كان المكان الذي اختبأ فيه الاثنان فجوة ضيقة بين الجدران.
كان المكان ضيقاً لدرجة أن إيفون كانت ستصطدم به في اللحظة التي يتوقف فيها سيدريك عن إسناد نفسه بذراعه، وحتى لو لم يتلامسا، فإن حرارة جسديهما كانت تصل إلى بعضهما البعض.
إيفون، التي كانت تنظر دون وعي إلى الأعلى نحو نظرته الهادئة الموجهة للأسفل، خفضت عينيها بسرعة.
حاولت سحب جسدها للخلف للحصول ولو على مسافة بسيطة، ولكن بسبب كعبها العالي فقدت توازنها بدلاً من ذلك وتمسكت بصدره. ومن خلال القماش، شعرت بالبنية القوية للرجل تحت يدها.
حاولت إيفون، وهي تشعر بالارتباك، أن تعدل وقفتها، لكن ذلك لم يؤدِ إلا إلى دفعها أكثر بين ذراعيه.
قاومت في حالة من الذعر، لكن يده أمسكت بذراعها وأعادتها لوضعية الاستقامة مرة أخرى. وفي اللحظة نفسها، سقط صوت هادئ يشوبه التنهد بجانب أذنها.
“اثبتي مكانكِ.”
داعب نفسُ الرجل قمة رأسها.
انتقلت كل خلية في جسدها نحو الدفء الذي يعلوها. عندها فقط توقفت إيفون عن الحركة.
في كل مرة كان يزفر فيها، كان نفسه يداعب شعرها، مما جعل فروة رأسها تشعر بالوخز، ودون أن تدرك ذلك، حبست أنفاسها.
في الصمت، لم يَرنَّ سوى صوت خفقان قلبها العالي في أذنيها. لسبب ما، شعرت بأن عقلها بعيد وغائم.
انكسر ذلك السكون الخانق بأصوات الرجال الذين اقتربوا فجأة.
“ربما تاهت منا حقاً، ما رأيكم أن نجلس هنا وننتظر قليلاً؟ إذا كانت في الجوار، فقد تمر من أمامنا.“
“هل أنت متأكد مما رأيته؟ ألم تكن امرأة أخرى؟”
“ومن قد تُشبهها؟ أي امرأة يمكن أن تختلط عليك بها؟ لا توجد امرأة بجمالها.”
“يا ديريك! انظر إلى هذا الرجل. إنه يحدق في خطيبتك.”
“لا، أنا فقط أذكر حقيقة موضوعية! لا تفهمني خطأ، ديريك. لم أقصد شيئًا، لا تسيء الظن بي.”
استنشقت إيفون الهواء بحدة عندما سمعت الاسم المألوف ينزلق من أفواههم.
لقد كان اسم الشخص الذي لا يمكنها أبداً أن تلتقي به في هذا الوضع.
لم تسمع صوته في المحادثة، لكن لم يكن هناك شك في وجوده هناك.
لكن لم يكن لديها وقت لتنصدم بذلك؛ فكلمات الرجال التالية كانت أكثر إثارة للذهول.
“ولكن بجدية، هل تعتقد أن آنسة لوروا الشابة لا تزال عذراء حقاً؟”
…بالطبع، قيلت بأكثر معانيها سلبية.
“أقسم أن الأمر ليس مني، لكن يبدو أن هذا الرجل يحمل أفكارًا دنيئة تجاه خطيبتك يا ديريك، مع أنه مخطوبٌ أصلًا.”
“أي أفكار قذرة! أنا فقط قلق من أن يتم خداع صديقي العزيز في زواج إحتيالي.”
“أنت حقاً بارع في التلاعب بكلماتك حقًا.”
“على أي حال، ألا تظن أنها على الأرجح ليست عذراء؟ مستحيل أن يترك الرجال امرأة كهذه وشأنها.”
“وإذا لم يتركوها وشأنها؟ إنها ليست خادمة. هل يجرؤ أحد على وضع يده على ابنة عائلة نبيلة؟”
“على العكس، ولأنها ابنة نبيلة، فربما سقطت في شباك أحد الأوغاد وانحرفت. لذا يا ديريك، تأكد من الفحص قبل الزواج. لا أحد يريد أن يأكل بقايا طعام غيره.”
كان جميع الأصدقاء الذين قدّمهم ديريك لإيفون في المأدبة من طبقة النبلاء.
