شدّني بايك إيهيون إلى صدره بقوة. الأزرار المعدنية الباردة المعلّقة ببزته العسكرية ضغطت على جلدي فأوجعتني، فحبستُ أنفاسي لا شعوريًا. عندها تراخت الذراع التي كانت تطوّقني قليلًا.
لم يكن ذلك تراخيًا يسمح بالدفع أو الإفلات. بالكاد استطعت أن أنطق:
“أنزلني.”
لم يعرني بايك إيهيون أي انتباه. انزلق بصره متجاوزًا إياي إلى الأسفل. كان على الأرض إناءٌ مقلوب، وقد تناثر الطعام على نحوٍ فوضوي.
دفعتُ صدره مرةً أخرى. دوّى صوته في راحة يدي. كان منخفضًا، ثابتًا، لا انفعال فيه.
“هذه المرأة ليست كلبًا. مثل هذا التعامل لا يبدو صائبًا.”
كانت مينسورين قد نهضت من مكانها دون أن أشعر. جمعت يديها بأدب، وخفّضت بصرها قليلًا، في وقفةٍ مهذبة إلى أقصى حد.
لم يكن يُصدَّق أن هذه المرأة نفسها هي التي كانت، حتى لحظات مضت، تمسك بشَعري وتحاول صبّ الحساء في فمي. ومع ذلك، أجابت مينسورين بنبرة مهذبة لا تشوبها شائبة:
“في موطني نُطلق على السراري* اسم الكلاب، ولهذا جئتُ بطعام الكلاب.”
*موروها. الجواري المملوكة التي يتخذها السيد للوطء والاستمتاع باختصار عـ*هرة.
كانت نبرتها هادئة إلى حدٍ جعلني لا أفهم كلامها في اللحظة الأولى. ثم أعدتُ النظر إلى الطعام. بدا للوهلة الأولى حساء لحمٍ عاديًا، غير أن رائحةً زنخة خفيفة تصاعدت منه.
“وعلى أي أساس حكمتِ بأنها سرّية؟”
“أليس بإمكانها تحمل الإنتقال دون عواقب؟”
تابعت مينسورين كلامها بسلاسة، ويداها لا تزالان متشابكتين، وعيناها مطرقتين:
“تجوبون ساحات القتال الوعرة، فلا يعقل ألّا تستخدموا الإنتقال لمرة واحده على الأقل؟ لا بدّ أنكم تفرغون العبء عن أنفسكم في مكانٍ ما، أليس كذلك؟”
الإنتقال؟
لم أفهم ما قصدت للوهلة الاولى، لكن مجرى الحديث بثّ في نفسي شعورًا مريبًا.
“تُهرّبون امرأة تستخدم للإنتقال خلسة من الخلف، وتلفقون لها أنها دخيلة، ثم تطعمونها بأنفسكم سلاحًا من رتبة S كي لا تموت… يبدو أن علاقاتك العاطفية، أيها القائد، واسعة النطاق فعلًا.”
“تقصدين أنني كنت أعرف هذه المرأة منذ زمن، وأنني افتعلتُ هذه المسرحية عمدًا لأصطحبها معي علنًا في ساحة المعركة؟”
“أليس كذلك؟”
“اخرجي.”
لم تتراجع مينسورين قيد أنملة. رفعت بصرها الذي كانت تخفضه طوال الوقت. حدقتاها الكبيرتان على غير العادة لم تمسّاني حتى، بل استقرتا بدقة على بايك إيهيون، كأنهما تلتصقان به.
“إدخال دخيلة إلى سفينة حربية على هذا النحو، أيها القائد، لا سابقة له.”
“إنها حالة لا يمكن أن تكون لها سابقة.”
“حتى في الحالات الاستثنائية، هناك ما يُسمّى بالمنطق. سمعتُ أنها اقتحمت غرفة الأمن وسرقت سلاحًا بالغ الأهمية، ومع ذلك لم تتلقَّ أي عقوبة.”
“ولأجل ذلك جئتِ بطعام كلاب لا تعرفين حتى ما الذي وُضع فيه، لتحاولي إنزال العقوبة بنفسك؟ منذ متى كان للمُدافع حقّ العقاب؟ هذا تجاوز للحدود قبل أن يكون غرورًا.”
“لا يمكن، في أي ظرف، إدخال دخيل إلى الجيش. ولأن أحدًا لا يجرؤ على معارضتك، أيها القائد، تحرّكتُ أنا على الأقل.”
“ألا تعرفين قيمة سلاح من رتبة S؟”
لم تجب مينسورين.
