16 - الفصل السادس عشر: آملُ أن تكون هناك أخبار جيدة
قراءة ممتعة~~~
بعد تفكير قصير، فتحت إيفون فمها لتتحدث.
“… لقد قرأتُ القليل من كتاب طبي فحسب. فلم يكن هناك الكثير ليفعله طفل مريض وحيد في غرفته سوى قراءة الكتب.”
كانت كذبة معقولة رغم أنها وليدة اللحظة.
لا تدري إن كان ذلك قد أقنع هذا الرجل أم لا.
شعرت إيفون بالفضول حيال ذلك، لكنها أدارت جسدها متجنبةً نظراته.
لم تكن تملك الثقة لمواجهة عينيه؛ لأنها شعرت أنها لو واجهته، فسيخترق بنظراته كل الأسرار التي تخفيها.
بعد أن تركت سيدريك خلفها واتجهت نحو ناديا، لم تدرك إيفون إلا بعد أن ابتعدت عن نظراته تماماً أن سمّ الزهور قد انتقل إلى يديها هي الأخرى في تلك اللحظة القصيرة.
حيث بدأت راحة يديها المحمرة تؤلمها متأخرًا.
***
كما قالت إيفون، لم تكن أعراض ناديا شديدة الخطورة حقًا.
ولكن لم يكن بإمكانهم البقاء هكذا، وبما أن الوقت قد تأخر، قرر الأربعة إنهاء اللقاء.
وبينما كان الخدم يجمعون الأمتعة من حولهم، ظلت إيفون بجانب ناديا تراقب حالتها.
في تلك اللحظة، فتحت ناديا فمها لتتحدث.
“لقد أفسدتُ كل شيء.”
نظرت إيفون إلى ناديا بعينين يملؤهما الاستغراب. كانت ناديا تطلق تنهيدة مليئة بالانزعاج بينما تصوب نظراتها نحو سيدريك.
“أقصد السير سيدريك. لقد بذلتِ جهداً كبيراً لترتيب هذا اللقاء، ولكن…”
بينما كانت إيفون تراقب ناديا وهي تعبث بيدها المحمرة، شعرت بتأنيب الضمير لأنها لم تخبرها عن العشبة التي تعرف أنها تخفف من هذه الأعراض.
بالطبع، حتى لو استخدمت تلك العشبة، لم تكن الأعراض لتختفي فوراً وكان سيكون عليهم إنهاء النزهة في النهاية، لكنها على الأقل كانت ستخفف ألمها الحالي.
دفعها ذلك الشعور بالذنب إلى قطع وعد لم تكن ترغب فيه حقاً.
“سأحاول ترتيب لقاء آخر. دعينا نفكر فقط في تلقي العلاج اليوم.”
“حقاً؟ هل تعنين ذلك؟ لقد وعدتِني يا إيفون، أليس كذلك؟”
أومأت إيفون برأسها بهدوء. حينها فقط، لانت تعابير وجه ناديا التي كانت مشدودة طوال الوقت.
“آنستي، نحن على وشك الانطلاق الآن.”
قال خادم عائلة الكونت لوبيز، الذي انتهى من التحضيرات.
وعندما لاحظ سيدريك وديريك ذلك، اقتربا منهما.
وبعد أن انتهى الأربعة من تبادل التحيات، تحركت عربة عائلة لوبيز أولاً.
نظرت ناديا من النافذة. كان سيدريك هناك، بمظهره الرائع الذي لم يتغير منذ أن رأته لأول مرة في المأدبة قبل عامين.
وبينما كانت ناديا تنظر إليه بإصرار تحت ضوء الغروب القوي، قطبت ما بين حاجبيها في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيدريك وإيفون معاً في إطار رؤيتها.
ذلك الرجل المتكبر لم يكن مهتماً بها. لم يكن الأمر مقتصرًا عليها فحسب، بل كان هكذا مع الجميع؛ يعاملهم بلطف ولباقة مناسبين، ولكن إلى ذلك الحد فقط. كان هناك جدار لا يمكن عبوره يحيط به.
لذا، من المفترض أن تعامله مع إيفون لا يختلف كثيراً عن تعامله مع الآخرين.
ولكن لماذا كان مشهد رقصهما معاً في المأدبة يثير انزعاجها إلى هذا الحد؟
عندما التقت بالثلاثة العائدين من الوادي اليوم، لماذا وقع بصرها على سيدريك وإيفون أولاً، وليس على ديريك وإيفون؟
ولماذا اتجهت نظراته هو أولاً نحو يد إيفون التي أخذت الزهور السامة، وليس نحو يدها هي المصابة بالسم؟
وحتى في هذه اللحظة بالذات.
