2
الفصل الثاني: روزيتا كـوك بينيترا².
“لقد أخطأتُ، يا والدي.”
تماماً كذَلك الفارس الذي كان يهمل حراسته، كانت تعابير وجه والدي متجهمة بشكل غريب، وكأنَّه يواجه كائناً عجيباً.
بينما كنتُ أمشي نحو المكتب، فكرتُ هل يجدر بي الجثو على ركبتيَّ أولاً ثم الاعتذار؟
لكنني توصلتُ إلى استنتاج مفاده أنَّ وصولي إلى هَذهِ الحالة المزرية ليس خطئي وحدي، لذا قررتُ الاكتفاء بالاعتذار اللفظي.
‘ذَلك الشبح السافل.. أعترفُ أنَّ لديه موهبة ما.’
ظننتُ أنني سأواجه الموت محالة في الحديقة الخلفية لمنزل الماركيز.
شعرتُ بجسدي يطفو، وللحظة واحدة شعرتُ بسلام لم أعهده.
وحين فتحتُ عينيَّ مجدداً، وجدتُ نفسي في غرفتي التي لا تختلف عن كومة نفايات، فوق سريري الذي هجرته منذ سنوات.
ومِن خلال الصحف الملقاة على الأرض، علمتُ أنَّ عمري الآن ستة عشر عاماً.
‘لقد عدتُ ثلاث سنوات إلى الماضي…’
شعرتُ ببعض الندم، فلو كان سيُعيدني بالزمن، ليتَه أعادني إلى ما قبل زواج والدي الثاني.
حين أدركتُ أنني عدتُ للماضي، فكرتُ في اقتحام غرفة أوديت فوراً وقتلها وهي غارقة في نومها الهانئ، لكنني كبحتُ جماح نفسي في النهاية.
فلو فعلتُ ذَلك، لربما شعرتُ بالراحة، لكنني لَمْ أكن لأتمكن من تمرريغ شرف أوديت وتشيسيا اللعينين في الوحل، وكان سينتهي بي الأمر كعنوان رئيسي في الصحف: ⟪الآنسة الفاسدة تقتل أختها! النهاية المأساوية لابنة بينيترا…⟫.
لهذا السبب، جعلتُ إلغاء أمر الحبس خطوتي الأولى.
وبدقة أكثر، كنتُ أريد إنقاذ شرفي الذي هبط حتى زنزانات إمبراطورية أركانيس.
“… طلبتِ مني حبسكِ، والآن تأتين بهذا الشكل غير اللائق.”
مسح والدي زاوية عينيه وكأنَّه يشعر بوخز فيهما، وخرج صوته مخنوقاً.
قد يكون من الغريب أنْ أقول هَذا عن نفسي، لكنَّ والدي كان معروفاً في المجتمع بكونه “أحمقاً يحب ابنته” بجنون.
دوق بينيترا الذي غمر القصر بالورود احتفاءً بابنته حديثة الولادة، فقط لأنَّ لون الورود يشبه لون شعرها.
ولَمْ يتوقف الأمر عند هَذا، بل اشترى حقوق ملكية زراعة الورود وقدمها كهدية لطفلته، وهي قصة يعرفها الجميع.
كان عمري حينها ثمانية عشر شهراً فقط.
‘في الأصل، هو تزوج بسببي أيضاً…’
كان السبب الرئيسي لزواج والدي السريع هو معاناتي بسبب غياب والدتي.
وقد أطلعني على كل خطوة في اختيار سيدة القصر الجديدة.. لذا، لَمْ يكن الأمر يشبه تلك القصص التي يهمل فيها الأب طفله بعد وقوعه في حب زوجة الأب.
– “احبسني يا والدي، أرجوك!”
لقد تربيتُ على الحب فقط، وهكذا كان ينبغي أنْ أنمو.
