1
الفصل 1
“لا تَبكِ، يا أَبِي.”
قالتِ الفتاةُ المُستلقيةُ على السرير بوجهٍ شاحب.
“أنا بخير.”
وبابتسامةٍ خافتةٍ عالقةٍ على شفتيها، تابعتِ الطفلةُ كلامها ببطء، فتنفّسَ كلُّ مَن حولها تنهيدةً مفعمةً بالأسى.
ومن بينهم، سأل الرجلُ الذي دَعَتْهُ “أبي”، دوقُ مايْفيلد، الطبيبَ:
“يا ألبرت، أحقًّا لا توجد طريقة؟”
“……أنا آسف.”
وحين لاحظتِ الطفلةُ ازديادَ احمرارِ عيني والدها، مدّت إليه يدها النحيلةَ البيضاء.
“حقًّا، أنا لن أموت من هذا… سعال، سعال!”
كان صوتُها ناعمًا حنونًا كصوتِ ملاك، لكنّه تلاشى أخيرًا مع سُعالٍ خفيف.
“ليلى، يا صغيرتي. لا داعي لأن تُجهدي نفسكِ لطمأنتي.”
رفعت ليلى جسدها وهي تسعلُ مرارًا، ثم سألت وكأنها لا تفهم:
“……ماذا تقصد؟”
“أعلم أنّكِ تحاولين تخفيفَ حملي… لكن يا ليلى، لا بأس أن تتصرّفي كالمعتاد.”
عند صوته المُفعم بالحزن، ارتعشت حاجبا ليلى.
“كالمعتاد؟ وكيف كنتُ أصلًا؟”
“……حين كنتِ تنزعجين، كنتِ ترمين الأشياء فورًا….”
“ماذا؟”
انخفض صوتُها وهي تعيد السؤال، لكن الدوق لم يلحظ ذلك، واستمرّ وهو يبكي:
“وكنتِ تُثيرين المشاكل مع رفيقاتكِ في اللعب، وتقولين لهنّ ألّا يقتربن منكِ أبدًا!”
“…….”
“وإذا طلبتِ من المطبخ إعدادَ وجبةٍ خفيفة ولم تُعجبكِ، كنتِ ترفضينها واحدةً تلوَ الأخرى! وبمجرّد أن يلتقي أحدٌ بنظركِ، تُعاملينه بفظاظة، حتى صاروا يلقّبونكِ بـ’شيطانة عائلة الدوق الصغيرة’!”
“أحم….”
حرّك الخدمُ الواقفون من حولها رؤوسهم موافقين على مضض، وهم يرمقون الدوق بحذر.
إذ لم يكونوا يعلمون أنّه يعرف هذا اللقبَ الذي يُطلقونه سرًّا على ليلى.
وبفضل ذلك، أخذت زاويةُ ابتسامةِ ليلى ترتجف.
“حتى لو تشبّثتِ بي وقلتِ إنكِ تكرهينني، لا بأس! ……كلُّ شيءٍ لا بأس به.”
جلس الدوق منحنياً ليكون في مستوى نظرها، وأمسك بيدها الصغيرة.
“فمهما فعلتِ، لن يتغيّر حُبّي لكِ، يا ابنتي الوحيدة. ليلى… بل أتمنّى على الأقل في لحظاتكِ الأخيرة أن تكوني مرتاحة البال……!”
احتبس صوته من شدّة البكاء، ومن بين الخدم سُمِعَت أصواتُ نشيجٍ متقطّع.
وخاصةً خادمتها الخاصة، فيبي، التي كانت تبكي بحرقة وهي تكتم صوتها بمنديل.
وفي هذا الجوّ المليء بالحنان والأسى، كانت ليلى وحدها باردةً تمامًا.
بدت كأنها تكبت شيئًا في داخلها، ثم سحبت يدها بهدوء من قبضة والدها وفتحت فمها:
“لهذا أقول لكَ مرارًا، أنا لستُ مريضةً إلى هذا الحد… سعال، سعال!”