كان سيدريك ينظر إلى إيفون. مع أن نظرته إليها لم تدم طويلاً؛ فربما كانت مجرد التفاتة عابرة وطبيعية لا تحمل أي معنى. بل إن احتمال كونها بلا معنى كان هو الأرجح.
ومع ذلك، لماذا يثير الأمر انزعاجها إلى هذا الحد؟
خفق قلبها بشعور من الضيق لا تعرف سببه. كانت تود من كل أعماقها أن تفصل بين إيفون وسيدريك، لكنها لم تكن تملك القدرة على ذلك.
ففي الوقت الحالي، كانت إيفون هي نقطة الوصل الوحيدة التي يمكنها أن تجمعها بسيدريك.
‘أجل، إيفون هي خطيبة ديريك غلاستون.’
العهود بين العائلات ليست شيئاً يمكن نقضه بسهولة. لذا، لن يحدث أي شيء بالتأكيد.
استرجعت ناديا تلك الحقيقة في ذهنيها، محاولةً محو ذلك الضيق الذي لا تعرف له سبباً.
ومع ذلك، أقنعت نفسها بأن السبب في شعورها بالانزعاج… ربما يعود فقط إلى يدها التي تشتعل احمراراً.
***
منذ عودتها من النزهة، كانت إيفون تتذكر سيدريك في كل مرة تقع عيناها فيها على يدها المحمرة.
‘يبدو أن لدى الآنسة خبرة واسعة في الطب أيضاً.’
هل اكتشف سري يا ترى؟
ألم يبدو هروبي من ذلك الرجل في تلك اللحظة أمراً يثير الشكوك أكثر؟
وهكذا مرت عليها عدة أيام وهي تعاني من وطأة القلق.
وبمجرد أن بدأت الأعراض تتلاشى تدريجياً، استعادت عقلها الذي كان غارقاً في ذلك القلق.
وبالطبع، سيتعين عليّ أن أكون أكثر حذراً في المستقبل.
لكن قبل ذلك، إذا وجدتُ أمي وغادرتُ هذه المدينة، فستُحل جميع المشاكل. هذا القلق، وذلك الرجل أيضاً.
في الوقت نفسه، تبادر إلى ذهنها بشكل طبيعي أمر كانت قد نسيته لفترة.
‘بالافكير بالأمر لقد مر وقت طويل منذ اليوم الذي قدمتُ فيه الطلب… ألا يمكن أن يكون المحقق قد حصل على معلومات تتعلق بأمي؟’
لقد أبلغت مكتب التحريات بأنهم ليسوا بحاجة للتواصل معها حتى لو حصلوا على أخبار، بل ستمر هي من حين لآخر للتحقق بنفسها؛ وذلك خوفاً من أن تصل أخبار تحركاتها إلى مسامع الدوق.
وبما أن اليوم هو موعد ذهابها إلى قصر غلاستون، فقد أتيحت لها فرصة الخروج؛ وكانت هذه فرصتها لتفقد أخر المستجدات.
بعد أن انتهت إيفون من استعداداتها، صعدت إلى العربة المتجهة إلى قصر غلاستون. وداعب نسيم الربيع العليل خصلات شعرها وهي تنظر من النافذة.
كان صباحاً عادياً؛ حيث يتحرك الناس بنشاط، وتبدأ الطيور يومها بهدوء وهي تحلق فوق النهر. كانت العربة تعبر الجسر فوق النهر الذي يمتد عليه ذلك المشهد الهادئ.
وبينما كانت تراقب المنظر بشرود، أدركت إيفون فجأة أنها بدأت تعتاد على هذه المدينة الكبيرة التي كانت تشعرها بالغرابة والخوف في البداية.
كان هذا الإدراك يمنحها شعوراً بالراحة من جهة، لكنه يثير في نفسها القليل من الرهبة من جهة أخرى.
وبينما كانت تتأمل تلك المشاعر المختلطة التي لا تعرف إن كان عليها أن تفرح بها أم تحزن، وقع بصرها على برج الساعة في الساحة العامة.
طرقت إيفون النافذة المتصلة بمقعد السائق.
“هل يمكنك إيقاف العربة للحظة؟”
في الواقع، كانت إيفون تتفقد الصحف كل صباح في القصر، لكن السائق لم يكن ليعلم ذلك، لذا لن يساوره أي شك.
توقفت العربة في أحد جوانب الساحة. وعندما نظرت إيفون من النافذة، ركض نحوها بعض صبية بيع الصحف وهم يحاولون بيع نسخهم.