فماذا كانت مشاعر والدي حين عجزت ابنته عن كبح جماح غضبها، وطلبت بدموعها أنْ تُحبس.. كان أمراً لا يمكنني تقديره.
“هل تشربين الشاي؟”
“… أي نوع مِن الشاي؟”
“لنرى، إنَّه شاي بيركيس. هل ترغبين في شيء محدد؟”
“لا، أي شاي مِن يدكَ هو المفضل لدي.”
ساد صمت طويل، لَمْ يقطعه سوى صوت ملامسة أكواب الشاي.
من وجهة نظر والدي، كان من المربك بدء حديث مع ابنته التي لَمْ تخرج من غرفتها منذ عام ونصف.
أما أنا، فكنتُ أقبض قبضتي سراً؛ لأنني شعرتُ بتلك الفجوة الزمنية الطويلة منذ دخولي منزل الماركيز مونتاج وحتى جنازة والدي، تلك الأيام التي لَمْ نلتقِ فيها.
“ريانا وبونيتَا قلقتا عليكِ كثيراً أيضاً.”
“مستحيل.”
“همم؟”
“لا، قصدتُ قوله هو: (بالطبع فعلتا ذَلك)، أهاها.”
مستحيل أنْ تقلق تلك الأم وابنتها اللعينتان عليَّ.
أمسكتُ برأسي الذي بدأ يؤلمني وحاولتُ الابتسام بصعوبة.
ريانا وبونيتَا أوديت.
كانتا تحملان لقب البارون إبسيلون، لكنهما الآن تتستران خلف اسم بينيترا.
بل إنَّ أوديت حصلت على اسم “بونيتَا” الجميل من والدي كذكرى لانضمامها للعائلة، وكنتُ أظن حقاً أننا أصبحنا عائلة واحدة.
كم كان ماضيَّ مثيراً للسخرية والشفقة وأنا أناديها بأسماء تدليل مثل “بوني”.
بمجرد سماع اسمي تلك الأم وابنتها المقززتين، استعدتُ مشهد الخيانة بين أوديت وتشيسيا بوضوح.
– “هاها! حتى الدوق بينيترا الذي قيل إنَّه لا يملك ثغرة، لَمْ يكن شيئاً أمامكِ يا بونيتَا.”
– “أوه، حقاً. ماذا فعلتُ أنا؟ كل الفضل يعود لوالدتي.”
– “ألن يشك أحد في موت الدوق المفاجئ؟”
– “لا تقلق يا تشيسيا. لقد قالت أمي إنها استخدمت سماً لا يترك أثراً. كل ما تبقى لنا هو العيش في رخاء بعد الاستيلاء على ثروة الدوق.”
– “هوف… أخيراً سأرتاح من رؤية وجه تلك المرأة القذر.”
كان تشيسيا، الذي يقبل أوديت وهو يذمني، يبدو في غاية النشوة.
كان تعبيراً لَمْ أره منه قط.
كانا يتواصلان جسدياً ويتحدثان وكأنَّه لا يوجد غيرهما في هذا العالم.
ومِن خلال مراقبتي لتلك الغرفة، علمتُ أنَّ زوجة أبي ريانا هي من سممت والدي.
وأنهم يخططون لتزييف موتي كأنه انتحار، وكتابة وصية كاذبة.
وصية تقول إنني سألحق بوالدي، وأطلب من الماركيز مونتاج رعاية أوديت بدلاً مني…
يا له من محتوى سخيف حقاً.
– “عزيزتي بونيتَا. سيكون أمراً مرعباً حقاً لو سخطتِ عليَّ.”
كان تشيسيا محقاً.
لقد سخطت علينا، والدي وأنا، وحدثت الكارثة.
دون أنْ يعلم والدي أنَّه سيُقتل مسموماً على يد زوجته بعد ثلاث سنوات، كان يخبرني الآن عن مدى اهتمامهم بي.
أردتُ قلب الطاولة في تلك اللحظة، لكنني كتمتُ غضبي وغرزتُ أظافري في فخذي لأتمالك نفسي.