لكن كلماتها، التي بدت كنوعٍ من التمرّد الصغير، لم تكتمل اليوم أيضًا.
فقد سال دمٌ أحمر من تحت يدها التي كانت تغطّي فمها.
“ألبرت! افعل شيئًا بسرعة!”
ما إن رأى الدوق الدمَ الذي لطّخ الملاءة حتى ارتعب، وسرعان ما عمّ الاضطرابُ غرفةَ ليلى مع تحرّك الخدم بسرعةٍ منظّمة.
أما ليلى، التي فقدت حجّةَ كلامها مرةً أخرى، فقد استسلمت وتمدّدت على السرير بوجهٍ يائس.
‘حتى لو تقيّأتُ قليلًا من الدم… لن أموت.’
سحبت الغطاءَ حتى ذقنها، وأخذت تدير عينيها وهي تتفحّص ما حولها، ثم أطلقت زفرةً خفيّة.
ليلى مايْفيلد. الابنةُ الوحيدة لدوق، في الثامنة من عمرها فقط، تعاني مرضًا عضالًا.
كلّ ما أرادته هو أن تكون فتاةً طيّبة… لكنهم يعاملونها وكأنها على وشك الموت.
—
منذ فترةٍ قريبة، رأيتُ حلمًا.
أو بالأحرى، كان حلمًا نبوئيًّا.
عادةً، لو كان طفلٌ عادي، لبكى من شدّة الخوف ثم نسيه سريعًا، لكنني لستُ طفلةً غبيّة.
لابدّ أنّه درسٌ من الإله.
“اخرجوا جميعًا! لا أريد أن أرى وجوهكم!”
“أتظنّين نفسكِ بالغةً حقًّا؟ لا تَخطئي يا إيزابيلا، هذا نفاق.”
في الحلم، كنتُ قد كبرتُ كما أنا الآن تقريبًا.
امرأةٌ ضعيفةٌ مريضة، لا تعرف متى تموت. عصبيّة، قاسية، لا تجيد التعبير عن مشاعرها…
في ذلك الحلم، كنتُ أصدّ حبَّ أبي، وأؤذي بيدي صديقةً عزيزة.
حتى زوجي، الذي بقي إلى جانبي، كنتُ أُسيء معاملته بلا رحمة.
‘وفي النهاية، سئم مني وقتلني بالسم.’
وربما من حسن الحظّ أنّني لم أمت بالمرض، بل قُتلت.
صحيحٌ أنّ القتل مروّع، لكنه على الأقلّ دليلٌ على أنّ المرض لم يقتلني.
‘مع ذلك… هناك أمرٌ آخر يقلقني.’
كان هناك شخصٌ يلوح في ذهني.
لا أعرف من هو، لكن عينيه الذهبيّتين ونظرته بقيتا عالقتين في ذاكرتي.
‘لكن بما أنّني نسيتُه فور استيقاظي، فلا بدّ أنّه لم يكن مهمًّا.’
على أيّ حال، بعد حلمٍ طويلٍ وواضحٍ إلى هذا الحد، أدركتُ أمرًا واحدًا:
‘إن استمررتُ هكذا، سأقع في ورطة!’
إن لم أُغيّر شخصيّتي وأعِشْ بلُطفٍ من الآن، فسأصل إلى ذلك المستقبل الذي رأيته.
سأكبر كشريرةٍ نمطيّة… ثم أموت وكأنني أتلقّى عقاب أفعالي.
‘لا أريد هذا المستقبل!’
لذلك قرّرتُ أن أتغيّر منذ ذلك اليوم.
لكن… هل كانت طريقتي خاطئة؟
“فيبي.”
“نعم، آنستي؟”
“كيف يمكنني أن أكون فتاةً طيّبة؟”
“……ماذا؟!”
كان وجهُ فيبي المذهول لا يُنسى.
