وعلى عكس المرة السابقة حين كان مغلقاً بإحكام، كان التابوت الآن مفتوحاً وفارغاً تماماً.
شارلوت، التي كان من المفترض أن تكون هناك، لم يعد لها وجود.
‘هكذا إذن. لقد عدتُ إلى عالمي الأصلي.’
ارتجف جسدها الذي تجاوز حدود الزمان والمكان، وبدأ يئن من الألم.
تحملت إلينور ذلك الألم بكل كيانها وفتحت فمها قائلة.
“ماتياس.”
“نعم.”
“إذا كان طفلنا الذي سننجبه فتاة، هل يمكننا تسميتها تيمناً بشارلوت؟”
اتسعت عينا ماتياس قليلاً من هذا السؤال غير المتوقع.
لكنه سرعان ما طبع قبلة على جبين إلينور.
“بالطبع. كما تشائين.”
دفنت إلينور وجهها في كتفه.
وانهمرت دموع ساخنة بغزارة.
‘وداعاً، شارلوت. شقيقتي التي استطعتُ كرهها، لكنني لم أستطع أبداً التخلي عنها. وداعاً.’
“الإمبراطورية مدينة لعائلة وينستون.”
ولي العهد، الذي لم يكن يتذكر شيئاً حين كان في العالم الآخر، تذكر كل شيء بمجرد عودته إلى عالمه الأصلي.
شعر بالخزي من الجبن الذي أظهره “نفسه”
الأخرى هناك.
كان ولي العهد يدرك بعضاً من فظائع الإمبراطور.
لكنه تظاهر بالجهل تجاه كل شيء؛ لأن التمرد عليه كان سيعرض مكانته للخطر.
تجاهل زوجته المعزولة، ومصير أطفاله الذين ضحى بهم الإمبراطور لأجل جشعه الشخصي.
“سأحقق لكِ أي شيء ترغبين به، مهما كان.”
كان يرغب في تعويض إلينور، كبديل عن شارلوت.
في الحقيقة، كان يريد أن يمنحها أي شيء ليخفف من وطأة الذنب غير الملموس الذي يثقل كاهله.
فكرت إلينور للحظة، ثم قررت قبول عرضه.
شعرت أن هذا هو ما كانت ستتمناه شارلوت أيضاً.
فشارلوت كانت دائماً طفلة من هذا النوع.
“أنا الآن من عائلة هيليارد. هل يمكنني التحدث بصفتي دوقة هيليارد؟”
“بالطبع.”
“ما أرجوه من سموك هو أمر واحد فقط: سلامة عائلتي وأمان أرضي.”
“…أعلم أن هيليارد لم تتلقَ الدعم الكافي تحت حكم الإمبراطور السابق. سأعمل على توفير كل ما يلزم، رغم تأخري في ذلك.”
“ولدي طلب خاص آخر.”
“ما هو؟”
“أرجو أن تصلي لأجل روح شارلوت. شارلوت هنا تُعتبر مجرمة، لذا لن نتمكن من إقامة جنازة علنية لها… ولكن، إذا كنت تشفق على شقيقتي، فارجُ اله أن تذهب شقيقتي التي ماتت هناك إلى مكان أفضل.”
بدا ولي العهد مرتبكاً قليلاً من كلمات إلينور الإضافية.
“أعدكِ بذلك.”
لكنه لم يرفض، بل قطع وعداً باسمه بأنه سينفذ طلبها.
مر الوقت كبرق، ومضت ثمانية أشهر.
خلال ذلك الوقت، اعتلى ولي العهد عرش الإمبراطورية.
وبمجرد ملء الكرسي الشاغر، استقر الوضع السياسي المضطرب نوعاً ما.
بالطبع، كانت الحروب الخفية بين النبلاء لا تزال على أشدها.
لكن هيليارد لم تشارك في تلك الصراعات.
فقد كان هناك حدث في المقاطعة أهم بكثير من الفوز في صراعات القوى بين النبلاء.
“بابا!”
ركض ثيودور نحو ماتياس بسرعة كبيرة.
حمله ماتياس بين ذراعيه؛ كان جبين الصغير غارقاً في العرق، ولا يُعرف من أين بدأ الركض.
لحقت المربية بثيودور متأخرة، وعندما رأت ماتياس، انحنت باعتذار شديد.
“أنا آسفة جداً يا صاحب الفخامة. لقد ركض السيد الصغير فجأة و…”
“بابا، أين ماما؟”
قاطع ثيودور كلام المربية وسأل بلهفة.
وبينما كان ماتياس يهم بالإجابة، دوت صرخة من داخل الغرفة.
“آاااااااغ!”
اتسعت عينا ثيودور.
ارتمى الطفل المذعور في حضن ماتياس وسأل بصوت مرتجف.
“ماما. هل ماما تتألم كثيراً؟”
“لا. ليست متألمة.”