وكأنهم، بخطٍ مرسومٍ بعناية، أرادوا أن يثبتوا أن سيدريك، الرجل العادي، وهم، الذين وُلدوا في قصور العائلات الرفيعة، ينتمون إلى عالمين لا يلتقيان.
لكن الكلمات التي كانت تخرج من أفواه هؤلاء الذين يُسمون بـ “السادة النبلاء” لم تكن تختلف عن القذارة التي كان يتلفظ بها والدها وضيع النسب ورفاقه.
إذا كانوا كذلك، فهل خطيبها من نفس نوعية هؤلاء الرجال أيضاً؟
بمجرد أن خطرت الفكرة في بالها، تحدث ديريك، الذي ظل صامتاً طوال هذا الوقت، أخيراً.
“حتى لو كانت بقايا طعام، فلن أعطيها لك، لذا توقف عن الحلم أيها الأحمق.”
انفجر الرجال بالضحك. وكانت ضحكة ديريك من بينهم.
عضت إيفون بقوة على شفتيها المرتجفتين.
كانت المذلة والخزي مشاعر تعرفها جيداً.
العيش كامرأة عامية لا تملك سوى وجه حسن يعني العيش في خطر ومشقة أكثر من الآخرين.
لكن السبب في أن هذه اللحظة كانت بائسة بشكل لا يطاق هو على الأرجح بسبب الرجل الذي كان يسمع كل هذا بجانبها.
أغمضت إيفون عينيها بقوة.
أرادت أن تختفي. على الأقل من أمام هذا الرجل.
“إذًا يا ديريك، متى ستنام مع الآنسة الشابة؟ الاحتفاظ بها لليلة الزفاف لا يناسب شخصيتك، أليس كذلك؟”
“من يعلم. يعتمد الأمر على الظروف.”
“اللعنة. أيها الوغد المحظوظ. صدرها بدا كبيراً أيضاً. لو استطعت فقط أن أدفن وجهي فيهما مرة واحدة، لمتُّ دون ندم.”
استمع سيدريك لضحكاتهم المتصاعدة وسخر ببرود.
حمقى.
يقولون إن الرجال لا يفكرون إلا في ذلك، لكن إن كنت إنسانًا حقًا، ألا يجدر بك أن تخجل من قول مثل هذه الأمور بصوتٍ عالٍ؟
وبينما كان يسخر من حديثهم، رفعت نسمة من الهواء شعر إيفون، وداعبت الخصلات المتطايرة ذقنه وشفيتيه. تتبعت نظراته تلك الحركة.
المرأة التي كانت تكافح للهروب من ذراعيه قبل لحظات، أصبحت الآن ساكنة كالميتة، ورموشها الطويلة منخفضة.
تساءل عن التعبير الذي قد ترسمه الآن، متذكراً كيف حدقت فيه بحدة في وقت سابق، لكن سيدريك قرر أنه لن يكلف نفسه عناء النظر.
“لابد أننا أخطآنا الروية. يا له من هدر للوقت. كان بإمكاننا الرقص مع بعض الآنسات.”
بعد تمضية الكثير من الوقت، بدا أن الرجال قد وصلوا إلى أقصى حدود صبرهم. شتموا وهم ينهضون من مقاعدهم.
“ديريك، أعِرني خطيبتك لمرة واحدة فقط حتى أتمكن من قتل هذا اللعين أوليفير.”
ابتعدت أصواتهم، ثم تلاشت تماماً.
عندها فقط خرج الاثنان من الفجوة الضيقة.
“أنا… سأعود أولاً.”
متجنبةً عيني سيدريك، خفضت إيفون رأسها بأدب.
ولكن بدلاً من رد الوداع، طرح سيدريك سؤالاً.
“هل أنتِ متأكدة من أنه لا بأس بالعودة الآن؟”
بالطبع لم يكن الأمر كذلك.
ولكن لم تكن هناك سوى فكرة واحدة في ذهن إيفون، كانت تريد الابتعاد عن هذا المكان، وعن هذا الرجل، بأسرع ما يمكن.
“…لا بأس.”
حتى وهي تنطق بالكلمات، كانت يدها التي تمسك بتنورتها ترتجف. وسيدريك، بدقته المعهودة، لاحظ ذلك بالتأكيد.
لكن مشاعرها لم يكن لها علاقة به. لذلك، سيتركها ترحل.
هذا ما اعتقدته إيفون وهي تستدير للمغادرة. وعندها، جاء صوت من خلفها.