“أريد الخروج من غرفتي الآن.”
“لقد خرجتِ بالفعل دون إذن.”
“لا أريد الخروج دون إذن، لذا ارفع عني أمر الحبس.”
“هه! حقاً!”
بدأ والدي يوبخني طوال مدة كتابته لوثيقة إلغاء الحبس، قائلاً إنني جريئة، وإنني أظن أنَّ العناد يحل كل شيء.. وإنني لا أزال أتصرف كالأطفال لذا فأنا بعيدة كل البعد عن الزواج.
كنتُ أساعده في كتابة الوثيقة وأنا أتذمر متسائلة لماذا يفكر في تزويجي وأنا لا أرغب في ذَلك أصلاً.
‘يا والدي. لقد غدرت بنا تلك الأم وابنتها المحتالتان وقتلتاكما، وسلبتا كل شيء.’
لذا، ستقوم روزيتا كوك هَذهِ بإرسال زوجة والدي الحالية وابنتها الثانية إلى السجن أولاً.
وبينما كنتُ أطلب من داخلي دعمه وتشجيعه، عدتُ إلى غرفتي وأنا ألوح بوثيقة إلغاء الحبس بكل فخر.
لَمْ يعجبني أمر والدي بضرورة حضور وجبة الإفطار ابتداءً من هَذا الصباح، لكن القاعدة تقول إنَّ مَن يأخذ شيئاً يجب أنْ يعطي شيئاً في المقابل.
وافقتُ بمرونة وانصرفتُ.
لقد بدأ صباحي اليوم أبكر من الجميع.
* * *
(طقطقة)
بمجرد أنْ تأكدتُ من إغلاق الباب، ارتميتُ على الأرض وأنا أحاول التقاط أنفاسي.
كان ذَلك الفارس الذي قابلته سابقاً ينظر إليَّ بشك وأنا أمشي وحيدة دون مرافق.
وحين هززتُ وثيقة إلغاء الحبس في وجهه، كانت نظرة الصدمة في عينيه مضحكة للغاية.
ولأجل استعادة وقاري الذي ضاع، تمنيتُ له التوفيق في عمله ثم عدتُ مسرعة إلى غرفتي.
كان ذَلك هو أقصى ما يمكنني تحمله.
“هفف. سحقاً… يجب أنْ أجد الترياق أولاً.”
لَمْ أكن أركض، لكن أنفاسي كانت مقطوعة.
منذ متى لَمْ أتحدث مع شخص آخر بشكل طبيعي هكذا؟
رأسي لا يزال يؤلمني، وجلدي يقشعر بمجرد الحركة.
كتمتُ رغبتي في سلخ جلدي، وجمعتُ كل الزهور التي كانت تزين سريري وإطارات النوافذ وألقيت بها في المدفأة لتشتعل.
كم كافحتُ لكي لا ألقي بكوب الشاي أمام والدي.
كان عليَّ الاستمرار في شرب الشاي فقط لأبتلع تلك الكلمات القاسية التي كادت تخرج تجاه أم وابنة إبسيلون.
لو أنني أدركتُ في ذَلك الوقت أنَّ هَذا التحسس العصبي الشديد كان مفتعلاً من قِبل أحدهم، لكان الأمر أفضل بكثير.
لكنني حينها كنتُ مشغولة بمحاولة السيطرة على طبعي الهائج ولَمْ أفكر حتى في النظر حولي.
– “يا للغباء. كانت أختي متمسكة بتلك الزهور طوال الوقت لأنني قلتُ إنني أهديتها لها.”
اسم تلك الزهور التي تلونت أطراف أوراقها وكأنَّ الصقيع أصابها هو: بانيلنيا.
كانت الزهرة الوحيدة المختلفة في هذا المنزل المليء بالورود، والنبته السامة التي وضعتها أوديت في غرفتي.
