انتقلت نظراته التي كانت تراقب إيفون بشكل طبيعي إلى قدميها البيضاوين الممدودين.
جفلت إيفون بشدة وسارعت بإخفاء قدميها تحت فستانها؛ فإظهار الكاحلين لرجل غريب كان تصرفاً لا يليق بآنسة نبيلة.
أما الرجل الذي شهد لحظتها الخاصة هذه، فقد اقترب بوجهٍ خالٍ من أي تأثر واكتفى بغمس يديه في ماء الوادي.
أطبقت إيفون شفتيها متظاهرةً بعدم رؤيته رغم أنها كانت تراقبه، ثم بدأت تحرك جسدها ببطء نحو حافة الصخرة التي تجلس عليها. ومع ذلك، كان كل تركيزها منصباً على الرجل الواقف بجانبها.
كان سيدريك غلاستون رجلاً لا يمكن فهمه.
فأحياناً يكون المنقذ الذي يمد لها يد العون، وفي لحظة أخرى يتحول إلى رجل أعمال قاسي يساومها مستغلاً أسرارها.
بأي وجه سيقترب منها هذه المرة؟
لذلك كانت تخشاه، وكانت تنوي الانتظار حتى يرحل بهدوء.
لكن ذلك كان قبل أن ترى الدماء تنتشر في ماء الوادي الذي غمس فيه يده.
“هل أُصبت؟”
نظر سيدريك إلى إيفون بنظرات تعبر عن استغرابه.
فالمرأة التي ادارت ظهرها عنه قبل قليل وكأنها لا تنوي التعامل معه، اقتربت منه بعيون قلقة فجأة.
خطر بباله فجأة الأرنب الذي اصطاده.
امرأة تملك شعراً بنفس لون فراء ذلك الأرنب، كانت تقلق عليه، هو الصياد. بسذاجة ومن دون خوف.
“وإن كنتُ قد أُصبت؟”
“يجب أن تتلقى العلاج فوراً—”
بدلاً من الشرح، غمس سيدريك يديه بعمق في ماء الوادي وفركهما. فغُسلت الدماء المتبقية واختفت تماماً.
عندما رأت إيفون يديه خاليتين من أي جرح، أدركت حينها فقط حقيقة الدماء التي كانت عليهما.
“هذا أمر شائع يحدث أثناء الصيد.”
“هل تقصد أنك… قتلته بيديك؟”
“عندما تخطئ الرصاصة هدفها، يكون إنهاء أنفاسه باليد نوعاً من الرحمة.”
اهتزت حدقتا عيني المرأة مثل أوراق الشجر التي تعبث بها الرياح. وحل الخوف فجأة في عينيها اللتين كان يسكنهما القلق قبل قليل.
كان رد الفعل هذا هو ما توقعه.
ارتفعت زاوية فم سيدريك بسلاسة.
“إنه خطأ نادراً ما أرتكبه، لكنني أخطأت اليوم.”
ردّ عليها بهدوء كأن الأمر لا يعنيه، ثم نهض من مكانه ونظر إلى إيفون. بدت قطرات الماء العالقة على رموشها المرتجفة وكأنها دموع للوهلة الأولى.
مدّ سيدريك يده وهو يراقب ذلك بصمت.
جفلت إيفون من حركته وأغمضت عينيها بشكل لا إرادي، فسقطت قطرة الماء التي كانت عالقة على رمشها وسقطت فوق خدها الممتلئ بنعومة.
“لذا، في المرة القادمة…”
لامست أصابعه التي كانت تمسح قطرة الماء بخفة، طرف شفتي إيفون. وعندما شعرت إيفون بهذا التلامس، لذا ضمت شفتيها للداخل.
في تلك اللحظة، توقفت أطراف أصابعه لبرهة.
“سأحاول ألا أتزعزع.”
ثم ابتعدت يده وكأن شيئاً لم يكن.
بدت كلماته وكأنها عهدٌ يقطعه على نفسه لسبب ما.
فتحت إيفون عينيها اللتين أغلقتهما للحظة ونظرت إلى سيدريك. وعلى عكس تصرفه الذي بدا لطيفاً للوهلة الأولى، كانت عينا الرجل اللتان تنظران إليها من الأعلى باردتين للغاية.
لا تزال لا تفهم هذا الرجل.
وعدم فهمها له كان يثير في نفسها الخوف والرهبة.