“لكن مفاوضاتنا من وقت سابق… لا أعتقد أنها انتهت بعد.”
عندها فقط نظرت إيفون إليه حقاً.
لم يكن هناك تعاطف، ولا سخرية، ولا أي مشاعر يمكن قراءتها في عيني سيدريك. بل إنه بدا بارداً قليلاً.
“كثمن لتلك المفاوضات، ما رأيكِ في إرشادي في الحديقة؟”
أشار الرجل نحو داخل الحديقة، الاتجاه المعاكس للقصر.
“لقد ضللتُ الطريق.”
كذبة دون بذل حتى الحد الأدنى من الجهد لجعلها قابلة للتصديق.
ومع ذلك، لم تستطع إيفون الالتفات بعيداً. ربما كان ذلك بسبب نسيم الربيع الذي يهب نحوه.
***
تبع سيدريك إيفون من الخلف، محافظاً على مسافة معينة.
خطوتان.
تمامًا كما قال لها، حين طلب أن تقوده في الحديقة، لم يُبدِ أي نية تتجاوز ذلك. ترك بينهما من الفراغ ما يكفي ليخفّف سوء الفهم عن عيون من قد يراهما، فلا يظنّ بهما ما لا يليق.
إيفون، من ناحية أخرى، كانت قد قبلت اقتراحه وتبعته، ومع ذلك لم تستطع أداء الدور.
كانت المحادثة بين ديريك وأصدقائه لا تزال عالقة بعناد في ذهنها.
هل يراني بنفس الطريقة التي يروْنني بها؟
هل يجدني مثيرة للضحك، شيئاً رخيصاً وسهلاً للحديث عنه، تماماً كما فعلوا؟
تساءلت عن التعبير الذي يعتلي وجهه وهو يمشي خلفها. وفي الوقت نفسه، لم تكن تريد أن تعرف. كانت أفكارها تنجرف نحو أماكن أكثر ظلمة.
ما كسر تلك السلسلة من الأفكار كان صوت سيدريك.
“هل تعرفين ماذا يسمى هذا النوع من الزهور؟”
عندما أدارت رأسها دون تفكير، رأت أن نظراته كانت مثبتة على الزهور المزروعة في الحوض.
أديل، التي تعلمت طب الأعشاب، كانت تعرف أيضاً الكثير عن الزهور لدرجة تمكنها من التعرف على معظمها. وكانت هذه زهرة تعرفها جيداً.
“فريزيا.”
“فريزيا إذًا.”
كرر الاسم الذي أعطته إياه. كان للرنين المنخفض في صوته وقع غريب يشبه الدغدغة.
نظر سيدريك إلى الفريزيا للحظة، ثم أشار إلى زهرة أخرى أمام إيفون.
“ماذا عن هذه إذن؟”
“هذه تسمى الزعفران. وهي الزهرة التي تُستخدم كأساس لتوابل الزعفران. تقنياً، هذه للزينة، والتي تُستخدم للتوابل هي…”
أومأ سيدريك برأسه بشكل مناسب بينما كانت تشرح، ثم رفع عينيه إليها.
كانت عيناها تلمعان وهي تتحدث بحماس عن الزهور—بشكل مختلف تماماً عما كانت عليه قبل قليل.
كانت هذه أكثر لحظة رآها فيها مفعمة بالحيوية منذ لقائهما.
قبل لحظات فقط، كان وجهها شاحباً كالملاءة وكذبت قائلة إنها بخير، لكن الأمر كان غير مقنع لدرجة أنه لن ينطلي على طفل.
هذا الإختلاف جعل سيدريك يطلق ضحكة خفيفة.
جفلت إيفون من رد فعله، وتوقفت في منتصف الجملة ونظرت إليه. بدت محرجة من مدى استغراقها في الحديث.
وحتى لا يشعرها بالارتباك، أعرب سيدريك عن إعجابه بالشرح الذي لم يعد يتذكر منه شيئاً تقريباً.
“الآنسة تعرف الكثير عن الزهور.”
“القليل فقط.”
“لا بد أنكِ تحبينها.”
“نعم. إنها جميلة، وعطرة، وأيضاً…”
إيفون، التي كان وجهها مشرقاً قليلاً كما كان من قبل، توقفت عن الكلام ونظرت إلى سيدريك. خشيت أن يجد شرحها الطويل مزعجاً.
التعليقات لهذا الفصل " 11"