وكذلك ملامحُ أبي حين قلتُ له:
“أبي، شكرًا لكَ على اعتنائك بي طوال هذا الوقت.”
“هاه…؟”
“أعتذر لأنني كنتُ سيّئةً بسبب مرضي. لم أستطع قول ذلك من قبل، لكنني ممتنّة… وأحبّك.”
لا تزال صورته وهو يحدّق بي بذهولٍ وقد سكب الشاي من يده حيّةً في ذاكرتي.
‘ومنذ ذلك الحين، بدأ يعاملني كأنني مريضةٌ ميؤوسٌ منها أدركتُ نهايتها….’
هل كان تغيّرًا مفاجئًا أكثر من اللازم؟
بصراحة، كنتُ حتى الآن طفلةً لا تُبالي بنظرات الآخرين إطلاقًا.
ولو حاولتُ التبرير، فقد كنتُ أظنّ حقًّا أنّني لن أعيش طويلًا.
جسدٌ ضعيف ورثته عن أمّي الراحلة.
وفوق ذلك، مرضٌ مجهول السبب والعلاج…
وفي الآونة الأخيرة، ساءت حالتي لدرجة أنّ الطبيب نفسه لم يعد يستطيع تحديد كم سأعيش.
‘لكن الآن الأمر مختلف. لديّ مستقبل.’
في الحلم، كنتُ قد أصبحتُ بالغة.
أيًّا كان ذلك المرض، فهو لم يقتلني.
لذلك سأتغيّر. لن أكون شيطانة عائلة الدوق الصغيرة، بل ابنةً طيّبةً وعاديّة.
وسأنجو، وأفعل كلّ ما أريد، ثم أموت بعد أن أشيخ!
وبينما كنتُ أقبض يدي بعزم، سُمِع طرقٌ على الباب وصوتٌ من الخارج:
“ليلى، أنا جوشوا. هل يمكنني الدخول؟”
عند سماع الصوت المرتجف قليلًا، أرخيتُ قبضتي ونظرتُ نحو الباب.
الشخص الذي يناديني هو زوجي في المستقبل، الذي سيقتلني… لكنه الآن مجرّد طفل.
ابنُ طبيبي، ألبرت بنسون، وصديقي منذ الطفولة—أو هكذا يُفترض.
‘مع أنّه هو من يتبعني دائمًا من طرفٍ واحد.’
على أيّ حال، هو الهدفُ رقم 1 في خطّة التخلّص من عواقب أفعالي!
لا أعرف لماذا تزوّجني، ولا لماذا أنهى علاقتنا بتلك الطريقة.
ففي الحلم، رأيتُ الأحداث فقط، ولم أعرف ما في القلوب.
لكن ما يجب عليّ فعله واضح:
‘سأعامله بلطفٍ حتى لا يكرهني، وعندما أكبر لن أتزوّجه.’
أليس عليّ فقط أن أفعل عكس ما رأيته في أسوأ الاحتمالات؟
“ليلى؟ هل هناك شيء؟”
بينما كنتُ أفكّر، فُتح الباب بحذر.
ظهر صبيّ بشعرٍ ذهبيّ كأشعّة الشمس، وعينين زرقاوين، يحمل باقةَ زهورٍ أكبر من وجهه.
“الحمد لله… لم تجيبي، فظننتُ أنّ شيئًا حدث.”
كان القلق واضحًا عليه، وقد امتلأت عيناه بالدموع.
“آسفة. انتظرتَ طويلًا؟ تعالَ واجلس هنا.”
ابتسمتُ على نطاقٍ واسع وربتُّ على المكان بجانبي.
لكن…
“ليلى… أأنتِ… مريضةٌ حقًّا إلى هذا الحد؟”
ارتجف جوشوا فجأة، ثم انفجر بالبكاء.
ماذا فعلتُ أصلًا ليبكي هكذا؟
العيشُ بلُطف… ليس سهلًا أبدًا!
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 1"