الفصل الثامن: من يطيع جيدًا، لا يجد ما يُعاقب عليه⁴.
يحلُّ عيد ميلاد أوديت الخامس عشر في الربيع.
وقريبًا، ستخوض هي الأخرى حفل ترسيمها رفقة آنساتٍ آخرين.
وعادةً ما تقيم الآنسات اللواتي فاتهنَّ حفل الترسيم لظروفٍ ما حفلاً بسيطًا في منازلهنَّ، أو يعلنَّ دخولهنَّ المجتمع المخملي عبر حفلة رقصٍ تُقام في ربيع العام التالي.
أتذكرُ جيدًا في مثل هذا الوقت حين جاءت أوديت وسألتني: “والدي مشغولٌ جدًّا، وفرسان بينيترا ما زالوا يثيرون رعبـي. ليت شخصًا يعتمدُ عليه مثل السيد تشيسيا يكون بجانبي، فماذا أفعل؟”.
– “بالطبع، لا يجب أن تقع بوني في مأزقٍ. سآمر تشيسيا أن يرافقكِ!”
…… يا لماضيَّ الأحمق.
كانت أوديت بارعةً حقًّا في تحريك الناس كما تشاء.
في ذلك اليوم، ربما كان ذلك بعد استيقاظي من قيلولةٍ وصداعٌ شديدٌ يفتكُ برأسي، مما دفعني لتحطيم بعض قطع الأثاث.
ولعلَّ ذلك جعلني أشعرُ ببعض الراحة مؤقتًا، فاستقبلتها بلطفٍ.
‘لو فكرتُ مليًّا، فأوديت هي مَن ملأت غرفتي بزهور بانيليا. وهي أيضًا أكثر مَن تلقى مني الضرب والشتائم القبيحة……’
لقد ساهم هذا بالتأكيد في ترسيخ الصورة المجتمعية لـ أوديت المسكينة والعطوفة التي تعتني بشقيقتها رغم الاضطهاد، لكنني أشعرُ الآن بمدى خبثها.
“يجب أن أذهب إلى هذه المأدبة أيضًا.”
【فجأةً؟】
ضحكتُ بشرٍّ وأنا أفكرُ في إفساد حفل ترسيم أوديت الوحيد، فأنبني سينغ قائلاً إنَّ ضحكتي مخيفةٌ وطلب مني التوقف.
ما خطبُ ابتسامتي؟
لقد كان والدي يقولُ مبالغًا كلما رآني أبتسم، إنَّ الإمبراطور نفسه لَن يكون سعيدًا مثله لأنَّ كوكو ليست ابنته!
“سأذهبُ وأفعلُ بأوديت تمامًا كما فعلت بي. سأتظاهرُ بأنني ضحيةٌ مسكينةٌ لسوء الفهم، وبأنني عشتُ مقهورةً تحت سطوة ليانا وأوديت!”
【هوهو.】
“إذا فعلتُ ذلك، سأتمكنُ من استعادة صورتي السابقة الراقية والبريئة.”
【اممم، روزي؟ عزيزتي؟】
“كفى، أغلق فمك.”
【ألا تنظرين إلى المرآة؟】
“قلتُ لك أغلق فمك!”
بينما كنتُ ألهثُ غضبًا وأتظاهرُ بالبصق كمتشردٍ يهددُ الآخرين في زقاقٍ مظلمٍ، انفجر سينغ ضاحكًا.
لا أدري لِمَ هو مبتهجٌ هكذا دائمًا. أحيانًا يبدو وكأنَّه لَمْ يصبح شبحًا بسبب ضغينةٍ، بل وكأنَّه خرج في نزهةٍ قصيرةٍ لمشاهدة عالم البشر.
أزعجني صوت ضحكاته المتواصلة فأمرته بالتوقف، فتظاهر بمسح عينيه قائلاً إنَّه سيبكي من شدة الضحك.
انظروا إلى هذا الذي لا يملك عينين كيف يتجرأ على المزاح.
