2
كان المساء يثقل على البيت حين قالت الأم بصوت يكاد ينكسر:
“إندارو… إڤانيا لم تعد من الجامعة حتى الآن.”
توقف الأب عن عمله، رفع رأسه سريعًا وكأن أحدهم سحب الهواء من حوله:
“كيف لم تعد؟… ألم تتصل بكِ قبل ذلك؟”
ردّت وهي تعقد يديها بتوتر:
“كلا… وهذا ما يقلقني هاتفها مغلق. اتصلتُ بصديقتها، قالت إنها خرجت قبل انتهاء المحاضرة الأخيرة… ولم ترَها بعد ذلك.”
شعر الأب بانقباضٍ حادّ في صدره.
إڤانيا لا تتأخر… ولا تغيّر طريقها… ولا تنسى الاتصال.
نظر إلى الساعة.
السابعة والنصف.
تمتم بصوت خافت، لكنه ممتلئ بالخوف:
“هذا… غير طبيعي.”
التقط سترته بسرعة وهو يقول:
“سأخرج الآن. سأتصل بكِ فور أن أعرف أي شيء.”
خرج من بوابة الشركة قبل انتهاء الدوام، يلهث من القلق.
قاد سيارته مباشرة نحو الطريق المؤدي إلى الجامعة، يبحث بعينيه عن أي أثر.
بدأ يدخل المحلات واحدًا تلو الآخر، يطلب رؤية تسجيلات كاميرات المراقبة.
الباعة كانوا يتفاجؤون بقلقه، لكنهم لم يترددوا في المساعدة.
وفي إحدى التسجيلات… رآها.
إڤانيا وهي تغادر الجامعة، تتحرك بخطواتها المعتادة السريعة… ثم تتجه إلى الطريق المؤدي إلى البحر.
قلق الأب ازداد حدًّا أنه شعر بدم بارد يجري في عروقه.
واصل متابعة التسجيلات على طول الشارع، حتى انقطع أثرها بعد زاوية طويلة تؤدي مباشرة إلى الساحل… وبعدها لا شيء.
لم تنتظر قدماه التفكير.
قاد سيارته بسرعة جنونية نحو البحر، يكاد لا يرى الطريق من خوفه.
وحين وصل…وجد المكان مظلمًا، خاليًا من البشر. ثم رآها.
ليس إڤانيا…
بل حقيبتها على الأرض، مفتوحة كأن أحدهم نزعها عنها بعنف.
وعلى بعد خطوات، هاتفها… محطّم إلى قطع صغيرة.
تجمد الأب لثانية، ثم انحنى يلتقط الهاتف بيد مرتعشة.
همس لنفسه، وكأن صوته يُخنق:”إڤانيا… يا إلهي… أين أنتي؟”
رفع رأسه نحو الظلام، وشعور بالكارثة يلتف حول قلبه.
ثم أخرج هاتفه على الفور واتصل بالشرطة، وصوته يختلط بأنفاسه المضطربة:
“ابنتي اختفت… اختفت عند البحر… أرجوكم، أرسلوا فرقة فورًا.”
…………….
خرج كينت كورينتو من منزله في الصباح، يغلق الباب خلفه بينما يضع سماعة الهاتف في أذنه.
كان صوته حادًا، متوتّرًا بوضوح:
“ماذا تعني أنهم اختطفوا القاضية الجديدة… ولا أحد يعرف حتى هويتها؟”
جاءه صوت “زيك” من الجانب الآخر، متسارعًا:
“وصلتنا معلومات مؤكدة… العصابة علمت بأنك التقيت بها فور وصولك أمس، عند البحر. لذلك خطفوها بعد أن ابتعدت عنك بدقائق.”
توقف كينت في منتصف الحركة، يده على باب سيارته، حاجباه يرتفعان بدهشة حقيقية:
“ماذا تقول؟! أنا لم أقابل أي أحد منذ وصولي!”
ثم…كأن صدمة كهربائية مرت في رأسه… تذكر…. الفتاة التي جلست بجواره أمس…
المضطربة…التي كانت تبكي…والتي لم تنظر إليه ولو مرة.
همس لنفسه في صدمة:
“أيعقل…؟!”
شدّ على قبضته ثم قال بحزم:
“زيك… أعثر على موقعهم فورًا. يجب أن أنهي هذا قبل موعد الجلسة.”
ركب سيارته، وأدار المحرك بقوة، يقود بسرعة تكاد ترفع إطارات السيارة عن الأرض.
وبعد دقائق طويلة مشحونة بالقلق، وصلته رسالة من زيك:
(الموقع: منزل خشبي عند حدود الغابة… يبعد عن المحكمه في مدة تصل إلى نصف ساعة.)
—
أوقف كينت سيارته بعيدًا جدًا عن المنزل، في مكان لا تظهر فيه من أي زاوية.
وضع سلاحه داخل جيبه الخلفي، وبدأ يقترب من البيت، من الجهة الخلفية للمنزل بخطوات سريعة صامته، يكاد يحتبس الهواء وهو يسمع أصوات الرجال بالداخل.
وقبل أن يقتحم المكان، سمع أحدهم يتحدث عبر الهاتف:
“سيدي… إنها لا تستجيب! كلما استيقظت تتصرف كالمجنونة… وإن حاول أحد لمسها تصرخ ثم تُغمى عليها!
إن استمرت على هذا الحال… ربما تموت من الذعر… ولن نستفيد منها.”
جاء صوت السياسي، ببرود يائس:
“أحضروا لها الطبيب فورًا… يجب أن تنتهي هذه الفوضى قبل جلسة الغد.”
اعتصرت ملامح كينت غضبًا.هذا لم يكن مجرد خطف…
كان استغلالًا لإنسانة ضعيفة لإخفاء ابن فاسد.
تحرك بسرعة كظلّ قاتل.
تسلّق الجدار الخشبي للبيت، وانزلق بين أركانه الضيقة حتى وصل للممر الخلفي.
رجلان كانا عند الباب.
انقضّ عليهما كينت بخفة مدربة، كسر رقبة الأول بحركة واحدة مكتومة، ثم الثاني دون أن يخرج صوت منهما سوى شهقة خافتة.
فتح الباب بخفة شديدة…ودخل.
—
كانت الغرفة باردة، خالية إلا من جسد صغير مُلقى على الأرض.
إڤانيا.
مكبلّة اليدين والقدمين…وحتى فمها مغطى…
ملابسها مبعثرة من المقاومة…
وعيناها مغلقتان، لا تتحرك، متيبّسة من الخوف.
اقترب كينت منها بسرعة، لكن بخفة، كأن أي صوت قد يقتلها من التعب.
انحنى، وسحب نصفها العلوي بلطف إلى ذراعه، وهمس بنبرة خافتة:
“من الجيد أنك فاقدة الوعي… لأنه لو كنتِ مستيقظة، ما كنتِ لتسمحي لي أن ألمسك، ولا كنت سأقدر على إخراجك بهدوء.”
رفعها قليلًا ليستعد للمغادرة…
وفجأة—بعد دقيقة واحدة فقط—
انطلقت أصوات الطلقات النارية خارج الغرفة.
رجال يصرخون…
أحدهم يسقط…
والآخرون يتبادلون إطلاق النار بعشوائية.
صوت تحطّم…
صوت خطوات تقترب…
وكينت ضم جسد إڤانيا إلى صدره، شدّها إليه أكثر، واستعد لما هو قادم.
التعليقات لهذا الفصل " 2"