عندما عادت إيفون من جولتها في الحديقة برفقة الخادمة، كان جميع أفراد عائلة غلاستون مجتمعين في غرفة الطعام.
كاثرين، وديريك، وسيدريك، وبالطبع كارلايل أيضاً.
وبما أنها لم تلتقِ بكارلايل إلا لفترة وجيزة خلال الجنازة،
فقد ألقت إيفون التحية عليه بإنحنائها بأدب.
“شكراً لك على دعوتي للعشاء، سيد كارلايل.”
“بالمقارنة مع عائلة الدوق، ستكون مائدة عامة الشعب متواضعة للغاية بلا شك، لكنني آمل أن تناسب ذوقكِ يا آنسة.”
بدت الكلمات في ظاهرها وكأنها تحمل موقفاً متواضعاً، لكن نبرة صوته كانت فظة للغاية. ولم يبدُ عليه أي رغبة في إخفاء ذلك الموقف.
“جدي.”
نظر ديريك بارتباك إلى جده، بينما حاولت كاثرين منع كارلايل وهي تنظر إلى تعابير وجه إيفون بإحراج وارتباك واضح.
ومع ذلك، ظلت نظرات كارلايل التي يرمق بها إيفون باردة، تماماً مثل نظرات سيدريك الذي سخر منها على الدرج.
حينها فقط، شعرت إيفون أنها أدركت من أين ينبع ذلك العداء الغريب الذي يظهره كارلايل.
لقد كان كرهاً تجاه النبلاء.
أما سيدريك، فكان يراقب الموقف بهدوء وهو يميل كأس النبيذ. وعندما التقت عيناها بعينيه اللتين تنظران إليها ببرود من خلف الكأس، شعرت بشجاعة غريبة تنبعث بداخلها لسبب ما.
أجابت إيفون ببراعة متظاهرة بالجهل، رغم إدراكها لنية كارلايل.
“مالذي تقصده بـ متواضعة، إنك تبالغ في تواضعك يا سيدي. حتى في منزلي، نادراً ما يتم إعداد مائدة بهذا الرقي. سأتناول الطعام بامتنان.”
لم يكن من الصعب عليها تمثيل دور خطيبة الحفيد الرزينة؛ فهي التي تضطر لتمثيل دور ابنة الدوق المزيفة في كل لحظة.
في تلك اللحظة، بدا وكأن زاوية فم سيدريك قد ارتفعت بشكل غريب، لكنه عاد إلى تعبيره الجامد المعتاد بمجرد أن أبعد الكأس عن فمه.
وبدأ العشاء بعد ذلك.
كانت كاثرين تتولى قيادة معظم الحديث، بينما تجيب إيفون غالبًا على أسئلتها. كان كارلايل يقاطع أحيانًا محاولات كاثرين لاستدراج الموافقة بردود قصيرة وجافة، أما ديريك فكان يؤدي دور المستمع الجيد، يقدّم ردود فعل خفيفة وتعليقات مقتضبة بالقدر الذي يسمح باستمرار الحوار بسلاسة.
وطوال فترة حديث الأربعة، استمر سيدريك في تناول طعامه بصمت فقط.
كان يبدو وكأنه شخصية في لوحة فنية موجودة في زمن آخر، رغم وجوده في نفس المكان.
اختلست إيفون النظر إلى سيدريك الجالس في الجهة المقابلة وهي تتناول طعامها.
بينما كانت تراقبه وهو لا يلتفت بنظره ولو لمرة واحدة، شعرت وكأنها هي من أصبحت الشخصية التي في اللوحة وليس هو.
وفي تلك اللحظة، وبينما كانت تمضغ طعامها وسط تلك الأجواء الغريبة، تجاوزت كاثرين الحدود المرسومة بينهما.
“سيدريك، بما أننا في فصل الربيع، ما رأيك في الذهاب للصيد مع ديريك بعد طول غياب؟”
حينها فقط، اتجهت نظرات سيدريك نحو ديريك وكاثرين. ولم تكن تلك النظرات تختلف كثيراً عن نظراته وهو ينظر إلى قطعة اللحم أمام عينيه.