【هاا، لقد ضحكتُ من قلبي.】
“لقد بالغتَ في ذلك.”
أجبته بفظاظةٍ، فضحك سينغ ضحكةً منخفضةً وأخذ خصلةً من شعري يلفها بين أصابعه.
انسدلت خصلات شعري الداكنة وتموجت بين مفاصل أصابعه الشفافة.
【لا تغضبي هكذا. كنتُ أعني أنكِ جميلةٌ بما يكفي دون الحاجة لاستخدام أوصافٍ مثل بريئةٍ أو غيرها.】
ذلك الذي كان يعبثُ بشعري دون سببٍ، بدأ يتحدثُ برقةٍ وكأنَّه يهدئُ طفلاً غاضبًا.
ربما بسبب صوته الذي صار ناعمًا دون داعٍ، شعرتُ بالتوتر وتصلب جسدي.
أو ربما بسبب تلك الأصابع الماكرة التي تلمسُ أطراف شعري المنسدل، وتمسحُ عليه، وتلفه.
【حفلةُ رقصٍ……. ذكرني هذا بأنَّ فودكوس كان يحرصُ على الظهور في المناسبات في مثل هذا الوقت.】
هزَّ رأسه مرتين وكأنَّه يستحضرُ صورة تشيسيا القديمة.
لا أدري منذ متى وهو يتبعه ويراقبه. لقد كان شبحًا يحملُ ضغينةً حقيقيةً.
قلتُ وأنا أعاهدُ نفسي على قتلهما شر قتلةٍ مع ضمان ألا يتحولا إلى أشباحٍ أبدًا:
“بالطبع، فقد كانت أوديت تصطحبُ تشيسيا كشريكٍ لها عدة مراتٍ حتى بعد حفل الترسيم.”
【…… خطيبكِ يتجولُ هنا وهناك مع امرأةٍ أخرى، ومع ذلك كنتِ هادئةً تمامًا يا عزيزتي؟】
لَمْ أستطع قراءة نية سينغ؛ هل كان يسألُ بتعجبٍ أم بتهكمٍ؟
ربما أكون غريبةً، لكنني لَمْ أفكر قط في إمكانية أن يُسلب مني ما أملكه.
وبما أنَّ تشيسيا كان واحدًا من ممتلكاتي، فقد أجبته ببرودٍ:
“بما أنَّ تشيسيا كان خطيبي، فليس هذا غريبًا، أليس كذلك؟ لقد قال إنَّه يحبني، لذا ظننتُ أنَّه لَن يعبثُ مع غيري. وعلاوةً على ذلك، رفيقته هي أختي الصغرى……. أين المشكلةُ في ذلك؟”
【…….】
“بالتأكيد رأيتُ بعض النساء يحاولن التودد إلى تشيسيا طمعًا في تفاحةٍ لَن يتذوقنها أبدًا. ها! لقد جعلني ذلك أشعرُ بالفخر، لأنَّ ما أملكه كان مطمعًا للآخرين.”
الغيرةُ وغيرها من تلك الأمور كانت بلا فائدةٍ.
فهو ملكي. وبما أننا مرتبطان قانونًا، فمن البديهي أنَّه لَن يقوم بفعلٍ دنيءٍ أخلاقيًّا، أليس كذلك؟
لقد عشتُ طوال حياتي بهذا المنطق، رغم أنني لَمْ أكمل عامي التاسع عشر قبل أن يوافيني الأجل.
【يا حبيبتي.】
ها هو ذا، يبدو أنَّه سيحركُ لسانه الماكر ليقلب كياني مجددًا.
أردتُ أن أمره بإغلاق فمه مرةً أخرى، لكنني لَمْ أستطع.
【كيف يمكن أن تكوني بهذه البراءة…….】
أظلمت رؤيتي بعد أن حُجبت بصدر سينغ.
خفق قلبي بشدةٍ بسبب تصرفه غير المتوقع، حيث احتضن رأسي فجأةً وبدأ يمسحُ عليه بحنانٍ.
