الفصل الثالث عشر: لنلقِ نظرةً أخرى على القمامة الملقاة³.
فلاك، فلاك.
استمرَّ صوتُ تقليب صفحات الكتالوج، تزامناً مع حركة أطراف أصابعها ذات الأظافر المعتنى بها جيداً.
كلما طال الصمت، لَمْ تجد “أنت إيتوران” بداً من تجرع الشاي أمامها مراراً لمحاولة ابتلاع ريقها الجاف.
‘أنا… أنا خائفةٌ جداً……!’
كانت الآنسةُ التي أمامها جميلةً لدرجةٍ تخطفُ الأنفاس، لكنها كانت تشعُّ بمهابةٍ حادةٍ تليقُ بجمالها.
ربما كان السبب هو الشائعات المتداولة حول ابنة بينيترا؛ التي قيل إنَّ هوايتها المفضلة هي التسبب بجروحٍ في رؤوس الخدم، وتسلبيتها هي إبكاء أختها غير الشقيقة.
ومع ذلك، بذلت “أنت إيتوران” قصارى جهدها لإخفاء توترها.
أنت إيتوران.
امرأةٌ تفتحت عيناها على تصميم الأزياء منذ صغرها بتأثيرٍ من والديها اللذين كانا يعملان في غسيل الملابس.
لقد كانت مبتدئةً افتتحت دار أزياءٍ تحملُ اسمها في العاصمة منذ تسعة أشهرٍ فقط.
‘إنها… لا تتحدثُ أبداً……’
فكرت إيتوران في ذلك، وهي تسرقُ النظر إلى روزيتا بقلبٍ يرتجفُ قلقاً.
رغم أنَّ الجميع في مسقط رأسها أقروا ببراعة يدها الاستثنائية، إلا أنَّ الواقع المرير كان يكمنُ في كفاحها لتسديد إيجار المحل.
بينما كانت تتخبطُ بين المحلات الشهيرة، هل استجاب الربُّ لدعواتها بأن يرزقها حتى لو بكسرة خبز؟
فجأةً، وصلها طلبٌ لتصميم فستانٍ من الابنة الكبرى لعائلة الدوق بينيترا.
‘لا أعلمُ لِمَ اختارتني أنا بالتحديد……. لكن هذه فرصة! فرصةٌ ذهبية ليعرف النبلاء تصاميمي!’
استشاطت إيتوران حماساً وهي تتذكرُ والديها اللذين يعيشان في قريةٍ صغيرةٍ بالشرق، ويرسلان لها رسائل شهرية محتواها: ‘يا أنت، يا ضفدعة البحيرة……. توقفي عن ملاحقة الأحلام الواهية وعودي للمنزل، ألا تسمعين شكوى الزبائن من خيوط الحياكة البارزة؟ تعالي وساعدي والدتكِ’.
أول خبرٍ سمعته عند استقبالها في غرفة الضيوف هو أنَّ الآنسة تبحثُ عن فستانٍ لمنصة الربيع.
كان من الواضح أنَّ مظهر روزيتا سيحققُ تأثيراً دعائياً هائلاً للفستان.
ورغم ما يقالُ عن فظاظتها وتصرفاتها الطائشة…….
فحتى لو تسببت في مشكلةٍ ما خلال المأدبة، ألن يؤدي ذلك إلى نشر صورة الفستان في الصحف على الأقل؟
كانت تلك اللحظة التي تحاولُ فيها إيتوران التفكير بإيجابيةٍ قدر الإمكان.
طاخ، صدر صوتُ إغلاق الكتالوج.
* * *
“… جميل.”
“نعم! آه! هل هناك تصميمٌ أعجبكِ يا آنستي؟”
“هاها، لا.”
“……”
تأملتُ للحظةٍ تعبير وجه الخياطة الذي تجمد بمرارة، ثم وضعتُ الكتالوج بهدوءٍ على الطاولة.
“تبدين لي صاحبة ذوقٍ رفيع. رغم أنني لستُ خبيرةً كبرى في شؤون الأزياء……. إلا أنَّ تصاميمكِ تُظهر محاولة التميز عن الموضة السائدة بلمساتٍ خاصة.”
“آه، نعم……”
بدا وجهها وكأنها تريدُ أن تسأل: “إذن لِمَ ترفضين؟”.