“لقد ظل والدك قلقاً بشأنكما حتى يومه الأخير. وأنا أيضاً أتمنى أن يصبح كلاكما أخوين يساندون بعضهم البعض.”
رغم أن كاثرين كانت تتصرف كزوجة أب حنونة، إلا أن سيدريك لم يظهر أي رد فعل خاص.
اكتفى بالنظر إليها وهو يضع قطعة اللحم المقطعة في فمه، وكأنه يطلب منها إكمال ما لديها إذا كان هناك المزيد من الكلام.
“إذا كان الذهاب بمفردكما محرجاً، فما رأيكِ أن تذهب الآنسة إيفون معكما؟ وبالطبع، بما أنها قد تشعر بالوحدة بمفردها، يمكن لصديقتها مرافقتها أيضاً.”
شعرت إيفون، التي كانت تراقب الأجواء بين كاثرين وسيدريك، بالارتباك من حديث كاثرين.
فبخصوص موضوع ناديا، كانت قد أجلت الرد بوضوح قائلة إنها ستسأل ناديا عن رأيها أولاً.
لكن كاثرين كانت تتحدث وكأن قدوم ناديا أمر مؤكد، وكأنها أنهت حديثها معها بالفعل. كانت توجه هذا الكلام لسيدريك.
بينما كانت إيفون تنظر إلى سيدريك بقلق، عاجزة عن الرفض أو الموافقة، تلاقت عيناهما.
في تلك اللحظة، أفلتت ضحكة خفيفة من بين شفتيه.
“رحلة صيد إذن.”
أخوين وامرأتان. واثنان منهم قد أُعلنت خطبتهما رسمياً.
كانت أسباب كاثرين التي دفعتها لاستغلال إيفون من أجل تدبير هذا اللقاء واضحة تماماً، ومع ذلك، أومأ سيدريك برأسه بالموافقة.
“هذا جيد. لقد مر وقت طويل.”
لقد وافق ولو لمجرد رؤية الوجه الجريء لتلك المرأة التي تشارك في خطة زوجة أبيه.
***
بانغ!
كسر دوي رصاصة حادة صمت الغابة. ومع طيران الطيور مذعورة، طار معها سلام الغابة أيضاً.
أنزل سيدريك بندقيته بعد أن رأى الغزال الصغير يسقط وهو ينزف من فوهة بندقيته. كان يشعر بالحرارة المنبعثة من الفوهة التي لا تزال دافئة.
اقترب ديريك منه في تلك اللحظة.
“لماذا لا تترك لي الفريسة القادمة؟ على أي حال، يبدو أنك أنت الفائز هذه المرة أيضاً يا أخي.”
كان أخيه الأصغر غير الشقيق يتوق دائمًا لسحقه. وكأن عليه أن يسلب كل ما يملكه أخوه، وأن ينتصر عليه في أي منافسة.
ولكن، مهما بذل ديريك من جهد مستميت، لم يتمكن من الفوز على سيدريك أبدًا. ولا حتى لمرة واحدة.
ويبدو أن عدم اكتراث ديريك الذي كان دائمًا على ذلك النحو بنتيجة صيد اليوم، يرجع إلى ثقته التامة في فوزه؛ فعلى الأرجح خطيبته التي تنتظر عند مدخل الغابة هي ورقته الرابحة.
“حقًا؟ مع أنني أعتقد أنني أتساهل معك بما يكفي بالفعل.”
نظر سيدريك لبرهة بعينين جافتين إلى وجه أخيه غير الشقيق الذي تيبست ملامحه، ثم حثّ حصانه ليتقدمه. وتبعه ديريك من الخلف.
توغل الأخوين في أعماق الغابة. وكان ديريك هو أول من فتح فمه ليتحدث مرة أخرى.
“برأيي، أعتقد أنكما تناسبان بعضكما تمامًا.”
ألقى سيدريك نظرة جانبية عليه بدلًا من طرح أي تساؤل.
“أقصدك أنت والآنسة لوبيز. يبدو أن إيفون أيضًا معجبة بالآنسة لوبيز.”