هدأ ماتياس روع الطفل بحنان.
في الحقيقة، كان هو أيضاً يشعر بقلق يدفعه للجنون، لكن الوالد لا يظهر قلقه أمام طفله.
اليوم، كان طفلهما يتحضر للمجيء إلى هذا العالم.
رغم وجود ثيودور كابنهما البكر، إلا أن هذه كانت ولادة إلينور الأولى.
ولأن عنق الرحم يحتاج وقتاً طويلاً لينفتح، كانت تقضي وقتاً عصيباً مع آلام المخاض منذ الليلة الماضية.
“يبدو أن الصغير يحتاج الكثير من التحضيرات ليخرج إلى العالم.”
في كل مرة كانت تصله صرخة إلينور من وراء الباب المغلق، كان ماتياس يتمنى لو كان بإمكانه أن يلد بدلاً عنها.
فهو يملك بنية جسدية أقوى وتحملاً أكبر من إلينور.
أليس من الكفاءة والأمان أن يلد هو الطفل إذن؟
كان ماتياس متوتراً لدرجة جعلته يسترسل في مثل هذه الأوهام غير المنطقية.
“لا بأس.”
همس بكلمات لم يُعرف لمن يوجهها.
“لنصلِّ هنا معاً يا بني.”
“نصلي؟”
“أجل. نطلب من السماء أن تلد والدتك الصغير بسلام.”
“حسناً.”
شبك ثيودور يديه الصغيرتين وأغمض عينيه بقوة.
أخذت شفتاه الصغيرتان تتحركان بتمتمات غير مفهومة.
يبدو أنه تعلم طريقة الصلاة عندما زار المعبد عدة مرات مع جدته الدوقة الكبرى.
‘آه.’
شبك ماتياس يديه أيضاً.
لم يكن متدينا، لكنه الآن أراد التشبث بأي قوة .
لقد كان قلقاً على إلينور لدرجة الهلاك.
‘من الجيد وجود ثيودور.’
بما أن لديهم بالفعل طفلاً سيكون وريثاً لهيليارد.
‘لن يكون هناك حمل مرة أخرى أبداً.’
لا يريد رؤية إلينور تعاني هكذا مرة ثانية.
‘كيف تمكنت والدتي من إنجاب خمسة إخوة لي؟’
شعر فجأة بتقدير مذهل تجاه والدته.
حاول ماتياس إعادة ثيودور إلى غرفته، لكن الصغير تذمر ورفض.
لذا لم يجد بداً من انتظارهما معاً حتى تنتهي الولادة.
بدأت وتيرة الأنين القادم من الغرفة تتسارع.
وبدأت الصرخات تصبح أكثر حدة، بينما ساد الارتباك بين الخادمات.
كنّ ينقلن الماء الساخن والقماش النظيف إلى الغرفة دون توقف.
وسط الصرخات، سُمع صوت القابلة.
“سمو الدوقة الكبرى، عليكِ الصمود أكثر قليلاً. لا تفقدِي وعيكِ!”
كم استغرق ذلك الوقت المؤلم من الصبر؟
“واااا! وااااا!”
أخيراً، دوي صوت بكاء طفل من داخل الغرفة.
توقف ماتياس، الذي كان يدور حول نفسه بقلق، فجأة في مكانه.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب المغلق بإحكام وظهرت القابلة.
“مبارك لك يا صاحب الفخامة. إنها طفلة جميلة.”
“وإلينور؟”
“متعبة قليلاً، لكنها بخير تماماً.”
حينها فقط، استطاع ماتياس أن يتنفس الصعداء.
أمسك بقلبه النابض ودخل الغرفة مع ثيودور.
كانت إلينور شبه مستلقية، تسند ظهرها إلى رأس السرير.
وبين يديها، كان الطفل.
طفل ماتياس وإلينور.
ناداها ماتياس بصوت خافت.
“إيلي.”
رفعت إلينور، التي كانت تنظر للطفلة، رأسها.
“ماتياس، ثيو.”
“لقد عانيتِ كثيراً.”
قبل رأسها، فارتسمت ابتسامة على شفتيها.
حينها، بدأ ثيودور يتخبط في حضن ماتياس.
“أنزلني. أنزلني!”
“ماتياس، أنزل ثيودور.”
“والدتكَ ضعيفة جداً الآن، لذا عليك أن تكون حذراً.”
“فهمت!”
احتل ثيودور مكانه بجانب إلينور والتصق بها برقة.
أرت إلينور الطفلة لثيودور.
لمعت عينا ثيودور ببريق ساطع.
“هل هذه أختي؟”
“أجل. أخت ثيودور.”
فتحت الصغيرة فمها بلطافة.
كانت العينان والأنف يشبهان ماتياس، لكن المظهر العام كان يشبه إلينور بشكل مثير للدهشة.
التعليقات لهذا الفصل " 170"