لكن الهروب المستمر لم يكن حلاً؛ فبعض الأمور لا بد من مواجهتها مهما حاولت تجنبها.
مثل هذا الرجل تماماً.
في تلك اللحظة، اخترق صوت شخص آخر المساحة الفاصلة بينهما.
“كنتما معاً إذن؟”
جفلت إيفون من ظهور ديريك المفاجئ ونظرت إليه.
بدت نظرات ديريك أكثر حدة من المعتاد، وربما كان ذلك مجرد توهم منها. خفق قلبها بسرعة كطفل تم ضبطه وهو يرتكب مقلب سيء.
اقترب ديريك بخطوات واسعة حتى وقف أمامهما، نظر إلى إيفون لبرهة، ثم نقل نظره فوراً إلى سيدريك.
“يبدو أن الآنسة لوبيز تبحث عنك يا أخي. ما رأيك أن تذهب إليها؟”
عند سماع كلمات ديريك، اهتزت حدقتا إيفون باضطراب. وتذكرت ذلك الحديث.
‘إذًا يا ديريك، متى ستنام مع الآنسة الشابة؟ الاحتفاظ بها لليلة الزفاف لا يناسب شخصيتك، أليس كذلك؟‘
‘من يعلم. يعتمد الأمر على الظروف.‘
لو عاد سيدريك الآن، فستبقى وحيدة مع ديريك.
بالطبع، هم في مكان مفتوح لذا افترضت أن الأسوأ لن يحدث، ومع ذلك كانت ترغب بشدة في تجنب البقاء وحيدة مع هذا الرجل.
“إذاً لنعد نحن أيضاً معه، يا سير ديريك.”
“ألم تأتي إلى هنا لإزالة البقعة؟ لقد أحضرتُ الليمون معي.”
“إنها نزهة جماعية، ولا أعتقد أنه من اللباقة أن نترك الشخصين الآخرين ينتظراننا.”
رسمت إيفون على وجهها ابتسامة بريئة. ومع ذلك، كانت يداها المتشابكتان فوق فستانها ترتجفان بشكل طفيف.
راقب سيدريك ذلك المشهد بعينين ضيقتين.
كانت المرأة تملك من رباطة الجأش ما يكفي لتتقمص دور الخطيبة المهذبة حتى أمام حثالة أهانها، لكنها في الحقيقة كانت خائفة بشدة.
أثار هذا الأمر استياءه.
لماذا تستميت هذه المرأة بشدة من أجل هذه الخطوبة؟
في النهاية، قرر سيدريك التدخل بكلمة لمساعدة المرأة في محاولاتها اليائسة.
“ألعاب الورق أيضاً تكون ممتعة حين نكون أربعة أكثر مما لو كنا اثنين.”
حينها، تحولت نظرات ديريك التي كانت موجهة نحو إيفون إلى سيدريك. ظهر في تلك النظرات التواء غريب.
“بما أنكما كنتما معاً وتقترحان العودة معاً، أشعر لسبب ما وكأنني أصبحت الشخص غير المرغوب به هنا؟”
رغم سخرية ديريك، لم يصدر عن سيدريك سوى ضحكة قصيرة، ولم يرد عليه بأي كلمة؛ وكأن الأمر لا يستحق عناء الرد.
ومع ذلك، فإن وقوفه بجانب إيفون بابتسامة هادئة وإصراره على حمايتها، أثار حنق ديريك بشدة. لكنه لم يجد أي مبرر إضافي للتمادي في الجدال.
“بالطبع، ربما يكون هذا مجرد توهم مني.”
رسم ديريك ابتسامة على وجهه محاولاً تدارك الموقف، لكنها كانت ابتسامة عابرة.
“إذاً، فلنذهب يا آنستي.”
اختفت مسحة الضحك من عينيه وهو يطلب مرافقة إيفون. وربما لهذا السبب بدت كلماته التي من المفترض أن تكون مودة، وكأنها تهديدٌ مبطن.
ترددت إيفون للحظة أمام تلك النبرة الحادة، ثم أمسكت بيد خطيبها الممدودة ونهضت.
وفي اللحظة نفسها، لامس ظهر يدها ظهر يد سيدريك الصلب، مجرد اصطدام عابر، لا أكثر.
“….”
راقب سيدريك خطيبة أخيه وهي تبتعد ممسكةً بيد أخيه غير الشقيق، وظل ينظر إلى يدها.