ما الذي يفعله هذا المجنون الآن؟
“ابتعد!”
دفعتُ سينغ بقوةٍ حتى سقط من الكرسي.
ظلَّ الكرسي ثابتًا وكأنَّ لا أحد كان يجلسُ عليه، مما جعلني أدركُ مجددًا أنني الوحيدةُ القادرةُ على لمس سينغ وضربـه.
【لا، روزي. يا حبيبتي؟ هل أنتِ حقًّا مريضة؟ لماذا لا تبحثين عن مسابقةٍ لمصارعة الأذرع الآن؟】
“أيها المـ… المجنون……. كيف تتجرأ على لمس جسد سيدةٍ هكذا؟”
【…… وجهكِ أحمر، يا عزيزتي.】
بسبب كلماته، شعرتُ بوجهي يشتعلُ خجلاً مرةً أخرى.
خشيتُ أن أبدو كحبة بطاطا ناضجةٍ إذا رآني أحدٌ هكذا، فبدأتُ أهوي على وجهي بيدي.
بدا وكأنَّ ادعاءه التعب كان محض كذبٍ؛ فقد جلس بجانبي مجددًا واعتذر قائلاً إنَّه آسفٌ لترويعي.
【لَمْ أكن أعلمُ أنَّكِ تفتقرين إلى المناعة تجاه اللمسات هكذا.】
“…… وهل أحتاجُ لشيءٍ كهذا؟”
【هاها، بالطبع لا.】
بينما كنتُ أوبخه وأنا أضربُ فمه الوهمي وهو يستمرُ في مضايقتي قائلاً إنَّه سيستأذنُ قبل مسحي على رأسي مستقبلاً، وإنَّه يمكنني الارتماء في حضنه وقتما أردتُ الدلال، سمعتُ صوت بيني من خلف الباب.
“آنسي، أنا بيني. هل يمكنني الدخول؟”
ماذا هناك؟ لا يمكن أن تكون ماراهان قد انتهت من تنظيف الغرفة بهذه السرعة.
أذنتُ لها بالدخول، فاقتربت بيني بخطواتٍ هادئةٍ ونقلت غرضها بأدبٍ.
“الآنسة بونيتا تطلبُ رؤيتكِ.”
“مجنونة!”
“نعم؟”
بسبب الشتيمة التي خرجت مني لا إراديًّا، ارتبكت بيني وبدأت تراقبُ رد فعلي.
‘يا فتاة، أنا آسفة. لقد خرجت الكلمة لأنني أكرهها بشدة.’
لَمْ أستطع التفكير في سببٍ وجيهٍ لمجيء أوديت فجأةً، فربما كان ذلك بسبب ما حدث في غرفة الطعام.
“هل ذكرت سبب الزيارة؟”
“آه، نعم. قالت إنها شعرت بأنها عكرت مزاجكِ أثناء الإفطار……”
“أها.”
أومأتُ برأسي مفهمةً الأمر.
من المؤكد أنها جاءت لتستعرض دور الأخت الصغرى الحريصة على مشاعر أختها الكبرى أمام بيني التي أصبحت بجانبي حديثًا.
‘رغم أنها هي مَن تعرض للتوبيخ، إلا أنها نشيطةٌ حقًّا.’
سمحتُ لأوديت بالدخول فورًا، فخرجت بيني مسرعةً من المكتبة.
لكن عندما فُتح الباب مرةً أخرى ودخلت أوديت برفقة بيني.
اضطررتُ لبذل جهدٍ جهيدٍ لكبح رغبتي في قذف الكرسي نحوها.
“أختي، لقد جئتُ.”
انظروا إليها، تلك الهيئة وهي تسيرُ حاملةً باقة زهورٍ لتقدمها لي.
كان شعرها الأشقر البيج يتمايلُ بانسيابيةٍ مع خطواتها الرقيقة.