“أسألك. هل تملك عائلة يوول القدرة على تعويض قيمة تعادل كوكبًا أمًّا كاملًا؟”
“عائلتنا تُعلي شأن الشرف أكثر من المال. أن يتجول دخيل حيّ على متن سفينة أدعمها أنا…”
تحوّل نظر مينسورين نحوي.
“يحطّ من كرامتي.”
“وهل يحتاج استخدام سلاح من رتبة S، الذي ختمه جلالة الإمبراطور بنفسه، إلى كل هذا التكلّف؟”
“هذا ليس في صالحك أيضًا، أيها القائد. قل لجلالته إن السلاح فُقد في حادث، وإن احتجتَ إلى شخص يتحمّل المسؤولية فاجعلني ذريعة. أنهِ هذه المهزلة السخيفة. وحتى لو تنازلت مئة مرة، فلن أقتل المرأة، فقط أبعدها عن ناظري، وسأعتبر ما جرى كأن لم يكن…”
لم يُصغِ بايك إيهيون إلى المزيد. قال باقتضاب، كأنه لا يرى في الكلام ما يستحق الرد:
“أخرجوها.”
تقدّم جندي كان واقفًا خلف بايك إيهيون بخطوة واسعة. كان الملل الذي لا تخفيه حتى الوقفة العسكرية المنضبطة مألوفًا لدي.
أمام البوابة، الرجل الذي كان يقذف جوهرة انتزعها من جثة رجلٍ ميت في الهواء مازحًا بسخف، ثم اقترب مني يسألني إن كنتُ مطوّرة… كان كيم دوون.
قبل أن يقترب كيم دوون تمامًا، تشوّه وجه مينسورين ببرودٍ قاسٍ.
“لا تلمسني. سأخرج بنفسي.”
قالتها باقتضاب، ثم أمسكت بطرف فستانها ومضت متجاوزة كيم دوون. توقفت عند عتبة الباب، واستدارت لتنظر إلى هنا.
“إذا علمت عائلتنا بهذا الوضع، سيستدعوني فورًا. عندها ستفرغ السفينة الحربية. هل تستطيعون القتال بلا مدافع؟”
“المدافع يمكن استبداله، لكن المرأة التي حاولتِ قتلها قبل قليل فريدة.”
برزت العروق على ظهر يد مينسورين التي كانت تقبض على الفستان. ثم خرجت من الباب.
خلف الباب الذي أُغلق ببطء، تلاشى صوت وقع الكعبين، تك… تك….
“هل يعلم ربّ عائلة يوول أن ابنته تتصرف على هذا النحو؟”
“يكفي إن لم يكن هو من أمرها.”
أجاب كيم دوون، ثم ركع على إحدى ركبتيه وخفّض جسده، ومدّ معصمه نحو الإناء المقلوب.
ظهر تحذير أحمر على ساعته. نهض كيم دوون.
“تحتوي على كمية كبيرة من السموم. سأستدعي الباحثين لجمعها.”
“يكفي إن لم يكن قد أمرها؟”
“أيها القائد.”
نظر كيم دوون إلى بايك إيهيون.
“مينسورين لا تتصرف هكذا مع أي رجل. ألم ترَ؟ تنظر إليّ كأنني حشرة.”
“نحن لا نربطنا أي علاقة، ومع ذلك تشكّ في تصرفاتي بإفراط.”
“تبدو كمريضة بارانويا* الغيرة.”
*موروها. حالة نفسية تتميز بشكوك قوية وغير مبررة، وشعور دائم بأن الآخرين يتربصون بك أو يسعون لإيذائك أو خداعك، حتى في غياب أي دليل منطقي لذلك
“ألا تشعر أن في رأسك خللًا؟ أسألك بصدق لأنني قلق.”
“إن اعتبرتَ التعلّق بدافع الإعجاب تصرفًا غير طبيعي، فعليك أن تقلق على أكثر من نصف الكائنات الحية في الكون، بما في ذلك الأرواح الهائمة بلا وعي. بل وربما أكثر، إذ قد يكون بينهم رجال أيضًا.”
لم يكن كيم دوون يمزح قط. ثم أضاف:
“لا أدافع عن مينسورين.”
“أشكّ في أنها تدعم الدفاع كما ينبغي وهي في هذه الحالة الذهنية التي تحاول فيها العبث بموارد الجيش كما يحلو لها. تحقّق مما إذا انخفض معدل الدفاع إلى ما دون 95% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وقدّم تقريرًا قبل منتصف الليل اليوم.”
“أمرك. لكن، أيها القائد… ما زلتَ تحملها.”
“نسيت.”
أنزلني بايك إيهيون على السرير. نهض بجذعٍ علوي لا هو لين ولا خشن، بل خالٍ من المشاعر، وجذب كمّ زيه المجعّد ليعدّله.