إيفون.
لقد أصبحت الطريقة التي ينادي بها أخيه غير الشقيق خطيبته، فجأة، تشبه طريقة مناداة العشاق لبعضهم البعض.
“لا. أهي شريكة تفوق مكانة أخي؟”
كان صوت ديريك الذي تمتم بتلك الكلمات وكأنه يحدث نفسه واضح تمامًا. وفي نظراته التي التقت بنظرات سيدريك، انكشفت ضغينة لم يستطع إخفاءها؛ تماماً كما كان في طفولته حين كان يفتقر تماماً إلى البراعة في التستر.
رد سيدريك ببرود وعلى وجهه ابتسامة فاترة.
“صحيح، إنها تفوق قدري. بالنظر إلى أنها ورقة رابحة ستُهدر فقط للفوز عليك.”
مرت نسمة ريح باردة بين الأخوين.
وفي تلك اللحظة، تحركت الشجيرات أمام أعينهما، وظهر ظل صغير يتسلل ليختبئ وسط الأدغال.
بدا أن أخاه غير الشقيق كان يأمل أن يتغاضى عن الأمر، لكن ذلك لم يكن ليتماشى مع طباع سيدريك أبدًا.
قام سيدريك بتعبئة سلاحه بحركة سريعة وماهرة. وبينما كان ديريك يقوم بتعبئة سلاحه متأخراً عنه بخطوة، ظهرت الفريسة من بين الشجيرات.
كان أرنباً وحيدًا لم يكتمل نموه بعد.
كان يملك لوناً يشبه لون شعر تلك المرأة، التي داعبت خصلاتها ذقنه ذات يوم.
توقفت فوهة السلاح الموجهة نحو الأرنب للحظة. وتسربت ضحكة ساخرة من بين أسنان سيدريك الذي أدرك ذلك الاهتزاز.
لكن التردد كان للحظة خاطفة.
وسرعان ما سحب الزناد بدم بارد.
***
بانغ!
ارتجفت إيفون دون وعي عند سماع دوي الطلق الناري القادم من الغابة.
كلما سمعت صوت إطلاق نار، كان قلبها يسقط لسبب ما، وكأنها هي من أصيبت بالرصاص. وفي النهاية، انتهى بها الأمر بسكب عصير العنب الذي كانت تشربه.
“يا إلهي. هل أنتِ بخير يا إيفون؟”
“آه، آسفة. أنا بخير.”
“يبدو أنكِ لستِ معتادة على صوت طلق النار. ألم يكن الدوق يأخذكِ معه كثيراً عندما يذهب للصيد؟”
“بما أن صحتي لم تكن جيدة، لم يكن لديّ الكثير من الفرص للخروج.”
لقد أصبح الكذب سهلاً الآن.
اختلقت إيفون عذراً مقنعاً وبدأت في مسح فستانها الذي تناثر عليه عصير العنب. ومع ذلك، كانت البقعة التي تركها العصير تنتشر بعمق أكبر كلما فركتها.
اقتربت سيندي، التي استوعبت الموقف متأخرة، لمحاولة تدارك الأمر. راقبت ناديا ذلك المشهد بصمت قبل أن تفتح فمها.
“شكراً لكِ يا إيفون.”
رفعت إيفون رأسها ونظرت إليها عند سماع تلك الكلمات المفاجئة، ورمشت عيناها الخضراوان اللتان تحملان تساؤلاً.
“أقصد لقاء اليوم. لقد هيأتِ أنتِ هذه الفرصة. بفضلكِ، أصبحتُ أقرب خطوة من السير سيدريك.”
كان وجه ناديا، وهي تبتسم ابتسامة رقيقة، يبدو أكثر سعادة من أي وقت رأتها فيه إيفون. كانت تبدو تماماً كآنسة وقعت في الحب.
لسبب ما، شعرت إيفون بعدم الارتياح؛ لأن هذا اللقاء قد تم ترتيبه دون إرادتها.
“على الرحب والسعة، لكن من رتبت هذا اللقاء هي السيدة غلاستون.”