وعندما كانت عيناها الزمرديتان اللتان تشبهان عيني والدتها تبتسمان بصفاءٍ، كان الجميع -بما فيهم أنا سابقًا- يثنون عليها قائلين إنها تشبه جنية الغابة “لينكي”.
“…… ما الذي جاء بـ بونيتا لزيارة أختها؟”
حاولتُ ألا أُظهر مشاعري وضغطتُ على فكي أثناء الكلام، فشعرتُ أنَّ مخارج حروفي لَمْ تكن دقيقةً تمامًا.
بمجرد أن وقع نظري على بتلات بانيليا البيضاء في حضنها، اجتاحني ألمٌ حادٌ في جسدي كله.
أليس من الممكن أن أتحرر من هذا الألم للأبد إذا قتلتُ أوديت الآن؟ إذًا…….
【ارخي أعصابكِ قليلاً، يا عزيزتي.】
لابد أنني كنتُ أمسكُ بالكرسي بقوةٍ هائلةٍ.
لولا أنَّ سينغ وضع يده فوق يدي التي احتقنت فيها الدماء، لربما أصبحتُ تلك الشريرـة التي ضربت أختها بالكرسي حتى الموت.
“فقط، شعرتُ أنَّ مزاجكِ لَمْ يكن جيدًا هذا الصباح فقلقتُ عليكِ……”
بدت وهي تجيب وهي تحتضنُ باقة الزهور وكأنها تراقبُ رد فعلي بحزنٍ.
كان تصرفها هذا يثيرُ اشمئزازي ويجعلُ من الصعب عليَّ تحملها.
ورغم كل شيء، يبدو أنها كانت تكرهُ التأثر برائحة الزهور أكثر من الموت، لذا كانت تقدمُ بانيليا دائمًا وهي مغلفةٌ بعنايةٍ هكذا.
“صحيح، خذي هذه. لقد أحضرتُ بعض الزهور التي تحبينها.”
“…… يا للأسف. لَن أتمكن من قبولها هذه المرة.”
“نعم؟”
“سأقبلُ مشاعركِ فقط، فما رأيكِ أن تضعي هذه الزهور في غرفتكِ يا بونيتا؟”
حاولتُ أن أبتسم بأقصى قدرٍ من اللطف.
بما أنني لَمْ أرفض قط أي باقة زهورٍ قدمتها لي، فقد بدا الذهول واضحًا على وجه أوديت.
أجل، لا تفكري في رمي قاذوراتكِ في غرفتي. ضعي ذلك العشب السام اللعين في غرفتكِ واستمتعي به.
تركتُ يد أوديت معلقةً في الهواء وهي تمسكُ الباقة، فاكتفت هي بابتسامةٍ خجولةٍ ثم تراجعت.
“أنتِ غاضبةٌ حقًّا، أليس كذلك؟ لقد جئتُ لزيارتكِ دون داعٍ……”
أبديتُ إعجابًا شديدًا في داخلي بمهارتها في تغيير تعابير وجهها في لمح البصر.
‘يا إلهي، كيف يمكنها التمثيل هكذا؟’
أدت أوديت دورًا متقنًا، حيث بدت عيناها وكأنهما تفيضان بالدموع لكنها تحاول الابتسام لكي لا تقلق أختها، مما يثيرُ شفقة مَن يراها.
شعرتُ بوخزةٍ في أنفي، لدرجة أنني فكرتُ في الذهاب إلى والدي لاقتراح تغيير مسار أوديت المهني لتصبح ممثلةً مسرحيةً.
حتى بيني التي كانت بجانبي نظرت إليها بشفقةٍ.
ولأنَّ ذلك أثار حنقي، رفعتُ يدي دون ترددٍ لإنهاء هذا الموقف.
“بما أنكِ تتصرفين بهذا الضعف……”
بمجرد أن رفعتُ يدي التي كانت تمسكُ بالكرسي، أغمضت أوديت عينيها بشدةٍ.
كان ذلك موقف شخصٍ مستعدٍ دائمًا لتلقي الضرب.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"