الفصل الرابع عشر: لنلقِ نظرةً أخرى على القمامة الملقاة⁴.
【إنه يبدو يافعاً قليلاً.】
تأملتُ وجه تشيسيا بعنايةٍ متبعةً زمزمة سينغ الذي كان يتمتمُ ببرود وهو يشابك ذراعيه.
بالفعل، مقارنةً بتشيسيا ذي الواحد والعشرين عاماً الذي رأيته لآخر مرة، بدا صاحب الثمانية عشر عاماً الآن أصغر سناً بشكلٍ طفيف.
في “أركانيس”، يقيمُ الشبان في سن السابعة عشرة حفل بلوغ سن الرشد تزامناً مع ميلادهم.
ومع ذلك، كانت بقايا ملامح الطفولة في وجهه، أو ابتسامته الصافية، تخصُّ شخصاً قد وطأت قدماه لتوّه عتبة المجتمع.
【هوه، يا عزيزتي. هذا الوغد لا يستطيعُ إزاحة عينيه عن وجهكِ. ما رأيكِ؟】
ماذا عساي أن أفعل؟ أرغبُ فقط في توجيه لكمةٍ قويةٍ لهذا الوجه الصقيل الآن.
منذ اللحظة التي التقت فيها أعيننا، بدا تشيسيا وكأنه لا ينوي النظر إلى أي مكانٍ آخر.
لا أعلمُ إن كان مندهشاً من صحة نبأ إلغاء الإقامة الجبرية، أم أنَّ خروجي إلى الحديقة بنفسي رغم مرضي بدا له غريباً…….
أو ربما كان مندهشاً من رؤية خطيبته، التي كان يذكرها رثة المظهر، وهي تستقبله فجأةً بهيئةٍ سليمةٍ ومرتبة.
“لقد اشتقتُ إليك حقاً، سيد تشيسيا.”
… يا لقلة الأدب. رغم وجود مَن هي أكبر منها سناً بجانبها.
ربما كانت تتعمدُ ذلك؛ فبعد تحية أوديت، انتقلت نظرات تشيسيا إليها أخيراً.
رؤية هذين الخائنين معاً مجدداً جعلتني أشعرُ بالقرف بطريقةٍ خاصة.
“بونيتا. أعلمُ مدى سعادتكِ برؤيته…. لكن عليكِ منح خطيبي وقتاً لالتقاط أنفاسه.”
“أوه، أنا آسفة……. يبدو أنني ارتكبتُ هفوة.”
“لا بأس. ترحيبُ الآنسة بونيتا الحار جعلني أشعرُ أنَّ يومي سيمرُّ ببهجة.”
يا لكما من زوجٍ مقرفٍ يتغزلُ ببعضه…….
【يا لهما من زوجٍ من الحمقى.】
مهلاً، لقد فكرتُ في هذا للتو.
بينما كنتُ أرفعُ كوب الشاي لأهدئ غضبي المشتعل، نطق سينغ بما شعرتُ به تماماً.
【هل تملكين معدةً قويةً لهذا الحد؟ لا أصدقُ أنَّ الشاي يمرُّ في حلقكِ وأنتِ ترين هذا المشرف.】
“……”
【’أشعرُ أنَّ يومي سيمرُّ ببهجة’. واااع، هل ذوقكِ يميلُ للمجاملات السمجة؟】
“فففـ!”
تباً، كدتُ أبصقُ الشاي.
بسبب غضب سينغ المسموع، لَمْ أستطع منع نفسي من الضحك، وحاولتُ جاهدةً كتمه بسعلةٍ مصطنعة.
ضاقت مابين عيني أوديت بانزعاج، بينما عاد تشيسيا ليوجه نظراته نحوي مجدداً.
بدا وكأنه صبيٌّ يوشكُ على البدء بلعبة حبٍ تافهة، مما اضطرني لإخفاء شعوري بالاشمئزاز.
* * *
‘كانت مريضةً طوال الوقت……. يبدو أنها بدأت تتعافى حقاً.’
فكر تشيسيا في ذلك وهو يراقبُ خطيبته التي حافظت على تعبيرٍ باردٍ أمامه.
كانت زيارةً بروتوكولية.
فحتى لو كانت آنسةً فرضت عليها الإقامة الجبرية بسبب تصرفاتها الرعناء داخل العائلة، إلا أنها أمام العالم كانت الخطيبة التي لزمت غرفتها بسبب المرض.
لذا، كان على تشيسيا أن يُظهر للمجتمع اهتمامه بـ روزيتا.
