1
الفصل الأول: روزيتا كـوك بينيترا¹.
يُقال إنَّ على سيدة النبلاء أن تُبقي ظهرها مفروداً ووقفتها مستقيمة، حتى لو انحشرت أصابع قدميها في مقدمة حذائها وتألمت.
حتى وإن وُجد مَن لا تطيقه، فلا ينبغي لها ذمه علانية، بل عليها أن تتقن فن “الإهانة الراقية” وكأنها تلتف حول جبال فريكان ببراعة.
“أوديت اللعينة! تشيسيا السافل…!”
اسمي هو روزيتا كوك بينيترا.
أنا التي كنتُ أُلقب بالشريرة المجنونة في الدوائر الاجتماعية، مشغولة الآن بصب وابل من الشتائم الصريحة على أختي الوحيدة وزوجي.
وفي الوقت نفسه، أزحف بكل قوتي مستخدمة مرفقيَّ عبر الحديقة الخلفية.
وإذا سألني أحدهم كيف تتعرض الوريثة المباشرة الوحيدة لعائلة الدوق بينيترا لمثل هذه المهانة…
فالإجابة هي أنَّ أختي أوديت وزوجي تشيسيا -الذي سيخلف لقب الماركيز مستقبلاً- لم يكتفيا بخيانتي فحسب، بل دسَّا السم في حلقي أيضاً.
أنا الآن أستخدم دهائي للهرب كالبرق من الباب الخلفي لمنزل الماركيز.
“كح، ووويييييه…”
كان قلبي ينبض بجنون.
شعرتُ بألم يلتوي بحرارة من فم معدتي وكأنَّ أحدهم سكب حمماً بركانية بداخلي.
لَمْ أستطع الاحتمال فتقيأتُ، واختلطت قطع من الدم مع عصارة معدتِي لتُبلل العشب.
كان الأمر يبعث على القهر.
بخلافِي أنا التي لُقبتُ بالآنسة المستهترة منذ لحظة ما، كانت أختي بونيتَا أوديت تُلقب بالآنسة الرحيمة والجميلة.
حتى الأمس، كنتُ أظن أنَّ هذا اللقب يليق بها حقاً، كانت رقيقة كزهرة ربيعية مشرقة لدرجة أنني لَمْ أشعر حتى بالحسد تجاهها.
رغم أنها كانت أختي غير الشقيقة من زواج والديَّ الثاني، كيف لي أنْ أتركها في المنزل الأصلي وهي التي ترجتني بدموعها أنْ تعتني بأختها الوحيدة؟
أمام توسل أوديت الملح وعينيها الباكيتين، أحضرتها معي إلى منزل الماركيز مونتاج بمجرد زواجي.
– “مَن سيهتم بأختي إنْ لَمْ أهتم بها أنا؟”
كانت محبوبة.
ولو لَمْ أرها وهي تلهو بدناءة مع زوجي وهما عاريان، لكانت لا تزال محبوبة في نظري.
“أيها القذرون، كيف تجرؤون. فقط لو خرجتُ مِن مَن هُنا…”
كنتُ أنوي التوجه مباشرة إلى مركز الحراسة بمجرد خروجي من هذا القصر.
زحفتُ وزحفتُ بمرفقيَّ محاولة كشف حقيقتهم للجميع.
لكن لسبب ما، بدا وكأنَّ الباب الخلفي يبتعد أكثر فأكثر.
بدأ رأسي يضيق وفكي يرتجف.
لَمْ أعد أميز إنْ كان ما يسيل من فمي لعاباً أم دماً، لكنني تمنيتُ لو كان دماً.
سيكون منظراً مخجلاً أنْ تزحف شابة في التاسعة عشرة وهي تسيل لعابها، أليس كذلك؟
【ماذا ستفعلين إنْ خرجتِ؟】
“سأخبر والدي بالطبع ليتم قطع رؤوسهم…”
صحيح، والدي توفي منذ مدة قصيرة.
لكن مَن أنتَ؟
حاولتُ تنظيم أنفاسي المتلاحقة بصعوبة، وأدرتُ رأسي نحو مصدر الصوت.
في إمبراطورية أركانيس، الأشخاص الذين يجب أنْ أتطلع إليهم من الأسفل قليلون جداً.
بينما كنتُ أنظر للأعلى ظناً مني أنَّ المتحدث وقح للغاية، لَمْ يسعني سوى الصمت.
【آه! قطع الرؤوس أمر جيد. لقد رأيتُ ذَلك كثيراً.】
لَمْ يكن له… وجه.
لا، أنا أعني ذَلك حقاً، لَمْ يملك وجهاً.
وكأنَّ مساحة وجهه طُليت بمسحوق أبيض، فلا عين ولا أنف ولا فم.