كان من المفترض أن يلي ذلك اعتراض ناديا وكلمات شكرها.
لكن إيفون نهضت من مقعدها قبل ذلك.
“سأذهب للحظة لإزالة البقعة وآتي.”
“لماذا لا تتركين أمراً كهذا للخادمات لاحقاً؟”
“لن يستغرق الأمر سوى لحظة حقاً.”
رسمت إيفون ابتسامة ناعمة وكأنها تطمئن ناديا التي سيتعين عليها الانتظار وحيدة، ثم دخلت إلى الغابة برفقة سيندي.
بعد السير قليلاً، وجدت الوادي الذي كانت قد لمحته قبل قليل وهي تفحص الأرجاء.
جلس كلاهما بجانب الماء وبدآ في إزالة البقعة. ومع أنها خفت قليلاً، إلا أن البقعة التي تغلغلت بعمق بالفعل لم تُمحَ بسهولة.
“همم. يبدو أنها لا تُمحى جيداً، ربما لأنها عصارة فاكهة.”
“أنا آسفة يا سيندي. لقد أصبحت الأمور متعبة لكِ بسببي.”
“إييه، لا تقولي ذلك يا آنستي. هذا عملي.”
بينما كانت إيفون تراقب سيندي وهي تبذل جهدها لدرجة أنها قطبت ما بين حاجبيها، تذكرت شيئاً فجأة وقالت بحماس.
“سيندي، لقد وضعتِ ليموناً في الماء اليوم، أليس كذلك؟”
“نعم، أظن أنني فعلتُ ذلك… آه!”
عندها فقط أدركت سيندي ما فكرت به إيفون؛ أن مسح البقعة بالليمون سيجعلها تزول جيداً.
“صحيح، كان هناك ليمون! لماذا لم أفكر في ذلك؟ سأذهب وأعود بسرعة يا آنستي. أرجوكِ انتظري قليلاً.”
اختفت سيندي بسرعة.
حين سمعت زقزقة العصافير التي كانت تتردد في الأرجاء.
“المكان هادئ…”
كانت الغابة، التي لا يتردد فيها سوى صوت العصافير وخرير الماء، هادئة ومسالمة لدرجة مخيفة.
لقد كان هدوءًا لم تشعر به منذ زمن طويل.
فمنذ مجيئها إلى العاصمة، كان عليها دائمًا أن توجد بصفتها “إيفون” أينما ذهبت ومهما فعلت.
‘أتمنى لو تتأخر سيندي قليلاً في عودتها.’
رفعت إيفون رأسها لتنظر بشرود إلى الأوراق التي لا تزال خضراء يانعة وإلى السماء الزرقاء التي تظهر من بين شقوقها، ثم خفضت رأسها هذه المرة لتنظر إلى الوادي الذي أمامها.
كان خلع حذائها دافعًا مفاجئًا انتابها.
وبعد أن تأكدت إيفون من عدم وجود أحد حولها، غمرت قدميها الحافيتين في ماء الوادي بخفة.
‘بارد…’
على الرغم من حلول الربيع، إلا أن مياه الوادي كانت لا تزال باردة لدرجة تخترق العظام.
قبل عامين فقط، كنتُ أغسل الملابس جيدًا حتى في الشتاء القارس، فهل اعتدتُ بالفعل على حياة الآنسات النبيلات في هذه الأثناء؟
سخرت إيفون من نفسها، وحركت مياه الوادي بأطراف أصابع قدميها بلا سبب.
كي لا تعتاد على هذه الحياة الهشة والهادئة في آن واحد. ولكي لا تنسى مَن تكون.
شعرت بوقعِ خطواتِ شخصٍ ما في الوقت الذي بدأت فيه تعتاد على ذلك البرد.
“سيندي؟”
التفتت إيفون وقد بدت عليها علامات الاستبشار، لكنها تجمدت في مكانها تمامًا.
كان سيدريك الذي يبدو أنه أنهى صيده للتو وعاد، يقترب نحوها.
التعليقات لهذا الفصل " 14"