كانت يدًا صغيرة ورقيقة لدرجة أنه يمكنه إطباق كفه الواحدة على كلتا يديها معاً. ورغم ذلك، ظل أثر الاصطدام العابر الذي حدث للحظة عالقاً لفترة طويلة. كان ذلك الإحساس يزعجه بشدة.
قطب سيدريك ما بين حاجبيه ودس يده في جيبه متبعاً إياهما. وشعر لسبب ما بدغدغة غريبة في يده التي وضعها في جيبه.
***
التقى الثلاثة بناديا قبل وصولهم إلى الطاولة.
ناديا، التي لمحت سيدريك أولًا، أضاء وجهها بابتسامة واسعة وفرحة واضحة، لكنها ما إن انتبهت لوجود إيفون وديريك معه حتى تجمّدت ملامحها للحظة.
“أنتم الثلاثة عدتم معًا؟ هل كان السيد سيدريك معكم هناك أيضًا؟”
“قابلتهم صدفة عندما ذهبت لغسل يدي.يبدو أن الآنسة لوبيز كانت تقوم بنزهة قصيرة أيضاً.”
حوّل سيدريك مجرى الحديث بشكل طبيعي عندما رأى باقة الزهور التي بدا أن ناديا قطفتها وصنعتها بنفسها. حينها، احمرت وجنتا ناديا خجلًا.
“شعرتُ ببعض الوحدة وأنا أنتظر بمفردي، وبينما كنت أتجول في الأنحاء رأيت هذه الزهور. لذا قمت بقطفهم حتى أريهم للجميع، أليست جميلة حقاً؟”
“إنها زهور جميلة. لكنها بالطبع لا تقارن بجمال الآنسات.”
ردّ ديريك على كلمات ناديا بسلاسة، مادحاً إيفون وناديا في آن واحد.
إلا أن ملامح إيفون تقطبت بجدية شديدة بمجرد أن رأت الزهور التي تمسك بها ناديا.
كانت يدا ناديا التي تظهر من بين الزهور تميل إلى الاحمرار والالتهاب. وبحكم عمل إيفون السابق في متجر للأعشاب، كانت تعرف هذه الأعراض جيداً.
“ناديا. أنا أقدر مشاعركِ، لكنني أعتقد أن من الأفضل رمي تلك الزهور.”
“لماذا؟ لقد قطفتُها لأريكم إياها.”
“لأنها زهور الحوذان، وهي نبات سام. هل يمكنكِ أن تريني يدكِ قليلاً؟”
بدلاً من الإسهاب في الشرح، أخذت إيفون باقة الزهور من يد ناديا. حينها ظهرت يدا ناديا المحمرتان والمتورمتان.
شحب وجه ناديا تماماً عند رؤيتها لذلك.
“مـا.. ما هذا…؟”
“الأمر ليس خطيراً بعد. لنغسل يديكِ أولاً ثم نذهب لرؤية الطبيب.”
طمأنت إيفون ناديا المذعورة بمهارة وهدوء. فسارعت ناديا بالتوجه نحو الوادي الذي جاء منه الثلاثة.
وعندما همّت إيفون بلحاقها، التفتت إلى سيدريك وديريك وكأنها تذكرت شيئاً للتو.
“هل يمكنكما الذهاب أولاً واستدعاء الطبيب؟”
“بالطبع.”
توجه ديريك، الذي كان يشعر بالارتباك من هذا الموقف المفاجئ، نحو نقطة التجمع فور سماعه لطلب إيفون.
وبينما كانت إيفون تراقب ظهره لبرهة وتهمُّ بالالتفاف، وصل إلى مسامعها صوت سيدريك.
“يبدو أن لدى الآنسة خبرة واسعة في الطب أيضاً.”
كانت كلماته حادة، وكأنها طعنة في ثغرة غير متوقعة.
حينها فقط أدركت إيفون أنها تصرفت بطريقة لا تليق بابنة عائلة نبيلة، فعضت على شفتيها.
إن معرفة ابنة عائلة نبيلة بتفاصيل النباتات السامة التي تنمو في الغابة كان بالتأكيد أمراً يثير الشكوك.
‘كان يجب عليَّ أن أكون أكثر حذراً.’
العادات مخيفة للغاية؛ إذ برزت فجأة تصرفاتها التي اعتادت عليها عند التعامل مع المرضى.
التعليقات لهذا الفصل " 15"