ذَلك الكائن الذي يتخذ هيئة رجل خاطبني مجدداً بصوت مبتهج:
【لكن يا عزيزتي، يبدو أنكِ ستموتين قبل أنْ تخرجي حتى. هل لي أنْ أساعدكِ؟】
“هل، هل، هل أنتَ شبح؟”
【نعم. هل هَذهِ المرة الأولى التي ترين فيها شبحاً؟】
“هَذهِ المرة الأولى، كح! وويييه…!”
تقيأتُ مجدداً.
كانت قطع الدم أصغر من سابقتها لكنها أكثر عدداً.
رغم أنني لَمْ أعد أشعر بحرقة في معدتي، إلا أنني شعرتُ يقيناً أنني سأموت قريباً.
أليس الدليل هو أنني أرى الأشباح الآن؟
أمسكتُ بالعشب الملطخ بالدماء وتأملتُ كلمات هذا الشبح (؟).
لَمْ أفهم كيف لمخلوق تافه لا يملك حتى ملامح أنْ يعرض مساعدتي، لكن شيئاً واحداً كان واضحاً.
‘أريد الانتقام!’
أريد تحطيم شرف هؤلاء الذين تجرؤوا على فعل ما لا يُغتفر لي، أريد تعذيبهم ثم قتلهم!
بعد أنْ حددتُ هدفي بسرعة، استلقيتُ تماماً لأنني لَمْ أعد أقوى على رفع رأسي وسألت:
“ما سبب رغبتك في مساعدتي؟”
【كلامكِ فظ وقصير.】
“والشبح أيضاً فظ… وقصير.”
أنا لَمْ أرتعب، كل ما في الأمر أنني شعرتُ أنني الطرف الأضعف في هذا الموقف، فقررتُ التراجع خطوة.
أومأ الشبح الذي نفذ سؤالي إلى جوهر الأمر وهو يكتف ذراعيه.
كان منظره غريباً لأنَّ ملامحه مفقودة تماماً.
【سؤال جيد. لَمْ أتوقع ذَلك من ابنة اللورد بينيترا، لكنكِ تملكين جانباً ذكياً.】
“لا تشتم والدي، هَذهِ إهانة للموتى.”
يبدو أنَّ هذا الشبح الذي يتجول في كل مكان يعرف والدي أيضاً.
لَمْ يعجبني تطرقه لوالدي الذي توفي قبل أيام، لكن الأمور التافهة ليست مهمة الآن.
بقي الشبح مكتف اليدين وهو ينقر العشب بطرف حذائه، ثم جلس القرفصاء أمامي.
عندما واجهته عن قرب، شعرتُ لسبب ما أنَّ هذا الكائن عديم الوجه يبتسم.
【تريدين الانتقام منهما، أليس كذلك؟ يمكنني مساعدتكِ، لكن بشرط أنْ تنفذي انتقامي أنا أيضاً.】
“… هل لديكَ ضغينة لم تُسكن؟”
【شيء مِن هَذا القبيل. لن تكون صفقة خاسرة، يا عزيزتي.】
لَمْ أفهم لماذا يناديني بكلمات مثل “عزيزتي” كأنه رجل لعوب يتسكع في الحانات، لكنني أجلتُ هذا التساؤل أيضاً.
أليست الصفقات تتطلب إجراءات؟
كان من المفترض أنْ أسمع قصته بالتفصيل أولاً، مَن هو هدف انتقامه وما هي الخطة الملموسة للمساعدة.
لكن لسوء الحظ، كان عليَّ الإجابة بسرعة حين سمعتُ أصوات الفرسان وضوء الفوانيس يقترب، وهم يصيحون بوجوب البحث في هذا الاتجاه وأنها لن تكون قد ابتعدت.
“لنقم بذَلك! الانتقام يكون ألذ حين يشارك فيه اثنان!”
【ألا تريدين التفكير أكثر قليلًا؟】
“الآن، فوراً، بسرعة، ساعدني!”
“لقد وجدناها!” صرخة ذاك الفارس السافل دوت في الأرجاء.
في تلك اللحظة، تقيأتُ مرة أخرى.
رأيتُ لوناً أخضر يخرج مني، مما يعني أنَّه لَمْ يعد هناك شيء ليخرج.
【واو، هَذهِ أول مرة أرى فيها عصارة المرارة.】
غطى الشبح عينيَّ بيده الكبيرة بعد أنْ نطق بتلك الكلمات المستفزة وكأنه يشاهد عرضاً غريباً.
حجب ضوء باهر بصري ثم حل الظلام فجأة.
رثيتُ حالي وظننتُ أنَّ شبحاً يتحدث عن عصارة المرارة لن يقدم مساعدة حقيقية.
أبي، ابنتكِ الجميلة كوك قادمة للقائك الآن.
هكذا ظننتُ أنَّ حياة روزيتا كوك بينيترا قد انتهت.
كانت اللحظة الأخيرة من سن التاسعة عشرة فارغة تماماً.