تفحصت إيفون وجوههم بعناية حتى عثرت على وجه مألوف؛ كان الفتى الذي رأته في مكتب التحريات ذات مرة.
تسلمت إيفون الصحيفة التي قدمها الفتى.
“شكراً لك.”
ثم وضعت في يده عملة معدنية ومعها قصاصة ورق صغيرة.
أدرك الفتى وجود القصاصة، ويبدو أنه عرف إيفون حينها؛ إذ لمعت عيناه بحدة وسرعة، ثم قام بإخفاء الورقة ببراعة.
كان هذا الفتى يتولى القيام بالمهام الصغيرة للمحقق، مثل جمع المعلومات من الساحة.
أو القيام بمهام مثل هذه؛ وهي إيصال الأخبار نيابة عن إيفون التي تجد صعوبة في زيارة مكتب التحريات باستمرار.
أحنى الصبي رأسه باحترام ثم ابتعد. وبعد فترة وجيزة، تحركت العربة.
راقبت إيفون الصبي وهو يتلاشى وسط زحام الساحة، ودعت في سرها.
‘آملُ أن تكون هناك أخبار جيدة.’
***
كانت دروس تأهيل العروس تتمحور غالباً حول العلاقة الزوجية؛ كيف يجب على الزوجة أن تستقبل زوجها في ليلتهما الأولى، وما هي الطرق الأفضل لضمان حدوث الحمل، وما شابه.
كان المحتوى رصيناً ولكنه صريح، وبقدر صراحته، فقد ألحق بإيفون شعوراً بالخزي والبؤس.
لذلك، كان عليها أن تكرر ذلك في ذهنها باستمرار طوال مدة الدرس.
‘هذا الأمر لا يعنيني.’
فقط لو وجدتُ والدتي.. حينها سينتهي كل هذا.
“هل نتوقف عند هذا الحد لهذا اليوم؟”
استعادت إيفون وعيها بعد سماع تلك الكلمات، فقد كانت تومئ برأسها بشكل آلي بينما شرد ذهنها بعيداً عن محتوى الدرس.
ولحسن الحظ بدا أن تمثيلها كان متقناً، إذ لم تلاحظ كاثرين أن إيفون لم تكن مركزة في الدرس على الإطلاق.
كانت الساعة تشير بالفعل إلى الرابعة. وعندما همّت إيفون بالنهوض معها، سُمع صوت طرق على الباب.
“أمي، هل يمكنني الدخول للحظة؟”
كان ذلك صوت ديريك.
“ادخل.”
بمجرد صدور إذن كاثرين، دخل ديريك إلى غرفة الاستقبال على الفور.
“بني، لماذا عدت مبكراً هكذا اليوم؟ هل تشعر بتوعك في مكان ما؟”
“لا، الأمر ليس كذلك.”
أجاب ديريك وهو ينظر إلى إيفون التي كانت قامت بتحيته بإيماءة بسيطة.
“لدي ما أريد التحدث به مع إيفون.”
لقد تغيرت الطريقة التي يناديها بها فجأة لتصبح أكثر قرباً.
عدلت كاثرين بلمسة حانية ياقة قميص ابنها ثم غادرت غرفة الاستقبال، ليجلس ديريك في المقعد الذي كانت تشغله.
على الطاولة، كان لا يزال يقبع ذلك الكتاب المخصص لـ “التثقيف الجنسي” الذي كانت إيفون وكاثرين تقرآنه منذ قليل.
كان غلاف الكتاب مغطىً بقماش أحمر دون عنوان، ومع ذلك، تمنت إيفون لو تخفيه عن ناظري ديريك فوراً. لكنها أدركت أن محاولة إخفائه الآن ستجعل الأمر يبدو أكثر ريبة.
أطال ديريك النظر في غلاف الكتاب، ثم فتح فمه.
“هل كنتِ تستمعين للدرس بجدية؟”
“نعم.”
“إذاً، الجانب النظري بات مثاليًا، ولم يتبقَّ سوى التطبيق العملي، أليس كذلك؟”
رغم أنه لم يفتح الكتاب، إلا أن إيفون كانت واثقة تماماً بأنه يعرف محتواه.
كان ذلك واضحاً من عينيه اللتين تبتسمان وكأنهما تراقبان ردة فعلها.
لكنها، كعادتها تظاهرت بعدم الفهم واكتفت بابتسامة غامضة؛ فهي تدرك أن هذا النوع من المزاح المزعج سيمنحه سعادة أكبر إذا شعر بأنها أدركت خبث نواياه.
التعليقات لهذا الفصل " 16"