تصاميمُ “أنت إيتوران” رائعة.
وهذه حقيقةٌ ستتأكدُ بعد عامين بالضبط، حين لَن ترتدي أوديت المهووسة بالموضة سوى فساتين دار إيتوران.
لقد قالت أنت إيتوران مستقبلاً، حين تروي قصة نجاحها في تحويل محلٍ صغير إلى دار أزياءٍ كبرى:
– “يُقال إنَّ إله الشمس القديم فُتن بالحركات الرقيقة للجنية ‘لينك’. لقد أردتُ فقط أن تسكن تلك الجمالية كل امرأة، حتى لو كانت تركضُ في الحقول مثل لينك.”
والعاملُ الحاسمُ الذي ساهم في نجاحها كان الإمبراطورة الأولى التي كانت تبلغ من العمر ثماني سنواتٍ آنذاك.
في ذلك الوقت، تسبب الكورسيه المشدود بشكلٍ مفرط في كسر أضلاع الإمبراطورة “بياتريس”، مما أثار ضجةً واسعة.
بدأت الحكاية حين كانت الإمبراطورة الأولى تتجولُ في أسواق العاصمة قلقةً على والدتها، فرأت الفستان الذي كانت ترتديه إيتوران.
قصةٌ أنثويةٌ انسيابية لا تضغطُ على الخصر، وتمنحُ مظهراً راقياً.
وبعد أن ارتدت الإمبراطورة وابنتها فستانين من تصميم إيتوران في المناسبة الرسمية التالية، أصبحت الخياطة الأشهر في العاصمة.
كانت هذه الحقيقة هي السبب في رغبتي بتكليف الآنسة إيتوران بتصميم فستاني.
‘بالطبع هذا سيحدثُ بعد عامين، ولا أظنها تملكُ ذلك الأسلوب الآن بالكامل، ولكن……’
كنتُ أحتاجُ لضربةٍ قوية.
حفل الترسيم هو المنصة الرسمية التي يظهر فيها الآنسات الصغيرات للمجتمع لأول مرة.
لا يجب أن يبدون خبيراتٍ جداً، ولا مبتدئاتٍ تماماً.
يكمنُ السرُّ في الظهور بمظهرٍ نقيٍّ كزهرة “لا تنسيني”، وفي نفس الوقت يتسمُ بالرقي.
لكن الفساتين الرائجة حالياً، التي تشدُّ الخصر وتجعل التنورة ضخمةً جداً، كانت بعيدةً عن هذا المفهوم.
‘والأهمُّ من ذلك، لكسر سمعتي السيئة التي لَمْ تهدأ يوماً، يجب أن يكون هناك صدمةٌ وتجديدٌ بهذا القدر.’
كنتُ بحاجةٍ ماسة للفستان الذي ستصنعه بعد عامين من الآن.
“هل يمكنكِ رسم ما سأصفه لكِ؟”
“هذا ممكن، ولكن……”
“بما أنه ممكن، فلتمسكي القلم فوراً.”
بسبب أسلوبي القاسي، حملت الورقة والريشة بوجهٍ يكادُ يبكي.
“أولاً، أنا لا أحبُّ ضيق الخصر أبداً. لذا، أريدُ إلغاء الكورسيه. أريدُ حياكة خط الخصر ليتناسب مع القفص الصدري. لكن بما أنَّ هذا قد يجعل القوام يبدو كقطعة خشب، أريدكِ أن تهتمي بنوع القماش. لا بأس بإضافة أكمام منفوخة رقيقة على الكتفين، وأيضاً……”
شرحتُ لها كل شيءٍ بالتفصيل.
وبسبب سرعتي في الحديث، كانت ترسمُ بسرعةٍ تكادُ تشبه الخربشة، لكن عينيها كانتا تتسعان تدريجياً وبدا أنها بدأت تستمتعُ بالأمر.
بمجرد انتهائها من المسودة ببراعةٍ وكأنَّ مسَّاً أصابها، قامت بترتيب الرسم مرةً أخرى ثم أظهرته لي.
“هـ… هل هذا هو الانطباع الذي أردتِه يا آنستي!”
“……”
لا عجب أنها هي المصممة الأصلية.
لقد رسمت ما وصفته بشكلٍ مذهل.