* * *
< سجل ملاحظات الابنة الكبرى لعائلة بينيترا >
عصبية.
بلا رحمة.
خبيثة.
كل هَذهِ كانت أوصافاً تطلق على الآنسة روزيتا، الابنة الكبرى لعائلة الدوق بينيترا التي أخدمها.
قد يبدو وصف سيدة لم تتجاوز السادسة عشرة بهذه الكلمات قاسياً، لكن آنستنا كانت قمة في سوء الأخلاق.
– “ألم أكن أعلم أنكِ أردتِ طعني بقطع فنجان الشاي المكسور؟”
طردت خادمة كانت بجانبها لسنوات بقسوة لأنها كُسرت فنجان شاي.
– “يا لكِ من وقحة. أرى خيطاً بارزاً، يبدو أنكِ تنوين إحراجي!”
ومزقت فستاناً لا عيب فيه لمجرد أنَّ الخياطة لَمْ تعجبها.
لَمْ يمر يوم دون أنْ تخرج الخادمات من غرفتها وهن يبكين… حتى أنني حين كنتُ أحرس، انتهى بي الأمر بمواساة خادمة مسكينة حتى وقعنا في الحب.
لن أشكر الآنسة على توفير حبيبة لي بالطبع.
بالتأكيد، لَمْ تكن الآنسة روزيتا تتصرف بهذا السوء دائماً.
حسب ذاكرتي، بدأ الأمر حين كانت في الرابعة عشرة تقريباً… بعد أنْ تزوج الدوق من السيدة الحالية وجاءت الآنسة بونيتَا للعيش معنا.
كانتا تبدوان مقربتين، لكن بمجرد أنْ نغفل عنهما، كانت الآنسة بونيتَا تذرف الدموع وتعتذر، بينما تصرخ الآنسة روزيتا بغضب وتطلب منها الاختفاء.
رغم أنهما أختان بالتبني، إلا أنَّ الفرق بينهما كان شاسعاً.
– “آمر بحبس روزيتا في غرفتها حتى تتعافى.”
ومع تزايد نوبات غضب الآنسة وتذمر الخدم، لَمْ يكن مستغرباً أنْ يأمر الدوق بحبسها، بل ووضع فارساً أمام بابها.
هكذا، حُبست تلك الابنة النبيلة في غرفتها وهي في نهاية عامها الرابع عشر.
“هاااا، الجو هادئ…”
مر عام ونصف على هذا الإهمال.
بينما كنتُ أحرس في وقت متأخر، جلستُ أمام الباب وأنا أتثاءب.
الحقيقة أنَّ الكثيرين أصبحوا يهملون واجباتهم تجاهها، وأنا منهم.
كنتُ أشعر في داخلي أنَّ تلك الآنسة السيئة لا تستحق معاملة جيدة.
لكن هَذا الشعور تغير حين فُتح الباب فجأة وظهر شعر الآنسة المحمر.
“أنتَ.”
كتمتُ صرخة كادت تخرج من فمي وكأنني رأيتُ شبحاً في ضوء القمر.
اعتدلتُ في جلستي بسرعة، ظاناً أنَّ حظي سيئ للغاية.
بما أنني كنتُ مهملاً في عملي، بدأتُ أفكر هل سأُصفع على خدي الأيسر أم أُضرب على ساقي اليمنى.
لكن هيئة الآنسة لفتت نظري.
كانت هَذهِ المرة الأولى التي أراها فيها منذ زمن طويل.
كان شعرها الذي لَمْ يُغسل منذ مدة متلبداً ومتسخاً، وجسدها الذي هزل بسبب تخطي الوجبات لَمْ يكن يختلف عن أطفال الأحياء الفقيرة.
“أين والدي؟”
بينما كنتُ أنتظر الصفعة، طرحت الآنسة سؤالاً غير متوقع دون أنْ ترفع يدها لضربي.
“أعتقد أنَّه في مكتبه…”
“حسناً، فهمتُ.”
كان يجب عليَّ منعها لأنَّ أمر الحبس لا يزال قائماً، لكنني لَمْ أستطع.
رغم أنَّ عينيها كانتا غائرتين، إلا أنَّ نظرتهما كانت مختلفة تماماً.
– “وجه جديد. هل تم تعيينك حديثاً؟”
ذكرتني عيناها الأرجوانيتان اللامعتان بأول يوم قابلتها فيه كحارس.
حينها، كانت روزيتا الصغيرة تمازحني وتطلب مني حمايتها جيداً، وكانت عيناها تلمعان كحجر الجمشت، واليوم رأيتُ ذَلك البريق مجدداً.
في هدوء الفجر، خرجت الآنسة من غرفتها دون أنْ ترتدي حتى فستاناً لائقاً.
كان مظراً مخجلاً لسيدة نبيلة حقاً.
– مقتطف من مذكرات الفارس (أ) التابع لعائلة بينيترا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 1"