.
“آمل أن تلتئم جروح قلب السيدة قريباً أيضاً…”
تحدثت سيندي بنبرة قلقة، لكن إيفون أدركت المعنى الكامن وراء كلماتها. ربما كانت تعتقد أن الدوقة قد تمادت كثيراً.
وبدلاً من الإجابة، التزمت إيفون الصمت.
فالدفاع عن الدوقة هنا سيكون بمثابة خداع لنفسها، وفي الوقت ذاته لم تكن تملك أي رغبة في لومها.
كانت إيفون تعتقد أن رد فعل إيزابيلا هو أمر طبيعي تماماً.
لقد فقدت ابنتها الوحيدة.
كان بإمكانها أن تشعر بمدى حبها لابنتها في كل مرة تكتشف فيها صوراً لإيفون وإيزابيلا في المعرض، وفي كل مرة تسمع فيها قصصاً من الخدم القدامى عن طفولة إيفون مع أمها.
لم تستطع هذه الأم أن تحزن على موت ابنتها كما تشاء، بل ولم تتمكن حتى من إقامة جنازة لها.
بسببها هي التي تتظاهر بأنها إيفون.
وإذا استمر الأمر على هذا النحو، فسيتحتم على إيزابيلا العيش وهي تائهة، غير قادرة على توديع ابنتها للأبد، بل ستدفنها في قلبها فقط.
لأجلها، لم يكن هناك سوى شيء واحد يمكنها القيام به.
وهو البحث عن أمها والاختفاء في أسرع وقت ممكن.
لقد أصبح لديها الآن سبب إضافي للإسراع.
“آنستي، لقد وصلت عربة عائلة غلاستون.”
ولكن قبل ذلك، كان عليها أولاً حل المشكلة الحالية.
خرجت إيفون من غرفتها بعد سماع إرشاد رئيس الخدم، وقد كان ديريك ينتظرها في الطابق الأول.
“تبدين جميلة بشكل استثنائي اليوم يا آنستي. لو كنت أعلم ذلك، لكنت حددتُ مواعيد أكثر.”
“أنت تبالغ في مديحي.”
أجابت إيفون بابتسامة رقيقة. لقد أصبح التمثيل الآن أمراً لا يمثل صعوبة كبيرة بالنسبة لها.
صعدت إلى العربة بمرافقته، ثم انطلقت العربة. بدأ ديريك الحديث عن الأوبرا التي سيشاهدونها اليوم، وواصل الحوار بشكل طبيعي.
بدا سلوكه نبيلاً في الظاهر، لكن إيفون لاحظت اللحظات التي تتغير فيها نظراته إليها. كان ذلك حساً غريزياً بالخطر.
لو لم تلاحظ ذلك لكان الأمر أهون، لكن بما أنها أدركت الحقيقة، لم تستطع التخلص من توترها. لهذا السبب، لم تملك رفاهية الشعور بأي انطباع تجاه دار الأوبرا التي ستزورها لأول مرة في حياتها.
ارتخت أعصاب إيفون المشدودة في اللحظة التي واجهت فيها وجهاً مألوفاً أمام مقصورات الجلوس.
“… ناديا؟”
“إيفون؟”
كانت ناديا، الواقفة أمام باب المقعد المجاور، ترمش بعينيها في ذهول.
أما الشخص الذي كان يرافقها فهو…
“لقد قيل إنها الأوبرا الأكثر شعبية هذه الأيام، لكنني لم أتوقع أن نلتقي هكذا.”
التعليقات لهذا الفصل " 18"