حتى سينغ، الذي كان بجانبي، نظر إلى الورقة بعنايةٍ ثم ضحك بـخبثٍ كأنَّه أدرك خطتي.
【كنتُ أتساءل لِمَ استدعيتِ نكرةً مثلها……. يبدو أنها المرأة التي ستتركُ بصمتها في تاريخ الأزياء.】
قدمت لي ثلاثة أو أربعة تصاميم، وكانت جميعها غايةً في الجمال، مما جعلني أبتسمُ برضا.
“جميل.”
“……”
“آه. هذه المرة أعني حقاً أنَّه جميل، لذا استرخي يا آنسة.”
بمجرد قولي ذلك، تنفست الآنسة إيتوران الصعداء.
لكنها سرعان ما شعرت بالحرج حين أدركت أنها أظهرت تعبها بشكلٍ صريح، فبدأت تراقبُ رد فعلي.
يبدو أنها تظنُّ أنني سألتهمها.
“بالتأكيد أحضرتِ عينات القماش، أليس كذلك يا آنسة إيتوران؟”
“بـ… بالتأكيد!”
بدت نشيطةً وهي تفتح حقيبتها بسرعة.
فكرتُ في أنَّه لا بأس لو قمتُ أنا ببناء دار أزياء إيتوران لها بالكامل.
* * *
【تبدين مشتتة الذهن، يا عزيزتي.】
بمجرد أن أطفأت بيني الأنوار وتمنت لي أحلاماً سعيدة وغادرت الغرفة، تحدث سينغ.
جلستُ على السرير وأسندتُ ظهري إلى حافته، وفعلاً، كنتُ قلقةً بشأن الغد كما قال.
فقد زارتني أوديت المتغطرسة في غرفتي بعد فترةٍ قصيرة من مغادرة الآنسة إيتوران.
– “لقد أرسل السيد تشيسيا طلباً لزيارتكِ غداً. بما أنَّ الجو بدأ يدفأ، ما رأيكِ في استقباله في الحديقة؟”
تلك الماكرة.
لقد أخفت حقيقة أنَّ الرسالة كانت موجهةً إليَّ، وتحدثت وكأنَّ تشيسيا هو مَن طلب منها ذلك.
ولَمْ يكتفِ الأمرُ بهذا، بل نقلت خبر وصول الضيف في ليلة اليوم السابق فقط.
كدتُ أفقدُ صوابي بسبب وقاحتها وانعدام أخلاقها.
‘حتى اسم خطيب أختها تنطقه بهذا الابتذال. كلما فكرتُ في الأمر يزداد غضبي.’
الأمورُ التي كنتُ عمياء عنها في الماضي بدأت تثيرُ اشمئزازي واحداً تلو الآخر بلا نهاية.
– “الحديقة، يبدو ذلك فكرةً رائعة. سآمر بتجهيز المكان غداً صباحاً، وإذا أردتِ الحضور يا بونيتا، فلتأتي.”
– “…… بالطبع سآتي، يا أختي.”
لأنَّ تصرف أوديت كأنها هي صاحبة الضيافة كان مستفزاً، قمتُ باستفزازها قليلاً، فأجابت بوجهٍ لا يبشر بخير.
هل كانت تظنُّ أنني سأصفعها وأسألها كيف يتجرأ خطيبي على إرسال رسالةٍ لنكرةٍ مثلها؟
بما أنني كنتُ حساسةً للغاية في كل ما يتعلق بـ تشيسيا، فقد كان توقعها في محله.
بمجرد تفكيري في استقبال الضيف غداً والبدء في التأنق والتجمل، شعرتُ بالتعب وهززتُ رأسي.
“لا تتحدث. قد أقتله بمجرد رؤية وجهه غداً.”
【بناءً على غضبكِ هذا، لا أظنُّ أنَّ العلاقة بينكما كانت هكذا منذ البداية.】
تحدث سينغ باستغرابٍ عما رآه من مشاهد في قصر الماركيز مونتاج.
‘صحيح. بما أنَّ سينغ قال إنه كان يتجولُ في قصر الماركيز فقط……’
فمن المؤكد أنَّ كل ما يتذكره هو مشاهد تعرضي للتوبيخ من قبل حماتي، أو خيانة تشيسيا وأوديت لي.