– “تـ… تشيسيا، هل أتيت؟ أنا، أجل. لَمْ أستطع الخروج لذا جهزتُ……”
في أول مرة زار فيها روزيتا وهي مريضة، أصيب بدهشةٍ لا بأس بها. وبصراحة، كان يشعرُ برغبةٍ في الهروب.
ملابسها، وابتسامتها، والمائدة التي أعدتها؛ كان من الواضح أنها جهزت كل ذلك لتنال إعجابه……. روزيتا الأصلية كانت تمثلُ الشريكة التي اختارها القدر له.
لقد كان يغدقُ عليها بالمديح قائلاً إنَّ هذا المستوى هو ما يليقُ بمن ستتزوجُ من فودكوس تشيسيا.
لكن مع مرور الوقت، بدا وكأنَّ معدنها الحقيقي قد ظهر، وتحولت خطيبته تدريجياً إلى حالةٍ مثيرةٍ للشفقة.
– “كيااا! أختي، أرجوكِ. هئ، لا تفعلي هذا……!”
في الزيارة الثانية، اضطر لرؤية مشهد أوديت وهي تبكي بعد أن ضربتها أختها الكبرى.
الإهانة التي شعر بها تشيسيا في ذلك اليوم لا يمكن وصفها.
‘لقد فشلتُ!’
في اللحظة التي شهد فيها بعينيه قبح خطيبته، لَمْ يجد مفراً من اليأس.
عائلةٌ عريقة، ومظهرٌ رائع. وحتى مكانةٌ مرموقة لا ينقصها شيء.
كل ما كان ينقصه هو سيدة المنزل التي ستبني معه العائلة حين يرثُ لقب الماركيز مستقبلاً.
لذا، قام بوزن كل شيءٍ بدقة، واختار “أفضل قطعة” تليقُ به لتكون بجانبه.
لكن تبين لاحقاً أنَّ بها عيباً مصنعياً. أليس هذا احتيالاً؟
تلك الإهانة التي شعر بها لأول مرة في حياته، لَمْ يجد مكاناً يفرغها فيه، فكتمها في صدره طويلاً.
– “النبلاء الكبار يعيشون لثلاثة أجيال حتى لو سقطت عائلاتهم. لكن مَن يخرجُ من حسابات بينيترا، فسيُدمر في ثلاثة أيام!”
ومع ذلك، لَمْ يتمكن من فسخ الخطوبة لأنَّ مكانة روزيتا بصفتها الوريثة الوحيدة المباشرة لـ بينيترا كانت عاليةً بشكلٍ جنوني.
كان الناس يمزحون قائلين إنه في حال انقطاع نسل العائلة الإمبراطورية، ستقومُ سلالة بينيترا.
بالإضافة إلى ظروف الكبار المعقدة التي منعته من التحرك بسهولة، مما جعله يشعرُ بالبؤس، ولكن…….
‘…… يبدو أنَّ الجو حولها قد تغير.’
كانت ترتدي فستاناً بلون الموف الفاتح، وتتأملُ المناظر حولها وهي ترمشُ بنعاس.
ذراعها النحيلة التي ظهرت حين رفعت شالها المنزلق. شعرها البرتقالي المحمر الذي بدا داكناً تحت الظلال.
شحمة أذنها الصغيرة التي ظهرت حين أزاحت شعرها.
“لماذا تنظرُ إليَّ هكذا، يا فودكوس؟”
… وحتى اسمها الذي تنطقه الآن بطريقةٍ مختلفةٍ تماماً عما سبق.
شعر تشيسيا بغرابةٍ شديدةٍ لدرجة أنه لَمْ يعرف أي تعبيرٍ يرتسمُ على وجهه.
صورةُ روزيتا التي كانت تنشغلُ بالابتسام له قائلةً “تشيسيا-” بدت وكأنها ذكرى مشوهة.
هي الآن تضعُ حدوداً واضحة.
ولأنَّ ذلك أثار انزعاجه وشعوره بالخيبة قليلاً…….
“… ما العيب في أن أنظر إلى خطيبتي قليلاً؟”
أجاب تشيسيا بنبرةٍ متذمرة دون أن يشعر.
“…… هاه!”
“……”
“هاها، هذا حقاً…. كلامٌ معسول.”
لا يمكن قراءتها.
لَمْ يستطع أبداً فهم المعنى الكامن في عينيها اللتين ترقبانه.
كانتا كالفجر الذي ينتظرُ شروق الشمس، أو كليلةٍ مقمرةٍ تنعكسُ على سطح بحيرةٍ يملؤها البلل.
نظرةُ روزيتا وابتسامتها، اللتان كانتا تظهران بوضوحٍ تامٍ كل ما في داخلها لتؤكدا أنه ملكها.