رائحة “البانيلنيا” تحفز الحواس الخمس للإنسان، وكلما استنشقها المرء لفترة أطول، أصبح عصبياً وحساساً للغاية.
المشكلة أنَّ الأبحاث حول زهرة البانيلنيا كانت شبه معدومة، كما أنها لَمْ تكن نباتاً شائعاً، لذا لَمْ يعرف أحد الحقيقة.
“إنها ليست مجنونة فحسب، بل كيف تجرأت…”
بمجرد تذكر ذَلك الألم الذي جعل حلقي يحترق، خرجت الشتائم مني تلقائياً.
أوديت، يوماً بعد يوم، شهراً بعد شهر، سنة تلو الأخرى…
حين كنتُ في الرابعة عشرة، وحين لَمْ أخرج من غرفتي، وحتى حين دخلتُ منزل الماركيز!
ظلت تقدم لي تلك الزهور بابتسامة حتى متُّ.
– “كيف يمكنكما فعل هَذا بي، كيف!”
لذا، في ذَلك اليوم الذي عرفتُ فيه جرائم تشيسيا وأوديت، قلبتُ الغرفة رأساً على عقب من الغضب.
صرختُ ورميتُ المزهريات وضربتُ الأرض بقدمي وأنا في حالة من الهياج.
كيف فعلا هَذا بي وبوالدي؟
ثم، يا للهول.
– “أختي تعجل في نهايتها بنفسها.”
أقفل تشيسيا الباب، وسكبت أوديت مستخلص زهرة البانيلنيا في حلقي.
يا لهما من قذرين. اقشعر بدني حين علمتُ أنهما كانا يحملان كمية قاتلة من السم طوال الوقت بنية قتلي.
– “أوصلي سلامي لوالدي، يا أختي.”
تركا الغرفة وأقفلا الباب، ظانين أنني سأموت وحيدة وأنا أتلوى هناك.
اصطكت أسناني حين تذكرتُ منظرهما وهما يغادران الغرفة معاً.
ربما كان الشيء الوحيد الجيد هو أنهما، كونهما “قدوة للنبلاء”، لَمْ يتخيلا أبداً وجود ابنة نبيلة قد تقفز من النافذة.
في ذَلك اليوم، هربتُ من غرفة الضيوف في الطابق الثاني وأنا أتمسك بصدري الذي يغلي، وفي الحديقة الخلفية لمنزل الماركيز، قابلتُ الشبح عديم الوجه.
ثم عدتُ للماضي.
“بما أنَّ عمري الآن ستة عشر عاماً، ممم. هَذا يعني أنني مسمومة منذ سنتين على الأقل…”
نظرتُ إلى زهور البانيلنيا وهي تحترق.
بينما كنتُ أفكر في كيفية حل مشكلة التحسس العصبي هَذهِ، قررتُ تهوية الغرفة أولاً بسبب الدخان المتصاعد.
يبدو أنني وضعتُ الكثير من الحطب دفعة واحدة، فبدأتُ أسعل ودمعت عيناي.
أردتُ منادات خادمة بالطبع، لكنني تذكرتُ أنني طردتُ جميع خادماتي الخاصات ولم يتبقَّ سوى خادمات القصر العاديات، ففتحتُ النافذة بنفسي.
“أنا مشغولة جداً. يجب أنْ أختار خادمات جديدات، وأجد طريقة للترياق، وأفسخ الخطوبة من ذَلك السافل تشيسيا، وأيضاً…”
【ويجب أنْ تنفذي انتقامي أيضاً.】
“آخ!”
من شدة خوفي من الصوت المفاجئ، تراجعتُ للخلف فارتطم رأسي بإطار النافذة.
بينما كنتُ أمسك برأسي المتألم، نظرتُ بغضب إلى صاحب الصوت.
كان ذَلك الشبح عديم الوجه لا يزال أمام عينيَّ.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 2"