“…… بالطبع. هل كنتُ سأصرُّ على الزواج لو لَمْ تكن هناك أيامٌ جميلة؟”
تذكرتُ لقائي الأول بـ تشيسيا.
كنتُ في التاسعة. في حفل عيد ميلادي الذي أقيم في المبنى الرئيسي للدوقية، وبمجرد رؤية وجهه الوسيم، حبستُ أنفاسي.
في الوقت الذي كان فيه البعض يظهرُ تذمره من المجيء مع والديه، والبعض الآخر يبكي فخراً بكونه لَمْ يفطم بعد.
وسط تلك القاعة الفوضوية، سار تشيسيا نحوي برفقة الماركيز مونتاج.
بخطواتٍ رصينةٍ تليقُ بابتسامته الرقيقة.
– “أُدعى فودكوس تشيسيا من عائلة مونتاج، يا آنستي. هل تأذنين لي بتقبيل ظهر يدكِ إن لَمْ يكن في ذلك إزعاج؟”
يا لـ…!
يا له من رقيٍّ في التعامل!
في ذلك الوقت، كان كل مَن قابلتهم من الفتيان في عمري يتصرفون بهمجية؛ فمنهم مَن يسأل بفضولٍ إن كان الفستان ثقيلاً، ومنهم مَن ينظفُ أنفه سراً ظناً منه أنَّ أحداً لَن يراه.
أدركت الفتاة ذات التسع سنواتٍ أنَّ وجود أخٍ أكبر بعامين هو أمرٌ عظيمٌ حقاً.
وعندما أُعجب طفلان من عائلتين مرموقتين ببعضهما، لَمْ يكن ختم خطوبتهما أمراً صعباً.
ورغم فترة الحداد التي عشناها في ذلك العام بسبب الوفاة المفاجئة للإمبراطور، إلا أنني ولحسن الحظ أتممتُ حفل خطوبتي قبل بلوغي العاشرة.
“قال إنه لَمْ يرَ في حياته فتاةً بجمالي. لقد كان طفلاً في الحادية عشرة، متغطرساً ولطيفاً في آنٍ واحد.”
أجل. بلا شك، كانت هناك لحظاتٌ نظر فيها تشيسيا إليَّ بعينين حانيتين.
كان أمراً مراً، لكنه كان الحب الأول بلا منازع.
【…… ذوقكِ في الرجال مريع.】
“أوافقكِ الرأي، لكن هذا لا يمنع شعوري بالانزعاج. لقد تذكرتُ ذكرياتٍ لا داعي لها بسببك!”
وبختُه بشدةٍ وأمرته ألا يزعجني لأنني سأنام، ثم غطيتُ رأسي باللحاف تماماً.
سمعتُ كلماتٍ غير مفهومةٍ حول كونه هو مَن كان في الطابور أولاً……. لكنني لَمْ أفهم معناها وتجاهلتها.
* * *
“يصلُ الآن ابن الماركيز مونتاج.”
بدا وكأنَّ الربيع يقتربُ حقاً؛ فنسماتُ الظهيرة في الحديقة لَمْ تكن باردةً رغم هبوبها.
بمجرد رؤية أوديت للشخص القادم برفقة رئيس الخدم، نهضت من مكانها لاستقباله.
خلافاً لها، حيث لَمْ تحاول إخفاء ترحيبها، بقيتُ أنا في مكاني أراقبُ تشيسيا وهو يظهرُ ببطء.
شعره الذي يذكرني بالنيران المشتعلة يشبه تماماً شخصية صاحبه العاطفية.
أنفه المستقيم تحت خصلات شعره الحمراء المتطايرة، وعيناه اللتان تلمعان ببريقٍ ذهبيٍّ خالصٍ بلا شائبة.
كانت هناك أيامٌ يضيقُ فيها صدري بجماله، وأنشغلُ بتهدئة خفقان قلبي المرتجف.
– “أنتِ تعلمين أنَّ المرأة الوحيدة التي سأطلبُ يدها هي أنتِ، يا روزيتا.”
حين كان يجيبُ بثقةٍ وكأنَّ المستقبل قد حُسم بالفعل، كنتُ أتوهمُ أننا سنصبحُ زوجين لا يمكن لأحدهما العيش دون الآخر.
“…… أهلاً بك.”
فودكوس تشيسيا.
يا خطيبي القاسي.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"