وحتى حركة يدها وهي تميلُ بكوب الشاي.
دوم.
دوم.
كل شيءٍ كان غريباً، مما جعل تشيسيا يتركُ قلبه المضطرب يتخبطُ في حيرته.
هبت ريحٌ عاصفةٌ جداً.
* * *
【لماذا يفتحُ عينيه هكذا؟】
يبدو أنني وسينغ على وفاقٍ تامٍ اليوم.
كيف يمكنه التعبير عن مشاعري بكلماتٍ دقيقةٍ وفي الوقت المناسب تماماً؟
أنا أيضاً كان يزعجني بريقُ عينيه المليء بالود، فالتفتُّ أتأملُ الحديقة ببرود.
“أنا قلقةٌ حقاً. المأدبة على الأبواب ولا أعلمُ إن كنتُ سأبلي بلاءً حسناً……”
حينها تمتمت أوديت بنبرةٍ توحي بكثرة همومها.
من المؤكد أنها سمعت من ريانا أنني سأحضرُ المأدبة أيضاً.
لكنها، سواء كانت تتجاهلُ الأمر أو تتظاهرُ بعدم السماع، استمرت في التذمر أمام تشيسيا.
“سيد تشيسيا، لا بد أنك حضرت الكثير من المآدب، أليس كذلك؟ سمعتُ أنَّ هناك الكثير من الآنسات ذوات الذوق الرفيع…. كيف يجب أن أتصرف بينهنَّ لأنهي المأدبة بسلام؟”
“بالمناسبة، لقد حان الوقت فعلاً. الآنسة بونيتا ستبلي بلاءً حسناً حتماً. هناك الكثير من النبلاء الشباب الذين أعرفهم يتساءلون عنكِ.”
“أوه، حقاً؟ لكنني لستُ بارعةً بما يكفي بعد……. الأخت روزيتا تتفوقُ عليَّ بكثير.”
ابتسم تشيسيا ب ارتباكٍ على ردها وأثنى على تواضعها.
فاحمرَّت وجنتا أوديت خجلاً.
‘تلك اللعينة. هل بدأت بالهجوم أولاً؟’
بما أنها بدأت، فقد قررتُ مواجهتها بكل سرور.
“بمناسبة الحديث عن منصة الربيع……. بونيتا العزيزة. هل اخترتِ شريكاً لكِ؟”
“ماذا؟ آه، ليس بعد….”
“يا للهول، لا أصدقُ أنَّ النبلاء يتجاهلون فتاةً رقيقةً مثلكِ. لا بد أنَّ لديهم مشكلةً في بصرهم وإلا لما حدث هذا. وكما قلتِ، الموعد اقترب، لذا عليكِ التحركُ بسرعةٍ والبحث.”
“لا، الرسائل لَمْ تصل لأن……”
“هناك الكثير من الفرسان الرائعين في العائلة. ورغم انشغالهم، إلا أنهم لَن يرفضوا طلبكِ لتكوني شريكتهم في الرقص.”
“…… ربما. شكراً لاهتمامكِ يا أختي.”
أنهت أوديت الحديث قائلةً إنها ستفكرُ في الأمر، رغبةً منها في الهروب من هذا الموضوع بسرعة.
“صحيح، يا فودكوس. أعلمُ أنَّ هناك الكثير من النبلاء الرائعين حولك. ما رأيك في أن تقوم بدور الوسيط؟”
لكنني لَمْ أكن أنوي الإنهاء بعد.
لقد كانت أختاً متغطرسةً للغاية.
“أختي! سيد تشيسيا، ليس الأمرُ كذلك. لا أريدُ أن أكون عبئاً، لذا لا داعي لذلك.”
“لكن يا بونيتا. شريكُ المأدبة كان يجب أن يُحدد منذ فترةٍ طويلة. أنتِ فتاةٌ ذكية، ولا أصدقُ أنكِ أغفلتِ هذا الأمر الهام. هذا يجعلني أقلقُ إن كان بإمكاني ترككِ تعتمدين على نفسكِ بعد الآن.”
“أأ… أنتِ أيضاً يا أختي لَمْ تحددي شريككِ بعد، أليس كذلك؟ بدلاً مني……!”
تغلغل البرودُ في الجو المحيط عقب رد أوديت المتلعثم.
‘كنتُ أعلمُ أنَّ الضغط عليها سيجعلها تقعُ في الخطأ وتنفجرُ غضباً في النهاية.’
أن تتجرأ على التقاط زلةٍ لتوبخ أختها الكبرى.
كان هذا الموقف مختلفاً تماماً عن صورة “القديسة” التي كانت أوديت تحاولُ إظهارها دائماً.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"