رغم أنها حامل، إلا أن الأمر لم يظهر على جسدها بعد بشكل واضح. نعم، كانت هناك أعراض مثل الغثيان والإرهاق، لكن من المستحيل أن يلاحظ الإمبراطور ذلك وهو الذي لم يقابلها إلا منذ عشر دقائق تقريبًا.
‘هل يعقل أن هذا الطفل يمتلك قوة مقدسة…؟’
قشعريرة سرت في جسد إلينور مع هذا الافتراض، فعضت شفتها بقوة. لا، هذا مستحيل. لا هي ولا ماتياس ولدا بذرة من القوة المقدسة.
لكن، هل هذا مستحيل حقًا؟ إذا كانت شارلوت تمتلك قوة مقدسة هائلة، فما الذي يضمن ألا يمتلكها ابن أختها الذي يجري في عروقه الدم نفسه؟
“إذن هذا هو معنى أن من يحمل إرادة حاكم يولد من جديد في أدنى الأماكن.”
تمتم الإمبراطور بكلمات ذات مغزى عميق.
حينها فقط، أدركت إلينور وجود ثغرة في الإشاعة الزائفة التي نشرتها. لقد استخدمت تعبير “أدنى الأماكن” لصرف انتباه الإمبراطور إلى خارج القلعة، لكن من الممكن تفسير ذلك المكان بأنه حضنها هي؛ فإلينور وينستون في هذا العالم هي المرأة الشريرة والمجرمة المنفية.
وإذا كان انتظار انبعاث حاكم يعني بالنسبة للإمبراطور امتصاص تلك القوة المقدسة…
“أيها الحراس! خذوا هذه المجرمة التي لم تكتفِ بالهروب من منفاها بل حاولت اغتيال ولية العهد، واقتادوها إلى السجن السفلي فورًا!”
إذا اقتيدت إلى هناك، فستُقتل قبل أن تسنح لها فرصة للهرب. بعدما أدركت إلينور خطورة الموقف، لم تتردد في تفجير حجر المانا الذي كانت تحتفظ به كملجأ أخير.
كوانغ—!
دوى انفجار صاعق تسبب في طنين الأذنين، وتصاعدت سحب كثيفة من الدخان الرمادي.
نفضت إلينور الأيدي التي حاولت الإمساك بها واخترقت الضباب. الممر الذي كانت تنوي الخروج منه قد كُشف بالفعل؛ لذا بدلًا من التوجه إليه، كان الأهم هو اجتماع مع ماتياس مجددًا.
“هـ، مامااا.”
“لا بأس يا ثيو.”
أنتَ، وأخوك الصغير، ستحميكما أمكما مهما حدث.
“جلالتك، قد يكون الدخان مسمومًا. غادر المكان فورًا!”
“ابحثوا عنها! لا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرًا. اعثروا عليها الآن!”
تحول المكان إلى فوضى عارمة. “الرصاصة السحرية” التي اشترتها بثمن باهظ من برج السحر أثناء تحضيرها للتسلل أثبتت كفاءتها تمامًا. لكن هذا الضباب سينقشع بسهولة بمجرد وصول ساحر يعرف طريقة فكه.
كتمت إلينور أنفاسها واختبأت في زاوية، وهي تبحث عن ماتياس بلهفة. لقد ذهب للإمساك بالطائر الذهبي، فأين هو ذلك الطائر…
بيي—
رن صوت صافٍ في الأرجاء. رفعت إلينور رأسها، ورأت وسط الدخان الرمادي الطائر الذهبي المتوهج يظهر مجددًا بالقرب من قمة البرج، وخلفه هالة ذهبية غريبة تتذبذب.
بمجرد رؤيتها لذلك، ركضت إلينور وهي تحمل ثيودور نحو الدرج.
“ماتياس! أين أنت؟!”
“هنا! المجرمة في البرج— آااغ!”
الفارس الذي واجهها في منتصف الدرج سقط من النافذة. كان ماتياس يقف خلف الرجل يلهث بشدة، والسيف الذي يبدو أنه انتزعه من الفارس كان ملطخًا بالدماء.
أمسك ماتياس بيد إلينور بقوة.
“أنتِ! هل أنتِ بخير؟! هل أصبتِ بأذى…!”
“الطائر الذهبي في الأعلى!”
قالت إلينور بمهمةٍ عاجلة.
“لقد فشلنا في الامساك به. يجب ان نصعد مرة اخرى!”
“لا، الأولوية الآن هي الخرورج من هنا.”
“كانت هناك هالة.”
أخذت إلينور تقفز في مكانها من التوتر.
“نور يشبه ذلك الذي انفجر من التابوت قبل ان نجرف الى هنا. يجب ان نقترب من الطائر الذهبي حالا. هيا!”
تصلبت ملامح ماتياس، لكنه لم يعارض كلامها. بل حملها بين ذراعيه واستخدم ساقيه الطويلتين ليصعد الدرج بقفزات واسعة.
هويييي—
عندما وصلا إلى نهاية الدرج، لطمت رياح جافة وجوههما بقوة، وتطاير شعرهما في كل اتجاه. كان الحراس الذين يحمون المكان إما فاقدي الوعي أو فارقوا الحياة على يد ماتياس. وسط صوت الرياح، تعالت أصوات من الأسفل.