ظلّ كيم دوون واقفًا يحدّق فيه بذهول. تلاشت لياقته المصقولة، وبدا الاستغراب جليًا على وجهه.
“نسيتَ؟”
“أليس هذا طبيعيًا؟”
تسرّبت مسحة ضيق خفيفة إلى نبرة بايك إيهيون.
“كادت قوة رئيسية أن تتضرر للتو. بسبب إهمالك.”
“أعتذر.”
انحنى كيم دوون بأدب، ومع ذلك لم يبدُ مقتنعًا على الإطلاق. نظر إليّ بايك إيهيون كمن يزفر تنهيدة.
“لماذا لم تتجنبي؟”
تلقّيتُ نظره بصمت.
“أنتِ التي تفاديتِ جميع الباحثين، وأوقعتِ بعضهم فاقدي الوعي، واقتحمتِ غرفة الأمن. لا يُعقل أنكِ لم تستطيعي إبعاد وعاء طعامٍ مكشوف يدخل فمك مباشرة. هل كنتِ تأملين أن تظهر نافذة الحالة مجددًا؟ لأنها تظهر عندما تكونين في خطر؟”
خلف بايك إيهيون الذي كان يسأل ببرود، فتح كيم دوون عينيه على وسعهما وهو ينظر إليّ.
“ستفهمين الآن. نافذة الحالة لا تتردد في استخدام أي وسيلة لحمايتك. قبل قليل منحتك دقيقة واحدة من المهلة، لكن لا أحد يعلم كيف ستتصرف في ظروف أخرى. هل تنوين تسوية هذا المكان كله بالأرض؟”
“إن لزم الأمر، نعم.”
لم يكن الجواب صعبًا. نطقت به ببطء ووضوح:
“لا أحد يشرح لي ما هي نافذة الحالة، لذلك لا خيار أمامي سوى ابتلاع طعامٍ خطير لأمسك بخيط. إن كنتَ تكره تهوري، فامنحني المعلومات.”
“إن تحركتِ بهذه الطريقة، فالجميع في خطر. قيل إن نافذة الحالة قادرة على تحويل محيط مئة كيلومتر إلى خراب. ألا يهمك إن متُّ أنا؟”
“وما شأني إن متَّ أو عشت؟”
“ألم تقولي إنني صديقك المقرّب؟ أكان ذلك كذبًا؟”
“أخطأتُ التقدير.”
كان قلبي قد رتّب أمره بصفاء. حين أفكر الآن، كانت الاختلافات كثيرة، غير أن الشكل والاسم المتطابقين مع بايك إيهيون الذي أعرفه أربكاني، فلم أُحسن ضبط مشاعري.
أما الآن، فلا.
قلتُها بوضوح:
“أنت لستَ بايك إيهيون الذي أعرفه.”
كنتُ على يقين. هو شخص آخر. في ذلك الحيّز الخانق الذي لا مهرب فيه، حين تركزت كل الهجمات على طفلٍ صغير، أدركتُ أخيرًا.
هذا ليس أسلوب صديقي.
“بايك إيهيون الذي أعرفه لا يستغلّ حسن النوايا.”
—
موروها. مينسورين هذي جابتلي المرض
꧁ترجمة موروها꧂
الانتقال:
فعلٌ يتم فيه تبادل الآثار الجانبية الجسدية والنفسية الناتجة عن استخدام سلاح من النوع الاستيطاني، عبر التلامس الجسدي مع شخصٍ آخر، بغرض التخفيف أو الإلغاء المتبادل.
تُنقل الآثار الجانبية إلى الطرف الآخر، ويُستعاد ألمٌ مخفف، وتتكرر العملية حتى تزول المضاعفات تدريجيًا.
ومع الحاجة إلى زيادة شدة التلامس كلما تقدّم الانتقال، فإنه غالبًا ما يترافق مع علاقة جسدية، غير أنه في حال وجود رابط عاطفي عميق بين الطرفين، يكفي تلامس خفيف، ولذلك يُتّخذ العشّاق عادةً شركاء للانتقال.
المدافع :
شخصٌ خاص يمتلك سلاحًا دفاعيًا من الرتبة D أو أعلى، ويتولى حصريًا مهمة حماية السفن الحربية أو النقاط الاستراتيجية.
قدراته الجوهرية هي “الإخفاء”، وهي تقنية متقدمة تخفي الهدف المحمي عن رصد العدو. تتطلب هذه التقنية فترة انتظار قدرها 24 ساعة بين كل استخدام وآخر، ما يستلزم تشغيلًا استراتيجيًا دقيقًا.
في الوحدات بحجم كتيبة، يُعيَّن مدافع رئيسي واحد، وفي القواعد الكبرى قد يُضاف مدافعون مساعدون إلى جانب المدافع الرئيسي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"