“انظروا هناك!”
“من هؤلاء؟”
بدأ الناس خلف أسوار القلعة يتجمعون ويتهامسون وهم ينظرون إلى إلينور وماتياس. قطعت إلينور نظرها عن الناس ونظرت للأعلى؛ كان الطائر الذهبي يحلق حول قطعة زينة مثبتة في أعلى قمة البرج.
ذلك المكان لا يمكن للبشر الوصول إليه؛ وإذا أراد أحد الذهاب، فعليه التسلق ممسكًا بحواف البرج المسننة بينما تقبع الهاوية تحته.
رفعت إلينور ذراعيها عاليًا وأصدرت أصواتًا لجذب الطائر، لكنه لم يلتفت إليها حتى.
بدت ملامح اليأس على وجه إلينور.
“لماذا بحق الخالق……”
عندما كانوا يقومون بأعمال التطهير عند حدود هيليارد، كان يأتي إليها حتى لو نادته من بعيد.
بدأ اليأس يتسلل إلى قلبها شيئا فشيئا.
وفي تلك اللحظة.
تاتاتاك.
أحاط بهم الفرسان الذين أدركوا مكانهم وتبعوهم.
بل وكان الإمبراطور أيضا بينهم.
جاء يجر جسده العجوز، وكانت عيناه تفيضان بالجشع.
“أمسكوا بهم أحياء مهما كلف الأمر! لا يجب أن تبقى عليهم ندبة واحدة.”
“إلينور، تراجعي للخلف!”
صد ماتياس سيف الفارس الذي هجم عليهم.
دوى صوت اصطدام النصال، وفي لمح البصر تحولت قمة البرج إلى ساحة معركة.
“اهربي مع ثيودور حالا!”
صرخ ماتياس وهو يلهث بعد أن أسقط أربعة فرسان.
كان قلب إلينور يخفق بشدة.
الهروب؟ إلى أين. لم يعد هناك مكان للفرار إليه.
بقدر ما كان ماتياس يسقط من الفرسان، كان فرسان جدد ينهالون من الدرج كالسيل.
“أغ……!”
“ماتياس!”
ترنح ماتياس الذي أصيب بطعنة سيف.
ركل الفارس الذي هجم عليه بقوة.
فقد الفارس توازنه وسقط من فوق سور القلعة.
“كيااااك!”
تعالت صرخات الناس المذعورين من الأسفل. واستمر القتال الضاري.
“أعطني السيف!”
عندما رأى الإمبراطور أن جيشا من الفرسان لم يتمكنوا من إخضاع ماتياس بمفرده، استل سيفه بغضب.
“سأتولى الأمر بنفسي.”
“جلالتك، لا يجوز ذلك. إنه خطر!”
“اتركوني!”
تقدم الإمبراطور بخطوات جريئة دون خوف.
أسرع الفرسان لحمايته.
بينما كان ماتياس يقطعهم بسيفه دون توقف.
رغم تساقط العديد من الفرسان تحت نصله، إلا أن الإمبراطور لم يهتم بذلك بتاتا.
حاصر الفرسان ماتياس. صرخ ماتياس بأعلى صوته.
“اهربي! إلينور!”
كان الإمبراطور قد أصبح على مقربة من إلينور. كان الوحيد الذي يبدو بمظهر نبيل وسط تلك الساحة الملطخة بالدماء، لكن خلف هذا المظهر، كان وحشًا متعفنًا من الداخل. رمق الإمبراطور إلينور بنظرة، وكأنه يقيم بضاعة قُدمت له.
‘لا تخافي.’
هدأت إلينور جسدها المرتجف وحدقت فيه بحدة؛ لم تكن تريد أن تخسر معركة الإرادة أمام هذا القاتل. لوى الإمبراطور شفتيه بسخرية.
“عندما نفيتكِ إلى هيليارد، ظننتُ أنني أصفي مجرد نزاع تافه… لم أكن أعلم أنكِ ستحملين لي مثل هذا الكنز الثمين.”
اتجهت نظراته نحو بطن إلينور. بدا وكأنه لم يعد يخطط لإخفاء رغبته، فلعق شفتيه بجشع.
“أنا الوحيد الذي يفهم قوانين هذا العالم. أنا هو حاكم ، حاكم هو أنا.”
“هراء.”
تمتمت إلينور بين أسنانها.
“إذا، لأنك تعتقد أنك حاكم، هل تطالب بقربان؟”
“قربان؟”
“يا لك من وحش يلتهم القوة المقدسة لأطفال شارلوت بسبب جشعك، ويسلب حياة البشر عبر المعبد.”
تصلب وجه الإمبراطور.
صرخت إلينور بصوت عال جدا ليسمعه حتى الناس خلف أسوار القلعة.
“أنت لست حاكمًا! أنت مجرد طفيلي يعيش على سرقة حياة الآخرين. أيها القاتل الذي قتل السليل الإمبراطوري! أنت ستؤدي في النهاية إلى دمار الإمبراطورية!”
“…… يبدو أنني لن أستطيع الاحتفاظ بك لوقت طويل.”
ضيق الإمبراطور عينيه.
“سآخذ حياتك الآن. كوني غذاء لي بهدوء واستقبلي حاكم الجديد.”
التعليقات لهذا الفصل " 166"